حوار| والد الشهيد عباس فرح لـ

حوار| والد الشهيد عباس فرح لـ"الترا سودان": هذه كانت آخر أقوال الشهيد

رمزية اتكاءة الشهيد عباس على المتاريس وقت استشهاده تظل حاضرة في الاحتجاجات السودانية (مواقع التواصل)

التقينا برئيس منظمة أسر الشهداء فرح عباس فرح الطاهر، خريج اللغة الإنجليزية بجامعة النيلين، والذي هاجر للعمل في المملكة العربية السعودية لما يقارب (21) عامًا للعمل في المجال الإداري، ورشح من ضمن عشرة أفراد في الشركة كصاحب أفضل أداء متكامل.

أما الشهيد عباس فرح فتخرج في كلية الهندسة بجامعة السودان، درس مراحله التعليمية الأولى في السعودية، وأكمل الدراسة في ولاية الجزيرة بمنطقة "أبوعشر".

والد الشهيد: قبيل استشهاد عباس بفترة وجيزة أخبرني برغبته الاستقالة عن العمل للتفرع للثورة.. وهذا ما قاله لأخته قبل خروجه يوم استشهاده

  •  كيف تستعيد ذكرى الشهيد عباس منذ انطلاقة ثورة ديسمبر 2018 أو ما يمكن أن نطلق عليها الفترة الأخيرة من حياة الشهيد؟

- يتميز الشهيد بالصمت والعمل بدلًا عن الكلام، وكان واضحًا من خلال حياته المهنية، والعلاقات الإنسانية مع الناس، ورؤيته للمستقبل. كتب على صفحته الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي يتساءل مع من نعقد الاتفاق؟ وطرح السؤال قبل خمسة أيام من وفاته، وتحدث عن ذاته كثوري رافضًا الاتفاق مع برهان، وطرح احتمال سقوط الثورة أو ضياع الثورة.

اقرأ/ي أيضًا: مليونية 25 ديسمبر.. زخم المواكب يتصاعد رغم القمع وقطع الاتصالات

أجد أن حديث عباس ورفاقه الشهداء، هو ما يحدث حاليًا، وهو طالب بأن يكون الاتفاق مع ضباط الجيش الذين وقفوا مع الثورة مثل حامد أو صديق إذا كان لا بد من الاتفاق مع المكون العسكري، وقال الشهيد إن الاتفاق مع غير هؤلاء سيفضي إلى مجلس انقلابي.

والد الشهيد عباس فرح
والد الشهيد عباس فرح

وكان الشهيد عباس يتحرك فترة الثورة دافعًا من جيبه الخاص ويبذل جلَ راتبه للحراك الثوري. وقبيل وفاته بفترة وجيزة، أخبرني برغبته الاستقالة عن العمل، للتفرع للثورة. 

  •  ماذا حدث في 29 رمضان الموافق 29 حزيران/يونيو 2019؟

- هو من الأيام القلائل التي مكث بها في المنزل، أما بقية الأيام فكان يقضيها بأرض الاعتصام. طلبت منه في ذلك اليوم تجميد نشاطه لاقتراب عدة مناسبات أسرية تزامنًا مع عيد الفطر، تناولنا الإفطار سوية، وصلي بنا أخوه الأصغر، وطلبت منه زكاة الفطر. 

اقرأ/ي أيضًا: حملة للجان أمدرمان لـ"مقاطعة وحصار الانقلابيين"

بعد صلاة الصبح وجد رسالة تقول "ابقوا كتار"ن وكان في انتظاره مجموعة من الأفراد بالخارج لا نعرفهم، خلاف صديق يقطن منطقة الحاج يوسف كان على تواصل معه، وطلب من شقيقته عدم إخباري بخروجه، قال لها لن نترك لهم التروس. وكانت هذه آخر أقواله. كان مسرعًا للموت. 

بعد أربعين دقيقة من خروجه وصلنا خبر إصابته، واحتمال تواجده بمستشفى المعلم أو رويال كير.

  • حدثنا عن استقبال العائلة لخبر استشهاد عباس.

أحمد الله على نعمة الصبر والتماسك، بكيته بالدموع، والألم ما يزال حاضرًا لليوم، وكنت في رمضان 2019 مهيئًا بقراءة القرآن وختمه عدة مرات، قادني الله لاستقبال الخبر بإيمان عالٍ. مضى عباس، وكان يفترض أن يستشهد منذ وقتٍ مبكر.

  • لماذا؟

- لأن عباس يتحرك بفعالية، لا يقبل بأنصاف الحلول، وفي عمله الخاص منظم في حياته، ويرى أن الشباب من يجب عليهم التحرك لخدمة الثورة السودانية. تأثر كثيرًا بالشهيد "دودو" ابن منطقة الحاج يوسف، وكان يتحدث عنه قبل أسبوع من وفاته. ومن كان يتحرك مع عباس في أيامه الأخيرة لم يظهروا لنا بعد وفاته ولم نتعرف عليهم، وكان صديقه من الحاج يوسف يحذره منهم، بقوله إنهم يتمثلون كأصحاب ثورة وهم خلاف ذلك. 

واجهنا صعوبات في تدوين بلاغات القتل وكان يحتمل أن الحق به في ذات اليوم

يبدو أن عباس كان مستهدفًا، نظرًا لحراكه الكبير، وباع نفسه لخدمة البلاد، وحين اتصل به صديقه يخبره عن ضرب الرصاص، جاء رد عباس بأنه الوقت الذي يجب أن نتواجد فيه.

  • هل واجهتم صعوبات في تدوين بلاغات القتل؟

- واجهنا صعوبات جمة وكان يحتمل أن الحق به في ذات اليوم. كنا كعائلة في طريقنا لقطع كوبري القوات المسلحة، وهناك التقينا بقوة أمنية. شرحت لهم الموقف، وتحدث معي جندي بصورة مسيئة للأدب دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل. 

دونت البلاغات في القسم الشمالي، وشرحت الجثة في مشرحة بشائر، خرجنا من المشرحة بعد الإفطار. ثم توجهنا إلى مسقط رأس الشهيد "أبوعشر".

كنت متخوف من عدم إيجاد أشخاص كثر للصلاة عليه، لكن تفاجأت بأن أهالي "أبوعشر" كانوا في انتظارنا، وانتظمت صفوف الصلاة في (11) صفًا للصلاة على عباس.

مكثت في "أبوعشر" على مدى (15) يومًا، تشرفت باستشهاده، وأقول إن الآلآف استأذنوا لأداء العمرة على روحه.

  • بعد مرور أكثر من عامين على حادثة فض اعتصام القيادة؛ كيف تنظرون إلى لجنة أ.نبيل أديب؟

- لا أرى انها لجنة ستحقق عدالة، واللجنة التي تكونت في ثلاثة اشهر، هي لجنة تكونت على عجالة، لترضي قطاعًا من الجمهور، ولا تملك غير تمديد آجالها. ليست لجنة مرجوة لتحقيق عدالة في السودان، وتفتقر إلى المهنية بجانب القانون القاتل، لأن من يقتل يترقى وينقل إلى مكان آخر.

وإلى يومنا تستمر في نموذج من النظام المُباد، وكمثال عليه ما حدث يوم 19 كانون الثاني/ديسمبر الجاري، كان يومًا للاستفتاء الشعبي، استفتاء بعدم الرغبة في الأوضاع الحالية، كان استفتاءً كفيلًا بقلب أي حكومة في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: لجان مقاومة تدعو لاعتصام اليوم الواحد

للأسف نفتقد حب الوطن، وعديد من المجرمين يريدون في حماية أنفسهم والإفلات من العقاب، كما حدث في فض اعتصام القيادة وما بعده ومجزرة تشرين الثاني/نوفمبر وقوامها إلى اليوم اقترب من (50) شهيدًا. نحن أمام قيادة سياسية ليست من رحم الأمة السودانية، وتتمسك بالجلوس رغمًا عن دعوات الرفض.

  • لمن توجه هذا الخطاب؟

- موجه لقائد الجيش عبدالفتاح البرهان، ولكل القتلة. وللمكون العسكري، مع العلم أن البرهان يسوِّق كراهيتنا للجيش، نؤكد خلاف ذلك، ونحب الشرفاء من المؤسسة العسكرية، ومن يحمي الداخل والحدود السودانية.

  • ثمة اتهامات تطال منظمة أسر الشهداء بأنها ذات توجهات سياسية، ما تعليقكم؟.

لا يخلو جسم في السودان من أشخاص ذوو توجهات سياسية. والبعض من أعضاء المنظمة خارج اللجنة التنفيذية، يتحدثون بلسان المنظمة. وكلما أغلقنا عليهم الأبواب يقولون بتوقيعهم مع الأجسام المطلبية. 

أعضاء خارج اللجنة التنفيذية يتحدثون بلسان منظمة أسر الشهداء

أؤكد من هذا المنبر بأن منصتنا الإعلامية هي الصفحة الرسمية لمنظمة أسر الشهداء، وغير مسموح لأحد بالتوقيع إلا الرئيس أو الجهة الإعلامية، ومن وقع باسم أسر الشهداء نحملهم المسؤولية كاملة. ولن نسمح باختراقنا، ومن يتحدثون باسمنا يمارسون سلوكًا غير مقبول، وللأسف البعض يرغب في التسلق على دماء الشهداء، ولا يوجد كيان حزبي يتحدث باسم المنظمة. 

  • تتعدد مفاهيم العدالة الانتقالية من دولة لأخرى، ومن فرد لآخر. كيف تعرف العدالة من وجهة نظرك؟

- العدالة الانتقالية هي الصدق، أن يخرج من قتل واغتصب وحرق وأغرق في النيل، أن يتسم بالشجاعة للاعتراف. وأرسل رسالة لهؤلاء بأن حياة الناس ليست طويلة كحياة الديناصورات، يجب أن نسجل لأنفسنا التاريخ الناصع، كما سجلها مئات السودانيون. والفرصة ما تزال متاحة للتسجيل في صفحات التاريخ البيضاء.

وهناك ثلاثة خيارات فقط، المسامحة أو الدية أو القصاص، وهي خيارات الدين الإسلامي. وعليهم طلب العفو من الشعب السوداني، لأن الشهداء أبناء الشعب. وهي خيارات تكون بعد انتهاء المحاكمات، ومجيء فترة المصالحات.

  • بعد موافقة السودان التوقيع على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، كيف تدعم هذه الخطوة قضية تحقيق العدالة للشهداء؟

- خطوة مهمة تساعد في دعم قضية الشهداء، بعد استنفاذ كل الإجراءات المحلية. لدينا تواصل مع محامين في السودان وهولندا ذوي صلة بالمحكمة الجنائية. ونطلب بالعدالة أينما كانت لحماية الجيل القادم. 

اقرأ/ي أيضًا

حوار| الروائي عاطف الحاج سعيد: أنا أستمتع بالكتابة وبعملية التخييل

لجان بحري: ثورة ديسمبر انتصرت بتحالف لجان المقاومة والأحزاب والمهنيين