المؤشر العربي والتباين ما بين الحكومة والرأي العام بخصوص التطبيع في السودان

المؤشر العربي والتباين ما بين الحكومة والرأي العام بخصوص التطبيع في السودان

(Getty)

أظهر المؤشر العربي للعام (2019-2020)، أن الغالبية العظمى من السودانيين يقفون ضد التطبيع مع "إسرائيل"، وقال المؤشر والذي تم نشر نتائجه الثلاثاء 6 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، إن (79) % من السودانيين يرفضون مجرد الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني، مقابل (13) % يؤيدون ذلك.

وتكشف نتائج المؤشر وبالأرقام؛ التناقض بين الرأي العام في السودان والاتجاه الحكومي الساعي للتطبيع مع الكيان، وهو اتجاه لم يوقفه إلا فشل مفاوضات أبوظبي بين الوفد السوداني رفيع المستوى والطرف الأمريكي بوساطة وضغط إماراتي كبير لركوب قاطرة التطبيع، وهو الفشل الذي أرجعته وسائل إعلام عالمية، إلى أن الطرفين السوداني من جانب، والإماراتي والأمريكي من جانب، لم يتفقا على حزم المساعدات التي سيتم تقديمها للسودان حال انضم الأخير للتطبيع الإماراتي، وبالطبع ليس لرفض السودانيين الكاسح للتطبيع، فالحكومة الانتقالية، ومنذ أمد ليس بالقصير، صارت لا تلتفت إلا قليلًا، لاتجاهات الرأي العام في السودان.

حتى بعد الرفض الشعبي الكبير تصر أطراف في الحكومة على التطبيع

ولكن، وحتى في ظل الرفض الجماهيري الكاسح للتطبيع مع دولة الاحتلال، وحتى بعد فشل مفاوضات أبوظبي أو بالأحرى المساومة الوقحة بحسب متابعين، و"اسم الدلع للاستسلام" كما أسماه الإمام الصادق المهدي؛ تصر أطراف في الحكومة على التطبيع، بل وتقول بصريح العبارة بسعي الحكومة لبناء علاقات مع الكيان الصهيوني من أجل الفائدة الاقتصادية، ضاربة بعرض الحائط، قناعات الشعب السوداني بخصوص قضية ارتبط بها وكان أساسيًا في صياغة خطوط المقاومة والممانعة فيها، منذ عقود طويلة، وحتى منذ السنوات الأولى بعد استقلال البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: ناشطون يعتبرون النتائج التي كشفها المؤشر العربي بشأن السودان تقدمًا ملحوظًا

وفي هذا الصدد يقول الكاتب والباحث محمد صابر، إن هذا التناقض بين الاتجاه الحكومي والرأي العام في السودان، يكشف أن الفعل السياسي الحكومي لا يستند على اعتبارات السياسة الخارجية القائمة على المصلحة، ولا يستند على مفهوم الأمن القومي -أوضح المؤشر أيضًا أن الغالبية العظمى من العينة المستطلعة في العالم العربي تعتبر إسرائيل أكبر مهدد لأمن المنطقة- بقدر ما يستند على إملاءات داعمين إقليميين متمثلين في دولة الإمارات، والتي أصبحت حليفًا ووكيلًا لدولة الاحتلال، وليس فقط قائدة قطار التطبيع في المنطقة، حسب تعبير صابر.

ويؤكد محمد صابر أن الحكومة تحاول تقديم التطبيع كرشوة سياسية لواشنطن لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما وصفه بالاستجابة للابتزاز السياسي، وزاد بالقول: "فكرة أن الطريق لواشنطن يمر بتل أبيب فكرة غير دقيقة، مثلًا حكومة جنوب السودان عندها وزراء مطلوبون للعدالة الدولية بالرغم من أنها دولة مطبعة ولديها علاقات ترقى لأن تكون إستراتيجية مع دولة الاحتلال".

ويشير صابر إلى تناقضات الحكومة الانتقالية قائلًا: "الحكومة تدعي أنها تمثل الثورة -وهي ثورة تسعى لتحقيق العدالة والديمقراطية وحكم القانون والمواطنة- من جهة، وتتعامل مع إسرائيل من جهة أخرى، وهي نظام أبارتهايد كولونيالي يستند على نظام الفصل العنصري، حيث تقوم على يهودية الدولة، وبها تماهٍ ما بين القومية والدين من جهة والمواطنة من جهة أخرى، حيث تقوم فيها المواطنة على اعتبارات "إثنو-طائفية"، أي أنها على النقيض تمامًا من مبادئ الديمقراطية. وإقامة علاقات معها من قبل الحكومة التي أتت بعد الثورة الشعبية يعبر عن ازدواجية في معايير هذه الحكومة".

اقرأ/ي أيضًا: اتفاقية سلام جوبا.. ما هي أبرز العقبات؟

ويوضح محمد صابر، أن التناقض أيضًا يظهر في اتجاه التطبيع داخل الحكومة الانتقالية بحجة الفائدة التقنية والاقتصادية التي قد تعود على السودان من مثل هذه الخطوة، وهو أن إسرائيل دومًا ما تنظر لتقدم الدول العربية بأنه يمثل تهديدًا لأمنها، وشدد على أن وجود وأمن إسرائيل في المنطقة هو السبب في تعامل الولايات المتحدة مع دول المنطقة بنفس الطريقة التي كانت تتعامل بها إبان فترة الحرب الباردة، باعتبار أن الفاعلين السياسيين في إسرائيل يفضلون دائمًا التعامل مع مستبدين، نظرًا لوعيهم بأن الرأي العام العربي -كما أوضح المؤشر والاستطلاعات السابقة- دائمًا منحاز للقضية الفلسطينية، فلذلك؛ الديمقراطية دائمًا ستأتي بمن يمثل هذا الرأي. ويزيد محمد صابر بالقول: "إسرائيل لديها مصلحة في أن لا يكون لدى الرأي العام العربي أي تأثير على الفعل السياسي، ولذلك هي تفضل الدكتاتوريات والأنظمة السلطوية في المنطقة العربية".

محمد صابر:  التطبيع سيكون ذا أثر سلبي على عملية التحول الديمقراطي ككل

ويختم محمد صابر في إفادته لـ"الترا سودان"، بتأكيد أن التطبيع سيكون ذا أثر سلبي على عملية التحول الديمقراطي ككل، لا سيما وأن دولة الاحتلال وحلفائها في الخليج يفضلون التعامل مع الدكتاتوريات، ويعتبرون التحول الديمقراطي في الوطن العربي هو تهديد لأمنهم القومي، لذلك "لا غرابة في أن يكون السيد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، من أكثر المتحمسين للتطبيع"، في إشارة لحديث دقلو في مقابلة تلفزيونية أجراها مؤخرًا مع قناة "سودانية 24" أثار فيها مسألة التطبيع من جديد وقال إنهم يسعون لبناء علاقات مع إسرائيل.

ومن الواضح أن الحكومة الانتقالية ستظل تواجه بسؤال الرأي العام أمام سياساتها الداخلية والخارجية، خصوصًا مع توفر إمكانية انتقاد الحكومة كما أوضح المؤشر العربي في مخرجاته لهذا العام، حيث حل السودان في المركز الثاني بعد تونس مباشرة في القدرة على انتقاد الحكومة، وفي هذا الصدد تحدث الناشط والمهتم بالشأن العام عثمان عبدالله في إفادته لـ"الترا سودان"، قائلًا إن الناس قادرة على انتقاد الحكومة لأن هذه هي الغنيمة الأكبر -ويمكن الأوحد للثورة، وفي المقابل هناك انهزام لأدوات القهر والتحكم وتكميم الأفواه بيد الحكومة، ابتداءً بجهاز الأمن وليس انتهاءً بالقوانين التي كان النظام البائد يستخدمها لاصطياد الناشطين، وهذه -حسب عثمان- هي نتيجة مباشرة للثورة والغنيمة الأساسية لها، حيث فتت الثوار القدرة الحكومية للقهر والتكتيم والتكميم، سواء بالقوانين أو بالأجهزة الأمنية.

ويواصل عبدالله حديثه قائلًا، إنه من ناحية ثانية، فإن الجماهير عندها مشكلة أنها لا تملك الأدوات لصياغة فعل إيجابي في القضايا المطروحة في الساحة، وكل الأدوات التي تملكها لا تساعد إلا في صياغة موقف سياسي سلبي بحيث لا تستطيع طرح بديل بعد الرفض، فمعظم الخيارات التي تلتف حولها هي خيارات سلبية، وذلك لأنها لا تملك واجهة سياسية، ولم تخلق رأس سياسي سواء من لجان المقاومة أو غيرها، والرأس السياسي المتمثل في قوى إعلان الحرية والتغيير، هو "رأس منزوع عن الجسد". وهذا الأمر حسب عبدالله، يعطي مساحة للحكومة لأن تتجاهل الفعل الثوري لتعمل ما تراه مناسبًا، كما يترك الرأي السياسي للكتلة الثورية محصورًا في مواضيع بسيطة جدًا، لأن الرأي السلبي يحتاج التفافًا كبيرًا جدًا وإجماعًا تامًا حتى يكتسب زخمه.

ويشير عثمان عبدالله إلى أن نسبة الرافضين للتطبيع ليست بذات أهمية النسبة المتبقية، والتي يمكن أن تنجح الحكومة في استخدامها لتفتيت الكتلة الثورية، خصوصًا إذا وضعنا في الاعتبار تجاهل الحكومة دائمًا وأبدًا للرأي العام، وذلك لاعتقادها أنها تعلم ما يصلح الحال ولا تبالي بالآراء المناهضة لتوجهاتها. موضحًا أنها تتعامل مع أي رأي بأنه رأي مدسوس من جهات سياسية، وترجع كل رأي مختلف معها لأنه جزء من المنازعات السياسية بين قوى الحرية والتغيير، وبالتالي فهي تعتبر اختلاف الآراء هذا درجة طفولية من النزاع السياسي هي ليست ملزمة بالاهتمام به، فالمصلحة العامة وكيفية تحقيقها تتم بالطريقة التي تراها هي حسب اعتقادها، ويضيف: "هي لا تسمع رأي الشعب والرأي العام، وهذا الأمر واضح حتى عند حمدوك نفسه". في إشارة لكلمة رئيس الوزراء في المؤتمر الاقتصادي القومي الأول، حيث قال إنه من الأفضل الابتعاد عن الأجندة والآيدلوجيا والتنازعات الحزبية.

اقرأ/ي أيضًا: المؤشر العربي.. أضخم قياسات الرأي العام بالمنطقة العربية

وحسب عبدالله، فإن حديث رئيس الوزراء يكشف أنه يعرِّف كل الآراء المختلفة أو الخلافات داخل الحرية والتغيير أو الخلافات بينه وبين الحرية والتغيير، بأنها خلافات حزبية، وأنها غير صحيحة موضوعيًا، وبالتالي متى ما وجدت الحكومة فرصة تتخطى بها أي رأي ينتقدها؛ تقوم بتخطيه، لأنها تعتبر أنها تعلم ما يصلح، وأن كل من ينتقدها يعبر عن مصالح حزبية ولا يعبر عن رأي الشعب، حسب تعبير عبدالله.

عثمان عبدالله: البعض صار يعطي الحكومة تفويضًا مفتوحًا من أجل حل مسألة الضائقة المعيشية

وفي ختام حديثه عن نسبة الـ(21) % الذين لم يصوتوا بعدم الاعتراف بإسرائيل، والتي تجمع من يؤيدون التطبيع والذين قال المؤشر إنهم يمثلون (13) % من العينة المستطلعة، إلى جانب من لم يبينوا إذا ما كانوا مع التطبيع أم ضده، أشار عبدالله إلى أن هذه النسبة وحتى المؤيدون للتطبيع يعبرون عن اتجاه بدأ يكتسب زخمًا في الساحة السياسية، باعتبار أن البعض صار يعطي الحكومة تفويضًا مفتوحًا من أجل حل مسألة الضائقة المعيشية لأن الضائقة المعيشية أصبحت أكبر من الفعل الثوري، ويقول عثمان: "البقية هي تفويض مفتوح وليس رأي مع التطبيع"، تفويض مفتوح بأن تفعل الحكومة ما يلزم لحل أزمة الضائقة المعيشية، بعد أن استطالت واستفحلت وصارت خارجة عن السيطرة.

اقرأ/ي أيضًا

تصريحات "حميدتي" تعيد طرح أسئلة التطبيع

ملف| حوارات السلام.. الاتفاقية على ألسنة صائغيها