06-سبتمبر-2023
البرهان وحميدتي قائدا الجيش السوداني وقوات الدعم السريع

مثل البرهان وحميدتي إلى جانب قوى الحرية والتغيير أضلع العملية السياسية التي سبقت الحرب (ألترا سودان)

"السياسة هي الحرب بطريقة أخرى"، هكذا تقول الأمثولة الواقعية الشهيرة. وفي ظل المعارك الراهنة يراد لها –أي السياسة– أن تعمل في نطاق الحرب وعبر منطقها، إذ ترد أسئلة الاصطفاف واصطفاف الأسئلة ضمن الجدال المشتعل بموازاة الاشتباكات العنيفة التي تشهدها الخرطوم منذ الخامس عشر من نيسان/أبريل الماضي، والأصداء الدامية في الولايات الملتهبة لا سيما على امتداد دارفور ومناطق واسعة من كردفان – إلى أن أتى خروج البرهان في الرابع والعشرين من آب/أغسطس المنصرم –ضمن عملية نوعية لم تزل تشغل المجال السياسي– إيذانًا ببروز فاصل جديد عنوانه مرحلة ما بعد الحرب محدداتها ورهاناتها.

ليس ثمة مراء في أن القضية المركزية التي نشبت بسببها الحرب في السودان متعلقة بوجود الدعم السريع بوصفها كيانًا عسكريًا موازيًا للجيش، وتوسع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي

ألقى الجيش، بوصفه الناظم الرئيس لحالة الدولة في أبرز تجليات هشاشتها، منظوره للحل من خلال خارطة طريق دفع بها نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، ثم منحها زخمًا هائلًا بخروج قائده العام، وهو يقرر في كل خطاباته على ضرورة التوافق والاتفاق على إنهاء الحرب وإنهاء التمرد في الوقت نفسه، ليسارع الدعم السريع إلى إصدار ما أسماه رؤية بشأن "تأسيس الدولة السودانية الجديدة"، استدرك فيها وجوده ضمن إطار معادلة الحكم بعد أن فشل في تغييرها إلى الأبد، مع اجترار أفق الحل المعروف، والذي يدندن بمفردات تقاسم السلطة والثروة وفق أسس العدالة، والاهتداء إلى تطبيق النظام الفدرالي غير التماثلي، فضلًا عن استعادة الحكم المدني الديمقراطي، وإخراس صوت المدافع وجعل معركة الخرطوم آخر الحروب.

أتت ندوة الحرية والتغيير في الدوحة تحت عنوان "السودان: المسار إلى الاستقرار والسلام والانتقال الديمقراطي"، نسجًا على ذات المنوال، ضمن إطار أكاديمي مرموق، وبدعوة من مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بالدوحة، وبإدارة محكمة من مديره غسان كحلوت، حيث نثرت الحرية والتغيير كنانتها، وعجمت عيدانها، فدفعت ببابكر فيصل متداخلًا رئيسًا –رفقة عمر الدقير والواثق البرير– فأفاض في تبيان موقفها بوضوح نظري بالغ، إذ قدم ضمن مداخلة ثرية تقرير دقيق لمسار الأحداث من وجهة نظره، ساردًا الوقائع التي جرت منذ انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021م، مبينًا أنهم رفضوا الاستمالة إلى طرف دون آخر، ومشيرًا إلى زيارة كان قد قام بها القائد الثاني للدعم السريع إلى قادة الحرية والتغيير المسجونين في مقر جهاز الأمن الشهير بـ"الثلاجات" في أعقاب الانقلاب، ودعوته إلى عقد شراكة ثنائية تستثني قادة الجيش، كما أشار إلى زيارة مماثلة من الفريق ياسر العطا في نيسان/أبريل من العام 2022م للقادة الذين أعيد القبض عليهم في سجن "كوبر" الشهير، وطرحه شراكة ثنائية تستثني الدعم السريع، فكان الرد –بحسب فيصل– أنهم يرفضون الانخراط في أي شراكة ثنائية تعمق واقع الانقسام، ويرحبون بأي توافق لإخراج البلد من مأزقه.

https://t.me/ultrasudan

وشرح بابكر فيصل في ندوة الدوحة المراحل التي قادت إلى الاتفاق الإطاري بمشاركة طيف واسع من الداخل، جمع الجمهوريين وأنصار السنة والمؤتمر الشعبي، وإسناد من الخارج ممثلًا في الرباعية الدولية. وقال فيصل إن مجمل ما توافقوا عليه كان مع قادة الجيش الذين تعهدوا في الرابع من تموز/يوليو 2022 بالخروج من العملية السياسية، لافتًا إلى أنهم –في الحرية والتغيير– من اتصلوا بقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي كان في دارفور وقتها، وخرج فيما بعد ليعلن مباركته للاتفاق.

الإطاري والحرب

أبرز نقطة أشار إليها بابكر فيصل هو دفعه عن الاتفاق الإطاري شبهة إشعال الحرب ومنح الدعم السريع استقلالية عن الجيش بوصفه كيانًا عسكريًا ذو وضعية خاصة وموروثة من النظام السابق، مبينًا أن الوثيقة الدستورية المنبثقة عن لجنة تسيير المحامين هي أول وثيقة تشير إلى دمج الدعم السريع، وأنها قدمت معالجة لهذا الاختلال الكبير في عمق التكوين العسكري عبر آلية زمنية مجدولة، وموضحًا أن الحرية والتغيير التي استطاعت أن تسقط انقلاب المكون العسكري منذ أول يوم "لا يمكن أن تنخرط في انقلاب جديد"، منتقلًا إلى نفي ما أسماه دعاية مكثفة تصدر عن جهات مغرضة، تُظهر الحرية والتغيير حليفًا لفصيل عسكري، استنادًا إلى تنويه نخبة من التحالف بأن البديل للاتفاق الإطاري هو الحرب، لافتًا إلى أن تصريحه قبل يوم من اندلاع الحرب كان على سبيل التفسير والتحذير وليس الوعيد والتهديد بحسبان أن البديل للاتفاق الإطاري هو الحرب، لأن المكونان العسكريان لن يجدا مجالًا سياسيًا –خارج الاتفاق الإطاري الذي يسير إلى انتقال سلس– سوى الحرب.

بابكر فيصل القيادي في قوى الحرية والغيير
بابكر فيصل عضو المكتب التنفيذي لقوى الحرية والغيير –  المجلس المركزي

وأشار فيصل إلى أن الحرب بين الجيش والدعم السريع كادت أن تشتعل في حزيران/يونيو من العام 2020م لولا تدخل الحرية والتغيير بحضور الإمام الصادق المهدي –رحمه الله– وإلى تجدد نذر المواجهة في حزيران/يونيو 2021م، مما حدا برئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى إطلاق مبادرة بعنوان "الأزمة الوطنية.. الطريق إلى الأمام" أشار فيها بوضوح إلى التناقض داخل المؤسسة العسكرية وخطورته على مسار الانتقال.

خلافات الدمج

وأهم ما ورد في إفادة فيصل ما جاء بخصوص ورقة الإصلاح الأمني والعسكري التي أعدتها الحرية والتغيير ووقع عليها الطرفان في الخامس عشر من أذار/مارس وقبل شهر من نشوب الحرب، موضحًا أن المدة الزمنية المقررة للدمج كانت موازنة بين موقف الدعم السريع المطالب بـ(22) عامًا، والجيش المطالب بعامين، قبل أن يعدله إلى خمسة أعوام. وعند الاستعانة بخبراء، توافقت اللجان الفنية العسكرية للجيش والدعم السريع –وفقًا لفيصل– على إتمام الدمج في مدة أقصاها (10) أعوام، بحسبان أن التجارب المماثلة يتحقق فيها الدمج على دورتين برلمانيتين، إلا أن الخلاف كان في تبعية القيادة، إذ رأى الجيش وجوب خضوع قيادة الدعم السريع للقائد العام منذ اليوم الأول، بينما رأت قيادة الدعم السريع خضوعها إلى القائد الأعلى، سواء كان رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس السيادة، وهذه القضية تحديدًا –بحسب فيصل– هي التي فجرت الخلاف وأدت إلى التحشيد والتحشيد المضاد من الجيش والدعم السريع.

وأشار فيصل إلى نجاحهم في عقد اجتماع في الثامن من نيسان/أبريل الماضي، جمع لأول مرة بين البرهان وحميدتي، بحضور ثلاثة من قادة الحرية والتغيير والاتفاق على تكوين لجنة لخفض التصعيد، وقال إنهم ظلوا مجتمعين حتى قبل ساعات من نشوب الحرب. وأوضح فيصل أنهم استمروا في مناهضة الحرب من خلال شعار "لا للحرب" تجسيدًا لموقفهم الأخلاقي مما تبعثه الحرب من تدمير وانتهاكات، وهو موقف شاطرتهم فيه كثير من القوى مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث والحركات المسلحة ونائب رئيس مجلس السيادة نفسه، لكنهم وحدهم من أصبحوا هدفًا لما أسماه "الآلة الإعلامية المغرضة للنظام البائد".

تفكك الدولة

وأخطر ما أدلى به فيصل أن استمرار الحرب وليس هزيمة الجيش هو ما سيؤدي إلى "تفكك الدولة السودانية والفوضى وانعدام الأمن وتدمير الاقتصاد وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات والقوى المنتجة"، وأن بوادر التفكك ظهرت من خلال التجاذب العرقي الحاد واستدعاء ذاكرة الصراع بين الغرب والبحر ومن خلال التدخل الخارجي الذي يمكن أن يتوسع مع استمرار الحرب ويعمق واقع الانقسام. وفي سياق تأكيده لفكرة أن هزيمة الجيش لا تسقط الدول، استشهد فيصل بتجربة ثوار التيغراي في العام 1991م الذين أسقطوا نظام "مانقستو" في إثيوبيا وفككوا الجيش من دون أن تنحل الدولة الإثيوبية، بل مضت في طريق النمو والتقدم بحسب ما أورد فيصل في خواتيم كلامه.

لم تكن المداخلات الأخرى من البرير والدقير في عمق وشمول ووضوح ما قدمه بابكر فيصل الذي استحق –وفق مراقبين– صفة العراب الحقيقي لقوى الإطاري وإن توارى عن الظهور الكثيف في عوالم الميديا على خلاف وجوه بارزة اختارت أن تغدو حضورًا دائمًا في الشاشات الصغيرة والكبيرة على السواء. ورأت عناصر وازنة فيما أدلى به فيصل على ما ينطوي عليه من تبرئة لساحة الحرية والتغيير من التواطؤ في إشعال الحرب أو حتى الاشتراك في انقلاب الدعم السريع إلا أنه لا يعفي الحرية والتغيير من تقاعسها الواضح عن إدانة انتهاكات الدعم السريع بذات الوضوح والجرأة التي تبنت بها رواية المليشيا ورؤيتها إزاء الحرب وملابسات نشوبها، وتأكيد أن "فلول النظام السابق هم من أشعلوها" وفق ما ذهب القيادي طه إسحاق في لقاء بقناة الجزيرة إلى سرد شهادته وترجيحه لفرضية الطرف الثالث أو الفاعل الخفي المتواري دون تقديم دليل مادي ملموس في ظل تواتر الأدلة الظرفية على أنها كانت معركة انقلابية خاطفة أراد حميدتي خوضها، فاندلعت قبل أوانها أو أن التناقض البنيوي قد بلغ ذروته وتفجر بسبب الاتفاق الإطاري الذي انتقل بمسار الانتقال من الشراكة القائمة على منطق المساومة إلى نزع كامل السلطة والرهان على الدعم السريع في حماية هذا المكتسب مقابل تمرير موقفه بشأن إرجاء الدمج.

القضية المركزية

ليس ثمة مراء في أن القضية المركزية التي نشبت بسببها الحرب متعلقة بوجود قوات الدعم السريع بوصفها كيانًا عسكريًا موازيًا للجيش، وتوسع دائرة نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، فضلًا عن تشبيك علائقه الإقليمية والدولية، وهو وضع ساهم فيه النظام السابق بالصنع ومبتدأ النشأة، وفاقمت من استمراره الحرية والتغيير بوصفها المكون المدني الصاعد إلى السلطة بعد ديسمبر، تارةً بسبب إغفالها وأخرى بسبب رهانها عليه كآلية مضادة لعودة الإسلاميين مرة أخرى، غير أن صاحب النصيب الأوفى والأوفر هم قادة الجيش لأنهم يمثلون أعلى سلطة داخل المكون العسكري وعلى مستوى الدولة ولأنهم المتضرر الأكبر في حال تمدد المليشيا.

أثبتت التجربة أن بقاء الدولة على استبدادها أولى من جلب الديمقراطية وأن ما تخلقه الفوضى أسوأ من أسوأ صيغة أي نظام

وقد أثبتت التجربة، بيانًا بالعمل، في منعرجها الأخير، أن بقاء الدولة على استبدادها أولى من جلب الديمقراطية، وأن ما تخلقه الفوضى ويتخلق من خلالها أسوأ من أسوأ صيغة أي نظام، وأن الانتقال نفسه من خطاب المعركة إلى معركة الخطاب تطور نوعي في سياق الحرب إذا استطاع أن يمضي بها إلى ضفاف السلم والأمن واستعادة الحياة في المناطق الساخنة بالعاصمة والولايات.