بعد أكثر من عام على الثورة.. لماذا تأخرت محاكمات رموز الإنقاذ؟

بعد أكثر من عام على الثورة.. لماذا تأخرت محاكمات رموز الإنقاذ؟

جانب من محاكمة البشير في قضية الفساد

نجحت ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018 في العبور إلى مرماها الأساسي، وهو: إسقاط نظام الإنقاذ، فأسقطته في نيسان/أبريل 2019. ثم تم إيداع العشرات من رموز النظام السابق وعلى رأسهم المعزول عمر البشير سجن كوبر. لكن الآن تجاوز احتجازهم فترة العام، ولم تتم محاكمتهم بعد؛ فما السبب وراء ذلك؟

مياهٌ كثيرةٌ جرت تحت جسر الثورة السودانية، وتحت الحكومة الانتقالية، لكن الأمر الذي ظل ثابتًا -في غالب تفاصيله- هو ملف محاكمة رموز النظام السابق. إذ لم يمثل أمام القضاء ليدينه أو يطلق سراحه، أي واحدٍ منهم باستثناء المعزول البشير. وحتى البشير، لم يمثل في أية قضيةٍ لها علاقة بالانقلاب العسكري، ولا قتل المتظاهرين ولا غير ذلك. وإنما بحيازة نقدٍ أجنبي.

أكبر تقدمٍ في قضية محاكمة رموز الإنقاذ، حدث قبل أيام فقط، حيث تم تسليم عدد من الملفات بواسطة النيابة إلى المحكمة

وبحسب الأخبار؛ فإن أكبر تقدمٍ في قضية محاكمة رموز الإنقاذ، هو ما أفاد به النائب العام، مولانا تاج السر الحبر قبل أيام. حيث تم تسليم عدد من الملفات إلى المحكمة، توطئةً للشروع في التقاضي. أبرز هذه الملفات: انقلاب 30 حزيران/يونيو 1989، وقتل المتظاهرين في احتجاجات كانون الأول/ديسمبر، وقتل متظاهري الأبيض، بجانب ضحايا مجزرة العيلفون.

اقرأ/ي أيضًا: الفكي: نعمل وفق قانون مجاز وتشكيل هيئة قضائية لتفكيك التمكين ليس من اختصاصنا

ويعتقد المحلل السياسي، عبد الحميد عوض، إن تأخر المحاكمات مبررٌ بالنظر إلى جملة من الأسباب والظروف الموضوعية -برأيه- المحيطة بالقضية. بل هو من أنصار التأني أكثر في هذه القضايا، التي يعتقد بأن الرغبة الثورية لن تكون في صالح شعار العدالة التي رفعتها و نادت بها ثورة كانون الأول/ديسمبر.

ويضيف في إفادةٍ لـ"ألترا سودان"، بأن الأمر ربما يحتاج إلى مدةٍ أطول من هذا التأخير، والسبب في ذلك أن القضايا الموقوف على ذمتها رموز النظام السابق، كثيرةٌ وكبيرة، وتحتاج إلى جولاتٍ قانونيةٍ طويلةٍ من التحقيق والتحري.

عمر البشير في المحكمة
عمر البشير في المحكمة

يعود عبد الحميد، للإشارة إلى أن القضية الوحيدة المعلومة بتفاصيلها من جملة القضايا، التي ستواجه رموز الإنقاذ هي الانقلاب. أما بقية القضايا، مثل جرائم دار فور، قتل المتظاهرين، والفساد وغيرها؛ تحتاج إلى جهودٍ أكبر. ويسرد عبد الحميد عوض، جملة من الأسباب التي يراها مقنعة للتأخير، فيقول: (غالبيتهم ألقي القبض عليهم بعد نيسان/أبريل، ولم يحدث أمرٌ بخصوصهم إلا عقب شهرٍ من تشكيل الحكومة الانتقالية، وتعيين النائب العام. الذي شكل لجانًا للتحقيق والتحري. الجرائم التي سيحاكم هؤلاء لأجلها عمرها ثلاثون عامًا، وغالب الأدلة فيها غير معلومٍ. وبعد كل هذا جاءت جائحة كورونا، التي أوقفت عمل كل المحاكم في السودان).

اقرأ/ي أيضًا: مفاوضات سد النهضة تصل لطريق مسدود وردود فعل محلية وعالمية

الإشارات لتأخر محاكمات رموز ومنسوبي النظام السابق، لم تقتصر فقط على المتابعين العاديين للشأن العام، وإنما صارت أصواتًا عاليةً تصدر حتى من قياداتٍ نافذةٍ في تحالف الحرية والتغيير، المحسوب كونه الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية. وكان رئيس المؤتمر السوداني المهندس عمر الدقير، انتقد في أيار/مايو الماضي، عدم محاكمة أي من رموز النظام السابق إلى الآن. مشيرًا إلى أن المحاسبة العادلة واحدةٌ من مطالب الثورة. وبالتالي فإن كل من ارتكب جريمةً، أو سفك دمًا، أو نهب مالًا، يجب أن تتم محاكمته وفقًا للقانون.

عمر عشاري: تأخير العدالة بشكلٍ مجملٍ يعتبر تراجعًا عن شعارات الثورة

الناشط السياسي عمر عشاري، أحد الذين ظلوا ولشهورٍ عديدةٍ ينادي بضرورة تقديم كل من تم التحفظ عليه أو اعتقاله وسجنه؛ لمحاكمةٍ عادلةٍ. وينطلق مباشرةٍ بحسب إفادته لـ"ألترا سودان"، إلى الحكم بأن تأخير العدالة بشكلٍ مجملٍ يعتبر "تراجعًا عن شعارات الثورة، وإن المبررات التي تساق لتأخير محاكمات منسوبي النظام السابق، على شاكلة ضرورة مراجعة النظام العدلي والقضائي، لا تعدو كونها كسلٌ وعدم مرونة، ولا ينبغي تحميلها للمتهمين، لأن من شروط العدالة السرعة في إنجازها".

اقرأ/ي أيضًا: اشتباكات بالفشقة.. ومحللون: حكومة آبي تواجه صعوبات بسبب تعقيدات إثنية بالمنطقة

عشاري ظل يكتب في صفحته على فيسبوك، كل مرةٍ وأخرى بضرورة محاكمة منسوبي الإنقاذ، ونقتبس من كتاباته: (الأفضل ألا تتكرر أخطاء الدول التافهة السابقة بأي شكلٍ كان، وأن يعمل الموقعين على الاتفاق يقصد الوثيقة الدستورية- من جانب الحرية والتغيير، على تقديم هؤلاء المحتجزين –يقصد منسوبي نظام الإنقاذ- إلى محاكماتٍ عادلةٍ). (لابد من تقديم رموز النظام السابق، وأعضاء الحركات المسلحة، وموسى هلال وجماعته لمحاكمات؛ لأن الذي يحدث الآن لا علاقة له بالدولة المدنية، ولا دولة المواطنة). (حاكموا منسوبي الإنقاذ، لأن توفير العدالة للخصوم السياسيين من واجبات الديمقراطية).

 

منسوبو النظام السابق تم اعتقالهم بواسطة المجلس العسكري أولًا، ولم يتم تسليمهم للنيابة إلا بعد تشكيلها بدايات كانون الثاني/يناير من هذا العام

القانوني معز حضرة، يتفق مع رأي عبد الحميد عوض، وينفي أن المحاكمات تأخرت، ويبرر ذلك في حديثه لـ"ألترا سودان"، بأن منسوبي النظام السابق، تم اعتقالهم بواسطة المجلس العسكري أولًا، وذلك بموجب قانون الطوارئ، ولم يتم تسليمهم للنيابة إلا بعد تشكيلها بدايات كانون الثاني/يناير من هذا العام. ويضيف معز حضرة، بأن النيابة خلال ستة أشهر قامت بعملٍ تشكر عليه، في رأيه، كونها كونت (35) لجنةً للنظر في ملفات اتهامهم، واستطاعت تقديم سبعة بلاغاتٍ للمحاكم الآن. يقول حضرة: "أبرز هذه البلاغات في قضايا انقلاب حزيرن/يونيو 1989، وبلاغات فساد، وقتل متظاهرين، ولولا توقف المحاكم بسبب جائحة كورونا، لبدأت المحاكمات".

وإن اختلف المختلفون حول تأخر محاكمة رموز نظام الإنقاذ، لكن تبقى المحصلة أنهم ما يزالون قيد السجون والتحفظ، وإن تكاثرت الأسباب والمبررات لذلك. ويبقى تحقيق العدالة في محاكمتهم، رهين المناداة بتحقيقه.

اقرأ/ي أيضًا

قاعدة مصرية في جنوب السودان أم بالونة اختبار تهدد مستقبل "الحلف الثلاثي"؟

الحكومة ترفض تقرير الاتحاد الدولي للصحفيين وتتهم الرزيقي بإرسال معلومات كاذبة