"بلد النساء" في اعتصام القيادة

غلاف الرواية (Goodreads)

كانت أول مرة اقرأ فيها رواية "بلد النساء" للكاتبة النيكاراغوية "جيوكندا بيلي"، في الأسبوع الأول لاعتصام القيادة العامة في نيسان/أبريل 2019، خلال مناوشات نهارية بين المعتصمين والقوات النظامية، لتحديد حدود الاعتصام.

في الرواية، الجلسة الأسبوعية لمجموعة من الصديقات تتحول من لقاء اجتماعي إلى جلسة طارئة لإنقاذ الوطن

أذكر جلوسي في أحد هذه النهارات فوق هذه الرواية، فأشار إلى أحد الجنود قائلًا: "ليس من اللائق أن تجلسي فوق الكتاب"، فكرت حينها لو أنه فقط يعرف أن بهذا الكتاب نساءٌ يفكِّكن الجيش ويرسلن الرجال إلى المنازل!

الرواية

صدرت رواية "بلد النساء" للكاتبة النيكاراغوية "جيوكندا بيلي" باللغة الإسبانية عام 2010. ترجمها إلى العربية صالح علماني، وصدرت عن "الهيئة العامة للكتاب" في 2017.

اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الكتاب السودانيين يناقش "السياسات الثقافية" ببيت التراث

في الرواية، الجلسة الأسبوعية لمجموعة من الصديقات تتحول من لقاء اجتماعي تتخلله النميمة، المزاح، التدخين، والوجبات الخفيفة؛ إلى جلسة طارئة لإنقاذ الوطن "فاغواس"، البلد الفقير الذي استشرى فيه الفساد والخراب والفوضى. 

تأخذ جلسة النساء تلك طابعًا عمليًا وأكثر جدية من طرح التساؤلات والتفكير بصوتٍ عالٍ؛ فتقرر الصديقات تأسيس حزب نسوي يطلقن عليه "حزب اليسار الإيروتيكي"، لتتوالى بعدها القرارات، الأفكار، مسودات القوانين، والتصريح بالحلم بدولة سعيدة. 

غلاف الرواية
غلاف الرواية

بعد شهر من تلك الجلسة، أصدر حزب اليسار الإيروتيكي بيانه الأول قائلًا: "نطلق بياننا هذا لنخبر النساء والرجال بأنه يمكنهم التخلي عن انتظار الرجل النزيه والرهان الآن علينا نحن نساء حزب اليسار الإيروتيكي، نحن من اليسار لأننا نعتقد بأن لكمة يسارية على الفك هي ما يجب توجيهه إلى الفقر والفساد وكوارث هذه البلاد. ونحن إيروتيكيات لأن "إيروس" تعني حياة، وهي أهم ما نملكه، ليس لأننا نحن النساء كنا منذ الأزل المسؤولات عن منحها، وإنما كذلك لأننا المسؤولات عن الحفاظ عليها ورعايتها. نعد بأن ننظف هذه البلاد نكنسها و نشطفها وننفض الغبار عنها ونغسل وحلها إلى أن تلمع بكل بهائها. نعد أن نحولها إلى بلاد مشرقة، تعبق برائحة الملابس النظيفة و المكوية. نعلن أن آيدولجيتنا هي " السعادة ": السعي لأن نكون جميعا سعداء وأن نعيش حياة محترمة، بحرية غير مشروطة لتطوير كافة إمكانياتنا البشرية والخلاقة، دون أن تُقيِّد الدولة حقنا في التفكير والكلام و انتقاد ما نشاء".

اقرأ/ي أيضًا: "ستموت في العشرين".. الدخول للحياة من باب الموت

قابلت الأوساط السياسية و الاجتماعية البيان بالسخرية، واعتبروه مغامرة سياسية خاسرة. إلا إن الإيروتيكيات اتبعن بيانهن بحملة انتخابية ساخرة، لاذعة، ومختلفة، حيث ألصقن على حفاضات الأطفال: "البلاد ملطخة ببرازها أكثر من ابنك، قومي بالخطوة الأولى؛ انضمي إلى حزب اليسار الإيروتيكي". وعلى جهاز اختبار الحمل: "مهما تكن نتيجة الاختبار، إننا بحاجة إلى التغيير -انضمِّي".  وعلى عبوات الفوط الصحية كتبن: "الرجال ينزفون في الحروب. نحن ننزف كل شهر من أجل الحياة -سجِّلي الآن". نظمن حفلات شاي وحفلات "استحمام الأطفال" "Baby Shower"، للقاء النساء ودعوتهن للانضمام للحزب.

لم يتوقع أحد أن تنجح مرشحة حزب اعتمد في حملته الانتخابية على المزاح

أما للرجال؛ فصمَّمن ما وصفنها بالحملة الـ"قذرة"، حيث استخدمن الجسد، الحب، والقبلات المجانية. 

لم يتوقع أحد أن تنجح مرشحة حزب اعتمد في حملته الانتخابية على المزاح، جلسات العناية بالأقدام والأظافر المجانية، جلسات البكاء الجماعي، وإغراء الناخبين جنسيًا، لكن "بيبيانا سانسون" مرشحة حزب اليسار الإيروتيكي؛ فازت وأصبحت رئيسة دولة فاغواس.

بدأت بيبيانا ولايتها بإرسال الرجال إلى المنازل، استوردت وزيرات من دول مختلفة، باعت أسلحة الجيش لسد عجز ميزانية الدولة، وزرعت الورود. 

هكذا ترى جيوكندا بيلي بلد النساء مزدهرًا وعادلًا.  لكن ماذا لو أتيحت للنساء فرصة للحكم، الإدارة، ارتكاب أخطاء مختلفة، وممارسة الأمومة على نطاق دولي؟ ما الذي يمكن أن يحدث؟ إلى أين يذهب الرجال وإلى أي حد يمكن أن يبلغ انتقامهم من رئيسة مثل بيبيانا سانسون. 

حكاية أمَة

أعود هذه الأيام إلى "بلد النساء" بعد مشاهدتي لمسلسل "حكاية أمَة" (The Handmaid's Tale)، المأخوذ عن رواية بنفس العنوان  للكاتبة  الكندية مارغريت آتوود، وهي رواية "دايستوبية" عن حرب أهلية تقوم في الولايات المتحدة الأمريكية تؤدي إلى سيطرة جماعة دينية على السلطة فتسمى أمريكا "جلعاد"، حيث تسيطر حكومة ذكورية تمنع فيها النساء من العمل، القراءة، والدراسة. 

داخل جلعاد تقسم النساء إلى زوجات، منجبات، وخادمات. تتبع الرواية قصة "أوفريد" المرأة المنجبة التي تحاول الهروب من هذا السجن. الرعب وكراهية النساء المستفحلة في جلعاد جعلتني أركض إلى "بلد النساء" أبحث عن العزاء رغبةً في  التمسك بحلم.

جيوكندا بيلي

جيوكندا بيلي هي شاعرة وروائية نيكاروغوية من أشهر المناضلات في "الجبهة الساندينية للتحرر الوطني". هي من مواليد 1948، درست الصحافة والإعلام في جامعة فيلادلفيا، وهي تعد من مؤسسات أدب اليسار الإيروتيكي.

نشرت جيوكندا قصائدها الأولى في الصحف المحلية في السبعينات، حيث نال ديوانها الأول جائزة "ماريانو فياوس خيل" في 1979. وبعد عددٍ من الدواوين الشعرية المميزة؛ اتجهت جيوكندا إلى الرواية، والتي تميزت فيها هي الأخرى، حيث حصدت روايتها "المرأة المسكونة" جائزة أفضل رواية في عام 1989، و جائزة اتحاد الناشرين في 1992.

بلد النساء في السودان

ربما لم تكن مصادفة من الأقدار وحدها أن يتحدث فرد القوات النظامية في اعتصام القيادة معي وأنا جالسة فوق "بلد النساء"؛ فقد كان السودان خلال الثورة في جميع مراحلها "بلد النساء" بامتياز. 

اقرأ/ي أيضًا: "أرميلي زمن وردة ومنديل".. وداعًا ربيع عبدالماجد

قادت الفتيات السودانيات الثورة وشاركن في جميع فعالياتها بقوة وربما بأعداد أكبر من رصفائهم في الجنس الآخر؛ فهن اللائي يبدأن مواكب الثورة بـ"الزغاريد" معلنين مواقيت الخلاص، ومن ثم يفتحن بيوتهن للثوار في الكر والفر أثناء بطش آلة القمع ليقدمن المشروبات الساخنة والباردة وحتى الطعام متحدين في بسالة أجهزة النظام، وقد نظمن فعاليات الاعتصامات في العاصمة والولايات.

المرأة السودانية كانت أيقونة الثورة، ولكن يتم تغييبها من الحصاد

كانت أيقونة الثورة هي المرأة السودانية، خاضت غمارها وحققت المستحيل باقتلاع النظام، ولكن هل صار السودان "بلد النساء"؟ ربما حدثت بعض التعديلات هنا وهناك في القوانين التي وضعها النظام البائد لقهر المرأة السودانية الثائرة بطبعها، كما نصت الوثيقة الدستورية على منحهن نسبة (40)% من جميع الهياكل، وهو ما لم يتحقق بعد. لكن من الواضح أن الطريق إلى "فاغوس" في السودان، مع تغييب دور النساء في سودان ما بعد الثورة، لا يزال صعبًا وطويلًا.

اقرأ/ي أيضًا

"الجنقو مسامير الأرض" تفوز بجائزة الأدب العربي في فرنسا

"سينما الجيران" في الخرطوم