مبادرة حمدوك وتحديات الانتقال

مبادرة حمدوك وتحديات الانتقال

أرشيفية (سونا)

شاركت في اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بعدد من الإعلاميين والذي التأم بمنزله مساء الأحد الماضي، في إطار الحوارات التي يجريها مع مجموعات مختلفة حول مبادرته "الأزمة الوطنية.. الطريق إلى الأمام"، وقد شهد الاجتماع نقاشًا مطولًا من الحضور حول المبادرة وظروفها مقروءة مع تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية وفي ظل الانفلات الأمني الذي تشهده البلاد.

لإنجاح هذه المبادرة يجب الإقرار باختطاف القرار الحكومي وتعدد مراكز القرار مما كرس لهيمنة العسكر على المجلس السيادي

وقد أبنت خلال اللقاء وجهة نظري حول القضايا المتعلقة بالمبادرة، في كونها استدراك متأخر لكثير من القضايا العالقة ومن بينها ملفات كان يتوجب على الحكومة حسمها مبكرًا، وأشرت في هذا الإطار إلى أن الحكومة وجدت دعمًا جماهيريًا غير مسبوق لتحقيق ذلك، غير أن التعثر الذي لازمها في إنجازها مع انعدام المعلومات قادا لتراجع شعبيتها، وولد حالة من الاستقطاب الحاد، الذي وصل لمرحلة المطالبة بإسقاطها أو إسقاط النظام بمجمله، وهو جزء من المخاطر التي سعت المبادرة لاحتوائها.

اقرأ/ي أيضًا: زيادة جديدة في المحروقات ومحلل يتوقع تحريك السعر مع السوق العالمي

ولفائدة الحوار حول المبادرة التي في حقيقتها تمثل نقطة تلاقي مع أشد معارضي سياساته وحكومته في توصيفها لتعقيدات الأزمة الوطنية، مع الاختلاف بالطبع في الرؤية للخروج منها، وهي إقرار بصحة ما يطرح من أراء حول عدم إنجاز كثير من أهداف وشعارات الثورة، والخلل الذي بات واضحًا في التحالف السياسي الداعم للحكومة الذي تفكك حتى أنحصر في أحزاب تعد على أصابع اليد الواحدة، إلى جانب الإقرار باختطاف القرار الحكومي وتعدد مراكز القرار مما كرس لهيمنة المجلس السيادي ممثلًا في المكون العسكري على أهم وأخطر الملفات.

لقد حملت المبادرة في طياتها رسالتين في تقديري؛ - الأولى: هي الإقرار بفشل المنهج السائد على مستوى العمل الحكومي والتحالف السياسي، وتعقيدات العلاقة بين أطراف هذه المعادلة المختلفة. - الثانية: هي المخاطر الواردة بين السطور للصراعات التي تعتمل على كافة المستويات والتي قادت للتشظي، ومن بينها اعتراف رئيس الوزراء للمرة الأولى بالخلاف بين المدنيين والعسكريين، والأخطر هو ما حملته من تأكيد للمعلومات المتداولة عن خلافات للقوى العسكرية فيما بينها.

ومن هذا الباب يمكن التقاط أن هذه المبادرة في طبيعتها تحمل استنجادًا بالقوى المدنية لتدارك خطر داهم يواجه الجميع ويتهدد الانتقال وأمن وسلامة الانتقال.

وقبل التعليق على البنود الواردة في المبادرة ينبغي التوضيح هنا أن خلطًا قد شابها، بين القضايا ذات الطبيعة التنفيذية التي تعتمد في إنفاذها على القرار الحكومي دون سواه، وبين القضايا التي تتطلب إجماعًا وموقفًا سياسيًا موحدًا من القوى السياسية، وهو خلط يضيع حدود المسئولية التي تضطلع بها الحكومة ويتوقع الناس منها إنجازها، وتملك التفويض السياسي والجماهيري لتحقيقها، ومن أمثلة ذلك.

- قضية العدالة وإصلاح المؤسسات العدلية والقضائية.

- تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ومحاربة الفساد.

- السياسة الخارجية والسيادة الوطنية.

- إصلاح المنظومة الأمنية والشرطية. "إصلاح المنظومة العسكرية يحتاج لدعم وإسناد سياسي وتنسيق مع جميع الاطراف".

- إصلاح التشوهات الاقتصادية وبسط سيطرة وزارة المالية وولايتها على كافة المؤسسات الحكومية بما فيها التابعة للجهات العسكرية والأمنية، وتفكيك المؤسسات التي أسست لأهداف سياسية، وموارد البلاد الرئيسية.

هذه القضايا تمثل أهم مهام الحكومة وكانت تمتلك التفويض السياسي والجماهيري اللازم للمضي فيها، وكان الأجدر أن يعلم الناس أسباب القصور والتعثر الذي لازم إنجازها، فهي لا تخص القوى السياسية بالدرجة الأولى، إنما الحكومة أو السلطة التنفيذية التي تمتلك القرار والآليات التي تؤهلها لإنجازها، والصلاحيات والسلطات التي لا ينازعها فيها أحد لتنفيذها، وهي تتحمل بشكل مباشر مسئولية أي قصور في هذا الإطار.

وحتى لا تختلط الأمور في هذه القضية المتداخلة ينبغي أن تفرز "الكيمان"، فبحسب طبيعة النظام المتبع حاليًا، وهو النظام البرلماني الذي يعتبر فيه رئيس الوزراء هو القائد السياسي الفعلي للسلطة التنفيذية، وبموجب السلطات والصلاحيات التي اعطتها له الوثيقة الدستورية، وتلك الموروثة التي آلت اليه من صلاحيات الرئيس المعزول بموجب القوانين السارية، فإن كثير من القضايا التي طرحها رئيس الوزراء في مبادرته هي من صميم صلاحياته وصلاحيات حكومته، وكان عليه حسمها بقرارات واضحة ومباشرة، لكنه لم يفعل رغم الدعم والحملات والمليونيات المتتالية التي خرجت مطالبة بها، وبالتالي هو وحكومته الأولى والثانية يتحملون القسط الأكبر من مسئولية ما آلت اليه الأمور، بسبب عدم حسم كثير من القضايا الأساسية.

المدخل الصحيح للتعامل مع الخلل الذي لازم مسار الفترة الانتقالية، ينبغي أن يبنى على الحقائق، وعلى تحديد دقيق لمسئوليات كل طرف في الاخفاق والتعثر، الحكومة والقوى السياسية، وعلى أتخاذ قرارات وإجراءات مباشرة في الملفات أعلاه، فذلك ما يضع الناس على أولى عتبات مفارقة النهج الذي ساد طويلًا، ووسم الأداء الحكومي والسياسي بالفشل.

تأسست المرحلة السابقة ومنذ بدايتها على خلل في الوثيقة الدستورية بما حملته من ثغرات منهجية، قادت لتقييد مسار العدالة

لقد تأسست هذه المرحلة ومنذ بدايتها على خلل في الوثيقة الدستورية بما حملته من ثغرات منهجية، قادت لتقييد مسار العدالة، وبوضعها لإصلاح المنظومة العسكرية خارج نطاق وصلاحيات القوى المدنية، وبمحاولة إلحاق الأجهزة الشرطية والأمنية بصلاحيات المكون العسكري، وهو أمر يتعارض مع طبيعتها كأجهزة نظامية ذات طبيعة مدنية، وتخضع لسلطات الجهاز التنفيذي بحكم الوثيقة نفسها وقوانينها السارية، وتم الترويج لعدم صلاحيات رئيس الوزراء على إحداث تغيير فيهما حتى تم تكذيب ذلك بإقالته لمدير عام الشرطة، ومع ذلك لم تشهد تلك الأجهزة تغييرًا حقيقيًا بإبعاد العناصر ذات الصلة بالعهد بالبائد، وعدم إحداث تغيير حقيقي في عقيدتها ومنهجها، ولم يتم إعادة من المفصولين للصالح العام خلال العهد البائد لصفوفها حتى الآن وذلك نموذج فقط يمكن سحبه على جميع مرافق الدولة ومؤسساتها.

وبالنظر لما يجري الآن لا يمكن مطلقًا اعتبار ذلك الخلل أمرًا عارضًا إنما فعل قد تم بقصد، وقد جرى خرق هذه الوثيقة مرارًا وتكرارًا والتعدي الصريح المباشر على نصوصها كلما احتاجت أطرافها، ولابد إذا أريد لهذه المرحلة أن تمضي بسلام من إجراء إصلاح شامل على هذه الوثيقة على هدى من قواعد القانون وأهداف الثورة، واتفاقات السلام التي تم إبرامها وتلك التي يجري التفاوض حولها، والخروج بوثيقة دستورية موحدة لكل البلاد تعالج الخلل الذي أشرنا إليه، وذاك الخلل المترتب على الاتفاقيات نفسها.

ومن نافلة القول إن الخلاف السياسي بين قوى تحالف الحرية والتغيير قديم، لم يتفجر اليوم كما هو معلوم للكافة، بل بدأ منذ التفاوض مع المجلس العسكري، وارتبط بكل ما تمخض عنه، ولاحقًا تمدد ليشمل تشكيل الحكومة الأولى، وتصاعد داخل التحالف السياسي حينما هيمنت فئة محدودة من الأحزاب والجماعات على مقاليد الأمور، بذريعة دعمها للحكومة، وفرضت رؤيتها القاصرة للتعامل مع الانتقال، وهي الطريقة التي نعاها رئيس الوزراء في مبادرته، وسبقته إليها قوى سياسية وثورية ومدنية رفضت هذه الطريقة والمنهج من قبل، وتتحمل هذه القوى المهيمنة نصيبها من الفشل الراهن، وقد تفكك التحالف على مرات، بلغت ذروتها حاليًا بعدما علت الأصوات داخله، مطالبة بإنهاء هيمنة القلة الحزبية، ودفعت بحزمة مطالب إصلاحية.

لن تستقيم خطى هذه المرحلة المضطربة، إلا باتفاق واضح حول قضاياها، يضع أهداف وشعارات الثورة في قلب مهام الحكومة وبقواعد وضوابط لتنفيذها، وببرنامج سياسي ورؤية شاملة تعالج كافة القضايا المعلقة، وتعيد استرداد هذا التحالف المختطف وتوسع قاعدته ليشمل الحركات المسلحة والقوى الثورية والمطلبية المبعدة، وإلغاء ما تمخض عن الالتفاف السياسي، وعلى رأس ذلك مجلس شركاء الحكم الذي صار حكومة أعلى من الجهاز التنفيذي، وهو من حيل الهيمنة والسيطرة ومراكز تعدد القرار الذي شكا منه رئيس الوزراء في خطاب مبادرته.

هذه المرحلة لن يكتب لها الاستمرار دون الالتزام الصارم بتحقيق أهداف الثورة، وإنهاء دولة العهد البائد بمؤسساتها وممارساتها

نجاح هذه المبادرة يرتبط باتخاذ سلسلة من القرارات الحكومية، أولًا كما أشرنا في القضايا أعلاه لاسترداد ثقة الشارع والقوى المناهضة لها واستعادة مطلوبات الثورة المعطلة، كما تتطلب تفاهما سياسيًا ينبذ منهج المحاصصات والتمكين والتحايل السياسي، وإدراك أن هذه المرحلة لن يكتب لها الاستمرار بعيدًا عن الالتزام الصارم بتحقيق أهداف وشعارات الثورة، وإنهاء دولة العهد البائد وكافة مؤسساتها وممارساتها، وملاحقة مفسديها والمتورطين في جرائمها، فذلك هو السبيل الوحيد أمام الجميع.

اقرأ/ي أيضًا

مكافحة المخدرات بالنهود تضبط نظاميًا يروج للحشيش

"سيدات السودان" يعبرن عن دعمهن لمبادرة حمدوك