متى كان

متى كان "الصادق المهدي" مع الثورة؟

(Getty)

بمثل ما تأكد للسودانيين عدم انحياز قيادة حزب الأمة لقوى ثورة كانون الأول/ديسمبر المجيدة، إلا بعد تيقن الصادق المهدي من انتصارها الكامل، عقب موكب 30 حزيران/يونيو 2019 الظافر، الذي نفض الرماد من مارد الثورة واخرجه أكثر قوة وعنفوانًا من قمقمه، يؤكد لنا حزب الأمة مجددًا بموقفه الحالي المفارق لقوى الحرية والتغيير والمناهض للحكومة الانتقالية برغم تمثيله في أحد أكثر وزاراتها حساسة –وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي- إنه لم ولن يرضى عن اكتمال الثورة وتحقيقها غاياتها، وله في ذلك الطرق المجربة والأساليب المختبرة طيلة فترة رئاسة الصادق الصديق للحزب (1964-2020) حوالي (57) عامًا.

اتضح رأي الصادق المهدي المناقض لأهداف الثورة والمعادي للحكومة الانتقالية والمفارق لقوى الحرية والتغيير في خروجه عن التحالف الحاكم

الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق

أعلن حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي رفضه لمطلب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بتواجد بعثة للأمم المتحدة تحت الفصل السادس للمساهمة في إحلال السلام وتحقيق أهداف التغيير، منذ اليوم الأول لطلب البعثة، وأعلن الصادق المهدي رئيس الحزب رأيه صراحة للإعلام، حينها ظن البعض إنه موقفًا تكتيكيًا من الصادق، أو اعتبروه على أقل تقدير أحد عاداته في إبداء الرأي حول جميع الأمور وإن لم تكن تتطلب، ناهيك عن معارضة المطلب ورفضه، وتبلور رأي الصادق المهدي المناقض لأهداف الثورة والمعادي للحكومة الانتقالية والمفارق لقوى الحرية والتغيير في خروجه عن التحالف الحاكم بحجة الاعتراض على الشكل الحالي للتحالف وطلب إصلاحات يجب أن تطاله، ليتضح الأمر سريعًا للرأي العام السوداني في أن دوافع حزب الأمه ليست هي الإصلاح كما أدعى، وإنما التمثيل في مقاعد الولاة المدنيين بذات النسبة التي حصل عليها في آخر انتخابات ديمقراطية في العام 1986، وهو مطلب ينم عن أنانية مفرطة وعدم اعتبار للمصلحة العامة وقلة اكتراث بحساسية الفترة الانتقالية وحوجتها للتوافق السياسي على حساب المصالح الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: عن سخرية "أمجد فريد" ومقتضى وأدب الوظيفة العامة

هذا الموقف من حزب الأمة ربما يعكس أوضح الأمثلة على انعدام القيم الاخلاقية الجديرة بممارسة سياسية راشدة، ونعني بالأخلاق هنا مجموعة القيم الناظمة والمؤسسة لأشكال الممارسة الديمقراطية في ظل تعددية سياسية تستوجب تغليب المصلحة العامة على كل ما هو خاص، والسعي للتوافق بكل الأثمان حفاظًا على الاستقرار والسلم بما يعد ضمانة لإنجاح الفترة الانتقالية، وفوق هذا وذاك تقليب الروح الوطنية العالية التي تقدم مصلحة الجميع فوق مصلحة بقية المجموعات وإن كانت أغلبية، جميع هذه القيم المطلوبة والحاسمة في نجاح الفترة الانتقالية ضرب الصادق المهدي بها عرض الحائط مقررًا الحصول على أكثرية مقاعد الولاة وإلا فسيخرج من التحالف الحاكم، وهو ما حدث فعليًا.

اللعب على المكشوف

كان في ظن الصادق المهدي إن بإمكانه الالتفاف على أهداف الثورة بالانحناء لعاصفتها، والانتظار حتى تفشل من تلقاء نفسها، معولًا على عدم صبر الشعب على تحقق انجازات سريعة تقودها الحكومة، أو بالأحرى فشلها في سنتها الأولى، ليضمن عودة الكرة إلى ملعبه بإقامة انتخابات مبكرة، وهو ما ظل الرجل يمني به نفسه في حله وترحاله وصحوه ومنامه، لعلمه يقينًا أن النظام البائد الذي يقاتل من أجل البقاء هذه الأيام، سيكون أول الفرحين بخيار الانتخابات المبكرة ليعود إلى السلطة مجددًا محمولًا على ظهر الصادق المهدي.

كانت تجربة هدم التحالفات من داخلها واحدة من أخلص وأخص التجارب بالصادق المهدي وأكثرها حضورًا في تاريخه السياسي، فقرر أن يخوض معركته من داخل تحالف قوى الحرية والتغيير كما سبق أن نجح في خوضها من داخل التجمع الوطني الديمقراطي، لكنه واجه وحزبه قوى ثورية صلبة ومتمرسة شحذت هممها وقوت أسلحتها معاركها المتواصلة مع النظام البائد التي استمرت ما يقارب العام، لم تكتف فيها الشعب بإسقاط رموزه النظام البائد فقط، بل واصل نضاله ومعركته ما يزال لتفكيك بنية النظام البائد "صامولة صامولة"، وهي المعركة التي كلما اقتربت نيرانها من بيت الصادق المهدي، أكثر البيوتات السياسية دنوًا من إناء السلطة البائدة، بواسطة انسبائه وأبنه عبد الرحمن الصادق مساعد الرئيس المخلوع حتى لحظة سقوطه. لكما بعدت الشقة بينه وبين تحالف الحرية والتغيير وتعالت صرخاته التي لم تعرها قوى الثورة أي انتباه ماضية في سبيلها، فلم يجد الصادق المهدي مفرًا من مفارقة تحالف قوى الحرية والتغيير، وهو يطارد أحلامه في وقف عجلة التغيير.

اقرا/ي أيضًا: تفكيك التمكين ومخازي المفسدين وسيرة النهب المنظم

مقاومة التغيير بأي ثمن

يعلم الصادق المهدي علم اليقين إن حزبه الذي خاض الانتخابات العامة التشريعية في العام 1986 ليس هو حزب الأمة الذي يرأسه اليوم، لكنه برغم ذلك بإمكانه إنقاذ م تبقى من الحزب، بإيقاف عجلة الثورة وتعطيل تحقيق أهدافها، وإبعاد قوى الثورة وحكومتها من مركز القرار وإيقاف خطوات تفكيك التمكين، وهو ما سيوفر للحزب قاعدة تحالف عريض من أصاحب النفوذ القدامى من أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول وفلول الأحزاب النصيرة للنظام البائد، بدعم من جميع القوى الانتهازية الساعية للحلول في مواقع النخب المنسوبة للنظام السابق.

لكنه يعلم كذلك –أي الصادق- إن التغيير الذي رفعت شعاراته وخاضت معركته قوى ثورة الحرية والسلام والعدالة وأنجزت شوطه الأول بينما كان هو مهتمًا بالتبري منه وإنكار مساهمته فيه، إن هذا التغيير لن يتوقف عند حدود إزالة آثار النظام البائد وتفكيك مؤسساته وكنس أيديولوجيته البائرة، وإنما سيطال كل البنى القديمة الشائهة التي ساهمت في وكرست للنظام البائد، وعلى رأسها أي حزب ليس في مقدوره ممارسة الديمقراطية في داخله، حينها ستقذف به رياح التغيير إلى مزبلة التاريخ لينضم إلى حصيلة التجارب الفاشلة التي تتخذها البشرية عظة وعبرة في تجاربها للمستقبل.

يعلم الصادق المهدي علم اليقين جميع ذلك، لذلك فهو لن يبخل بموقف خذلان لقوى الثورة إلا وبادر به، ولا عقبة يضعها في طريقها إلا وتجشم عناء حملها ووضعها في طريق التغيير، كما لن يبخل بأي مقاومة لتيار الثورة إلا واتخذها أولًا ومن ثم يمكنه أن يلفق لها المبررات لاحقًا.

أربع نقاط تكشف النوايا

خرج حزب الصادق المهدي أمس الأحد 17 أيار/مايو ببيان يبرر فيه رفضه لبعثة الأمم المتحدة التي طالب بها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك واقرتها جميع مؤسسات الحكم –مجلسي الوزراء والسيادة- وقطعت الأمم المتحدة شوطًا بعيدًا في تحضيرها والوفاء بها.

ذكر حزب الصادق المهدي أربع نقاط قال إنه يرفض تضمينها لصلاحيات ومهام البعثة الأممية، بحجة أنها تمس السيادة الوطنية، وهي للمفارقة من أهم النقاط التي يجب أن تجد البعثة الأممية تفويضًا فيها، ومن دون تحقيقها لا يمكن الحديث عن تحقيق أهداف الثورة. لكن متى كان الصادق المهدي مع الثورة وأهدافها؟

رفض بيان حزب الصادق أولًا: مراقبة البعثة تنفيذ الإعلان الدستوري" وهي أهم النقاط التي ترتكز عليها الفترة الانتقالية ويعتبر المساس بها أو خرقها نكوصًا وخيانة لأهداف الثورة، والآن هل علينا أن نسأل الصادق المهدي عن رغبته المحمومة في خرق الوثيقة الدستورية ورفض مراقبة تطبيقها؟ وهل ينم رفضه مراقبة تطبيق الوثيقة الدستورية إلا عن رغبة يستبطنها في عدم تطبيقها والعبث ببنودها؟ وإن كان يستبطن خرق الوثيقة الدستورية أو عدم الالتزام بها، فإنه يخشى أن يفعل ذلك في ظل رقابة بعثة أممية.

اقرأ/ي أيضًا: ما الذي يصفح عنه الصادق سمل؟

يرفض حزب الصادق المهدي إلى جانب ذلك أن تضطلع البعثة الأممية بدورها في مساعدة الحكومة على وضع الدستور والإصلاح القانوني والقضائي، وإصلاح قطاع الأمن وحماية المواطنين.

هذه النقاط الأربع، على أهميتها في تحقيق أهداف ثورة كانون الأول/ديسمبر، إلا أن الصادق المهدي يرفضها باسم حزبه، وهي مطالب لو جيء بحزب المؤتمر الوطني المحلول والمخلوع من السلطة وطلب منه أن يتمنى أمانٍ تتحقق له في الفترة الانتقالية، لما سمى هذه المطالب أو تمناها.

يوضح بيان حزب الأمة بجلاء أين يقف الصادق المهدي وحزبه، كما يعكس إلى أي حد يمكن أن يذهب الرجل في مقاومته اكتمال التغيير في السودان

يتحدث البعض عن تجدد اللقاءات بين الصادق المهدي ونجله مساعد الرئيس المخلوع البشير، عبد الرحمن الصادق مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان والمدير الأسبق لجهاز الأمن الملاحق جنائيًا بواسطة النائب العام الفريق صلاح قوش. غض النظر عما يدور بينهم في الاجتماعات المزعومة، إلا أن بيان حزب الأمة الذي صدر أمس، يوضح بجلاء أين يقف الصادق المهدي وحزبه، كما يعكس إلى أي حد يمكن أن يذهب الرجل في مقاومته اكتمال التغيير في السودان وتحقيق أهداف الثورة التي كان مهرها دماء الشاب وأرواح الشهداء الطاهرة.

اقرأ/ي أيضًا

مصادر خاصة: قوش والمهدي اتفقا على استلام السلطة وتقاسما ملايين الدولارات

عاصفة إقالة وزير الصحة.. متاهات الساسة وقت الجوائح