السياسات الاقتصادية للحكومة وأسئلة معاش الناس

السياسات الاقتصادية للحكومة وأسئلة معاش الناس

أعلنت تنظيمات سياسية رفضها للسياسات الاقتصادية وخرجت مظاهرات ضدها (أ ف ب)

نقلت الصحف ووسائل الإعلام في الفترة الماضية، خبرًا عن ارتفاع جديد بمعدل التضخم بالبلاد، وقد أشار جهاز الإحصاء المركزي إلى أن معدل التضخم بالبلاد سجل ارتفاعًا جديدًا حيث بلغ (412.75)% لشهر حزيران/يونيو 2021 مقارنة بمعدل (378.79) % لشهر أيار/مايو 2021، أي بزيادة قدرها (33.96) نقطة. 

وكانت الحكومة الانتقالية قد قررت في 21 فبراير/ شباط الماضي، توحيد سعر صرف الجنيه السوداني "تعويم جزئي" أمام الدولار والنقد الأجنبي، وأعلنت وزارة المالية، في وقت سابق، عن رفع الدعم عن المحروقات، وإعادة تخصيص مبالغ الدعم إلى القطاعات الاقتصادية والخدمية المهمة مثل الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والصحة، وإنشاء حزمة تعويض اجتماعية ونقدية فعالة من خلال تنفيذ برنامج الحماية الاجتماعية التي تعوض المواطن الارتفاع المتوقع في أسعار السلع والخدمات.

الأصوات الرافضة لفكرة رفع الدعم انطلقت من قاعدة مشروعة أساسها معاش الناس وأمنهم الاقتصادي

تأتي القرارات بدافع محاولة القضاء على الاختلالات الاقتصادية والنقدية، ولكن القرارات الاقتصادية الحادة صاحبتها ردود أفعال واسعة وسط السودانيين، إذ انعكست على أسعار السلع والخدمات في العاصمة وولايات السودان المختلفة، وخلقت حالة صدمة وسط تدني الأجور وغياب مظلة الحماية الاجتماعية الشاملة. 

اقرأ/ي أيضًا: مبادرة حمدوك وتحديات الانتقال

ما هي انعكاسات هذا القرار على معاش وحياة الناس وكيف سيؤثر إيجابًا أو سلبًا في الإصلاح الهيكلي للاقتصاد السوداني؟ 

الأصوات الرافضة لفكرة رفع الدعم انطلقت من قاعدة مشروعة أساسها معاش الناس وأمنهم الاقتصادي الذي بات بعيدًا عن الواقع اليوم بفعل سياسات إصلاح اقتصادي قاسية. لكن الأخطر هو غياب الإجابة على تساؤل ما مدى جدوى هذه السياسة المتبعة وهل ستطبب جراح الاقتصاد السوداني العميقة؟ يرتبك المشهد السوداني بهذا التساؤل ارتباكًا كبيرًا إذ أن طريق الإصلاح الاقتصادي في السودان طويل، والمواطن السوداني لا قدرة له على متابعة المُضي في طريق قد يقود إلى الهاوية.  

وقد برزت أصوات مُنظمة في الساحة السياسية السودانية تحمل شعارات رافضة ومناوئة لسياسة الحكومة الاقتصادية وصل الحال ببعضها أن تقدمت للجهاز التنفيذي لحكومة الانتقال، بمقترحات لسياسات اقتصادية بديلة تقوم على تعزيز الإنتاج بالاعتماد على الموارد الذاتية واستنهاض الطاقات الشعبية، إلا أن أطراف حكومية مُختلفة قللت من جدوى هذه التصورات البديلة، وفق مُبرر واحد، هو فراغ خزينة الدولة وما يقابلها من تحديات وما عليها من مسؤوليات. 

لن يدافع أحد عن الدعم من أجل الدعم، لو استطاعت الحكومة السودانية أن تبرر لهذا القرار وأن تُبرهن عمليًا للمواطن أنه سيحسن حاله بعد فترة ما، لقد تجاوز السودانيون مبدأهم الراسخ حول سياسات رفع الدعم حينما أعلنتها الحكومة السودانية العام الماضي، وضاق بها الحال، إلا أنهم كانوا حينها يعتقدون ان الحكومة السودانية تعمل على إعادة تأسيس البنى الاقتصادية للدولة السودانية وأن مساهمتهم تأتي بالصبر على إجراءات إصلاح مؤقتة، بذات قيمة حراكهم الثوري الذي جاء بهذه الحكومة. 

لكن واقع الحال اليوم يشير إلى غير ذلك، لم تعتمد الحكومة أي سياسة شاملة للإصلاح الاقتصادي، مازالت الحكومة تواجه تحديات خطيرة أولها ولاية وزارة المالية على المال العام، ودونكم التقرير الذي نشره "الترا سودان" قبل أسابيع والذي أعدته مؤسسة " الحارس" التي أشارت إلى أن وزارة المالية تسيطر رسميًا على ما لا يتجاوز الـ(18)% من عائدات الصادر في السودان بفعل رفض الشركات المملوكة للقطاعات الأمنية لسيطرة وزارة المالية على رؤوس أموالها أو أرباحها. 

التقرير أشار إلى أن محاولات وزارة المالية للسيطرة على هذه الشركات تواجه رفضًا كبيرًا من القطاعات الأمنية المسيطرة على هذه الاستثمارات، والتي لا تضيع وقتًا في الدفاع عن فكرة ولايتها على المال العام خارج رقابة وزارة تحت مبرر التمويل الذاتي للمؤسسات الأمنية والعمل على تطويرها، وهو ما نبه له أيضًا رئيس البعثة السياسية للأمم المتحدة في السودان، السيد فولكر بيرتس، والذي نشر بيانًا في نيسان/أبريل الماضي، نبه فيه إلى خطورة هذه المؤسسات على عملية الانتقال في السودان وضرورة توحيد الحكومة السودانية لخزانتها وفرض ولايتها على المال العام.

اقرأ/ي أيضًا: مواكب العدالة.. الانتصار للقضية

الحكومة السودانية فشلت حتى الآن في رصد هذه الشركات، أعدادها الحقيقية ورؤوس أموالها وأرباحها وكيف تدار وأين تتحرك هذه الأموال، ورغم نشر وزارة المالية لأول مرة في آذار/مارس الماضي، قائمة أولية بأسماء المؤسسات شبه الحكومية، إلا أن تلك القائمة افتقدت للدقة بصورة واضحة، على سبيل المثال لا الحصر، رصدت القائمة (58) شركة تتبع للقوات الأمنية المختلفة منها شركة واحدة فقط تتبع لجهاز المخابرات العامة، وبمقارنة هذه الأرقام مع تصريح وزيرة المالية السابقة د. هبة محمد علي التي أشارت إلى أن تقدير الشركات المملوكة للقطاع الأمني تتراوح ما بين (500) – (600) شركة. 

تتحدث الحكومة عن التحدي الاقتصادي وهي تعلم جيدًا أنها لن تصل إلى الاستقرار الاقتصادي برفع الدعم بل عبر بناء قاعدة إنتاجية قومية

وتحدِ أخر، هو ضبط الإنفاق الحكومي وتطبيق سياسة تقشف مُعلن عنها ويتاح للمواطن مراقبتها وضبطها والتبليغ عن مخالفيها، وهي إحدى أولويات المرحلة، يتحدث وزير المالية د. جبريل إبراهيم عن أن رفع الدعم سيوفر على الحكومة السودانية مبلغ مليار دولار سنويًا، ولا يفيد الوزير حول جملة الإنفاق الحكومي سنويًا، وهل تمت مناقشة ضبط الإنفاق الحكومي أو تقليصه في ظل ظروف السودان الحرجة، وقد نشرت الأنباء خلال هذا العام جملة من الأخبار التي توثقنا منها، تشير إلى توسع الحكومة في الإنفاق الحكومي. على سبيل المثال، يُدفع للعاملين بمكتب رئيس الوزراء رواتب "دولارية" ما يمثل خرقًا لنظام التشغيل ولوائح العمل بمؤسسات الخدمة المدنية نفسها، ناهيك عن الخلاف المبدئي مع الظاهرة التي سمحت وستفتح الباب لتوسع الهوة بين الناس في الوظائف العامة والدخل الذي يجنيه الموظفون من خلالها. 

التحدِي الأخير والأبرز، هو مدى دعم حكومة الانتقال للإنتاج في السودان، تتحدث الحكومة عن التحدي الاقتصادي وهي تعلم جيدًا أنها لن تصل إلى الاستقرار الاقتصادي بتوفيرها لمبلغ مليار دولار سنويًا، بل أن المخرج هو بناء قاعدة إنتاجية قومية تضمن للحكومة السودانية عائدًا مستمرًا بالعملة الصعبة، يحقق لها التوازن بين ميزان الصادر والوارد ويغطي العجز في هذا الجانب، وهو ما يجب أن تعمل الحكومة على تحقيقه عبر دعم وتعزيز القوى الإنتاجية في السودان وتوفير الإمكانات اللازمة لها لتحقق مواسم إنتاجية ناجحة وعبر إصلاحات السياسات العامة للدولة المتعلقة بالصادر والوارد والنقل والاستثمار، والتي تسمح باستقرار العلاقة بين مُنتجي السودان والسوق العالمي، وما تعود به هذه العلاقة من نفع على الاقتصاد الوطني. 

يُشير الواقع إلى أن حكومة الانتقال لم تضع مسألة دعم وتشجيع الإنتاج ضمن أولوياتها ولا نصب أعينها، وأبسط الأمثلة لذلك الفشل المتكرر للموسم الزراعي الشتوي وما أعقبه من فشل للموسم الصيفي السابق، بحسب بيانات أصدرها عدد من المزارعين بمشروع الجزيرة وتنظيماتهم، بفعل عدم توفير الحكومة لمطلوبات الإنتاج البسيطة في موعدها. وقد بلغ التقاعس الحكومي مبلغًا قاد مقرر لجنة "إنجاح الموسم الزراعي بمشروع الجزيرة" التي يترأسها رئيس الوزراء، أن يطالب رئيس الوزراء في خطاب رسمي بتشكيل لجنة تحقيق حول أسباب فشل الموسم الزراعي، في وقت وصف فيه تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل، في مؤتمر صحفي، قبل أسابيع، العروة الصيفية بـ"الفاشلة" وحمل الحكومة الانتقالية مسؤولية ذلك الفشل بسبب إهمالها لدعم الإنتاج، وانعدام الوقود، وارتفاع الرسوم المستقطعة من المزارعين، وعدم صيانة قنوات الري حتى اليوم، وسريان قانون مشروع الجزيرة للعام 2005 الذي لم يتم تعديله حتى الآن. 

اقرأ/ي أيضًا: هل يمضي قطار "الانتقال" في السودان؟

كل هذه العوامل التي ذكرناها، هي مؤشرات نتطرق لها على سبيل المثال لا الحصر، لنُشير إلى ضعف خيال طاقم الحكم الانتقالي الذي أراد أن يرهن الاستقرار الاقتصادي برفع الدعم برغم ما أحاقه من معاناة بالناس، في وقت تُطل فيه حلول التحديات الاقتصادية برأسها وتبدو واضحة للجميع؛ تأبى الحكومة إلا أن تختار الحلول التي تعالج بعض آثار الأزمة لكنها ترفض النظر إلى قعر جبل جليد الأزمة الاقتصادية، الذي لو أمعنت وزارة المالية النظر إليه جيدًا، لأدركت أن الأزمة الاقتصادية الحالية لم يسببها دعم المحروقات، ولن نتجاوزها بإيقاف ذلك الدعم. وأن جذور المشكلة الاقتصادية واضحة ومعروفة ولعل كل القوى المشاركة في السلطة اليوم عملت على تشريح هذه الأزمة وتحليلها بصورة منهجية وتقديم رؤى وتصورات للخروج منها، إبان معارضتها لنظام البشير.

كل القوى السياسية التي تمثل الحاضنة السياسية للحكم الانتقالي اليوم، كانت قد رفضت رفع الدعم نهايات حكم المؤتمر الوطني

وجدير بالذكر أن كل القوى السياسية التي تمثل الحاضنة السياسية للحكم الانتقالي اليوم، كانت قد رفضت رفع الدعم نهايات حكم المؤتمر الوطني، تحت ذات المبررات التي تقود الناس لمعارضته اليوم وبِشدة، أن مساعي الحكومة لاتخاذ الخيارات السهلة وتحميل المواطن السوداني ضرائبها التي لا ناقة له بها ولا جمل؛ لا تقود فيما يبدو للعلاج الصحيح للأزمة الاقتصادية.

الحكومة السودانية مطالبة اليوم قبل الغد بالنظر إلى قعر جبل الجليد، ووضع سياسة شاملة للإصلاح الاقتصادي عبر تعريف التحديات وسبل تجاوزها بصورة واضحة، وتسمية الفاعلين في استراتيجيات البناء والإصلاح، ومكاشفة المواطن بحجم التحدي والمسؤولية المشتركة، فالتدمير الذي استمر لثلاثين عامًا لن يعالج بحلول مستوردة، بقدر ما يتطلب حشد للطاقات وتوجيهها في اتجاه العمل المُجزي والتأهيل المهني والفني وتوسعة فرص العمل وتشجيع الشباب في مجالات الإنتاج والاستثمار وخلق فرص عادلة، والذي سينعكس على قوة الإنتاج ويعود بالنفع على الدائرة الاقتصادية.

اقرأ/ي أيضًا

الحركة العمالية في السودان والحقوق المهدرة

حمى الذهب أم حمى الدولة؟