شرق السودان.. ارتداد أم خطوة إلى الأمام؟

شرق السودان.. ارتداد أم خطوة إلى الأمام؟

جبال توتيل - كسلا (Getty)

كما كان متوقعًا، فقد صاحب تعيين ولاة ولايات السودان عبر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بعد طول انتظار؛ جدلًا كثيفًا تراوح بين حالات الرفض الكامل لبعض الولاة وبين القبول الحذر لآخرين. لم يكن متوقعًا أن تنال اختيارات رئيس الوزراء القبول الكلي، فعملية التعيين في ظل تعقيدات وصراعات كبيرة على الأرض في أغلب الولايات لم يكن يتوقع أن تحقق ما ينتج عنها إجماعًا كاملًا بين مكونات الولايات، بالإضافة للخلاف الكبير بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية حول عملية التعيين وشروطها والتي كانت إحدى معيقات تعيين الولاة خلال الشهور السابقة. فبين نشوء وعي اجتماعي وسياسي يرفض فرض ولاة من قبل حكومات مركزية وبين صراعات القوى السياسية والاجتماعية من أجل الحصول على مراكز السلطة في الولايات يمكن قراءة درجة التعقيد التي صاحبت العملية برمتها، ومن ثم تفهم حالات الشد والجذب التي سبقت وأعقبت عملية تعيين الولاة.

تحظي ولايات شرق السودان بأهمية مختلفة، لاعتبار وجود الميناء الرئيسي للسودان، والذي جعل الإقليم بكله موضع صراعٍ إقليمي بائن رمى بظلاله على الأرض

تحظي ولايات شرق السودان بأهمية مختلفة، لاعتبار وجود الميناء الرئيسي للسودان، والذي جعل الإقليم بكله موضع صراعٍ إقليمي بائن رمى بظلاله على الأرض في ولايات كانت تتمتع بهدوء أمني نسبي خلال السنين الأخيرة مقارنة ببقية حلقة الهلال المحيط بوسط السودان الذي يشترك لدرجات في أشكال المظالم التاريخية والفوارق التنموية نتاج إهمال الدولة. هشاشة الوضع الأمني الذي أعقب تكوين الحكومة الانتقالية متبوعًا بالتراخي المقصود من بعض أطراف السلطة ممن تتقاطع مصالحها وأطراف الصراع؛ كانت كلها عوامل حفزت بروز التناقضات الاجتماعية الكامنة فتحولت ولايات الشرق إلى بؤر صراعات قبلية متكررة خلقت واقعًا هشًا على الأرض عقدت به المشهد وأقلقت مضجع الحكومة الانتقالية خلال عامها الأول. 

اقرأ/ي أيضًا: رسالة مفتوحة لوزير العدل بخصوص قانون المعلوماتية

وكما كان متوقعا فقد صاحب الإعلان عن الولاة لغط كبير جدًا، ولكن في شرق السودان فإن أكثر ردود الأفعال حدة جاءت ممن يفترض أنهم يمثلون مجموعات قبلية في ولاية كسلا ضد الوالي الذي تم تكليفه، على عكس ولايات القضارف وبورتسودان التي جاء التفاعل فيها مع إعلان ولاتها المدنيين هادئًا. فولاية القضارف استفادت من وجود مجموعة حكيمة تحظي باحترام اهل الولاية يقودها المناضل وأحد مشاعل الاستنارة بها الأستاذ جعفر خضر، والتي هيأت مسبقًا لعملية الاختيار بإجراءات وسعت فيها قاعدة المشاركة في عملية الاختيار، فجاءت عملية اختيار الوالي فيها بطريقة هي قد تكون الأفضل بين كل ولايات السودان، وبالتالي نال واليها المختار قبولًا وإجماعًا كبيرين لدرجة لم تجد الأصوات المعارضة له موضعًا في وسط بيانات القبول والرضا. 

بينما استقبلت ولاية بورتسودان إعلان واليها بشيء من الهدوء، ربما لأن الوالي المختار وافق التقاطعات المصلحية للقوى السياسية والمدنية والاجتماعية للولاية معًا بالإضافة للسيرة النيرة للوالي. السيرة الزاهية ذاتها لم تشفع لوالي كسلا المعين، فالوالي المعين بحسب سيرته يناسب متطلبات التغيير من حيث تأهيله الأكاديمي وخبرته السياسية وثوريته ونزاهته، بالإضافة لأنه ينتمي الى الجيل الجديد من الشباب السياسيين الأقرب في التوافق إلى روح الشارع. ومن البداهة أن لا يأتي الرفض من القوى الثورية الشبابية التي رحبت بتعيين الوالي الجديد، معتبرةً الأمر خطوة إيجابية في طريق إكمال هياكل السلطة المدنية بالولاية. 

اقرأ/ي أيضًا: الحكم المدني هل ينجو من قبضة العسكر؟

ولكن القوى التقليدية ممثلة في بعض  قيادات الإدارات الاهلية ذات العلائق الوثيقة بالنظام السابق، علا صوتها الرافض لتعيين الوالي جديد بحججٍ ترقى لأن توصف بالعنصرية، وفي ظل وضع تتقاطع فيه المصالح بين ما هو قبلي وحديث وتتغلب فيه الانتماءات القبلية على أي انتماءات حديثة، فإن خطابات الكراهية تجد أرضًا خصبة للنمو ومن ثم الانتشار لتخلق أوضاعًا قابلة للانفجار في أي وقت، وهذا ما ينذر به الوضع في كسلا، خاصةً وأنه وعلى الرغم من اتهام قيادات الإدارة الاهلية المحركة لخطابات رفض الوالي بالانتماء الصريح للنظام السابق، إلا أن حقيقة وجود قابلية لانجرار الجماهير ذات الولاء المطلق لتلك القيادات إلى حلبة الصراع يجعل تعامل السلطة الفاتر مع ردة الفعل الخطيرة تلك غير قابلٍ للتفسير. فالثورة التي تحاول أن تنتصر لصالح قيم جديدة أهمها تساوي المواطنين السودانيين في الحقوق والواجبات، تواجه مقاومة قوية في جبهات عديدة، مما كان يتطلب تحركًا أكثر فعالية من الدولة في حالة كسلا، خاصةً وأن الأمر برمته كان متوقعًا عطفًا على الصراعات المتراكمة بين المكونات الاجتماعية في شرق السودان على الأرض أحيانًا وعلى السيادة الاجتماعية والسياسية في كل الإقليم الشرقي والتي زادت حدتها في عهد النظام السابق، والذي عهد على ترسيخ الانقسامات القبلية بل وتقنينها بربطها مباشرة بأجهزة الدولة. 

أصبح اختيار والي كسلا أمرًا واقعًا يشكل مرحلة مهمة في سبيل تجاوز قيم بالية تناقض قيم الثورة

أصبح اختيار والي كسلا أمرًا واقعًا يشكل مرحلة مهمة في سبيل تجاوز قيم بالية تناقض قيم الثورة، وهو أمر يتطلب فعلًا واقعيًا من قبل أجهزة الدولة وقياداتها "الثورية منها على الأقل" من أجل التأكيد على علو أهداف وقيم الثورة النبيلة، كما يتطلب الأمر فعلًا موازيًا من قبل القوى المدنية والشبابية بالولاية من أجل منع تفاقم الأمر إلى حيث ما لا يمكن الرجوع منه.

اقرأ/ي أيضًا

خلاصات كتاب "عزمي بشارة" الأخير وتجربة السودان

أهمية الحفاظ على الأسماء التاريخية بمدينة جوبا