التأثير الإسرائيلي في السودان.. هل يقِّوض الانتقال الديمقراطي؟

التأثير الإسرائيلي في السودان.. هل يقِّوض الانتقال الديمقراطي؟

ابتدر البرهان مسار التطبيع بلقاء سري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في أوغندا العام الماضي

لم يكن طلب الولايات المتحدة الأميركية من إسرائيل إقناع العسكريين في السودان بتنفيذ مطالب السودانيين والمجتمع الدولي بإعادة الحكومة الشرعية برئاسة عبدالله حمدوك مفاجئًا للأوساط الدولية والمحلية، كون قادة الجيش على تقارب مع تل أبيب منذ العام الماضي، وكانوا على مقربة من عملية التطبيع التي لم تحرز تقدمًا لعدم رغبة المدنيين ورفض جزء منهم علنًا أي تقارب مع إسرائيل.

الدور الإسرائيلي في الانقلاب كان واضحًا منذ الوهلة الأولى وأكدته زيارات المسؤولين الأمريكيين لتل أبيب لمناقشة الأزمة في السودان

بعد أسبوع من الانقلاب العسكري في 25 تشرين الأول/أكتوبر علقت وسائل إعلام عبرية صفحاتها صور البرهان وسمته رجل إسرائيل في السودان، وهي تضع صورة الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، كما أنها تضع في الاعتبار أن تل أبيب تتعامل مع العسكريين في السودان، وهي إشارات على أن إسرائيل قد تشجع صعودهم إلى السلطة مستقبلًا.

اقرأ/ي أيضًا: لجنة أطباء السودان تعلن عن رصدها 50 حالة إصابة في مواكب 21 نوفمبر

وكانت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد زارت إسرائيل الأسبوع الماضي، وطلبت على هامش مباحثات رسمية من وزير الدفاع الإسرائيلي المساعدة في إقناع العسكريين في السودان للعودة للمسار الانتقالي.

جاء الطلب الأمريكي قبل أيام قليلة من إبرام القادة العسكريين اتفاقًا سياسيًا مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، وعاد بموجبه إلى منصبه كما كان قبل الانقلاب في 25 تشرين الأول/أكتوبر، ويعد اتفاقًا إطاريًا غير ملزم قانونيًا بحسب خبراء، ويعتمد على حوار سياسي مرتقب بين المدنيين والعسكريين يفضي إلى وضعه في الدستور الانتقالي.

وكانت وزيرة الخارجية في الحكومة المقالة، مريم الصادق المهدي، قد قالت في تصريحات لقناة الجزيرة، إن البرهان حاول التودد إلى إسرائيل، وأعلنت أن الحكومة قد علمت بدور لإسرائيل في دعم الانقلاب بعد زيارة المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي إلى إسرائيل، وتعيين أبوالقاسم محمد برطم -المعروف بدعمه للتطبيع- بمجلس السيادة الانتقالي.

وبدأ التقارب الإسرائيلي مع العسكريين في السودان منذ لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت بنيامين نتنياهو في ضاحية عنتيبي في العاصمة اليوغندية في شباط/فبراير 2020 برعاية الرئيس يوري موسفيني، بينما عزف المدنيون في السودان عن الترحيب بهذه التطورات، ووقعت أزمة بين مجلسي السيادة والوزراء برئاسة عبد الله حمدوك الذي واجه ضغوطًا من الأحزاب الرافضة للتقارب مع تل أبيب وتعتبرها عدوًا حقيقيًا.

وباتفاق البرهان- حمدوك 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، يعتقد قادة السودان الراغبون في التطبيع مع إسرائيل أن الطريق بات سالكًا لهذا الأمر، سيما وأن الحاضنة السياسية لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك أصبحت خارج معادلة ترويكا الانتقال في السودان الذي كان يجمع "العسكريين" و"الحركات المسلحة" و"قوى الحرية والتغيير".

ويوضح المحلل في الشأن السوداني مصعب حسن في تصريحات لـ"الترا سودان"، أن الاتفاق السياسي يمهد أيضًا للتقارب مع إسرائيل بإعتبار أن تدخلات وزارة الخارجية لحكومة الكفاءات المرتقبة لن تكون مستقلة بالمعنى الكامل، خاصة إذا ما ذهبنا إلى البند الذي يمنح مجلس السيادة الإشراف على الفترة الانتقالية حتى الانتخابات. و"المجلس الانتقالي الرئاسي" معروف بهيمنة العسكريين وحلفائهم الذي جرى تعيينهم وبينهم من ينادي بالتطبيع علنًا ويجاهر بذلك، ونظم المؤتمرات لذلك هذا العام.

وفي أروقة ترويكا الانتقال من يدافع عن التطبيع باعتبار أنه مفتاح أتاح للسودان رفع العقوبات الدولية بمغادرة البلاد للائحة الإرهاب التي تضعها الولايات المتحدة الأميركية.

ويرى أحمد عبد الله المحلل في الشؤون الدولية في حديث لـ"الترا سودان"، أن الولايات المتحدة كمن توددت إلى تل أبيب لإعادة الوضع على ما كان عليه قبل الـ 25 من تشرين الأول/أكتوبر الشهر الماضي، وبذلك تعترف واشنطن بتأثير تل أبيب على القادة في السودان خاصة العسكريين.

اقرأ/ي أيضًا: عودة حمدوك.. هل تغير الخارطة السياسية السودانية؟

لكن عبد الله يؤكد أن تل أبيب ليس بإمكانها منع العقوبات الأميركية عن الجنرالات في السودان إذا ما تخلوا عن الالتزامات التي بذلت في اتفاق 21 تشرين الثاني/نوفمبر مع حمدوك.

محلل في  الشؤون الدولية لـ"الترا سودان": تل أبيب تعتقد أن وصول القوى المدنية المعادية لها إلى السلطة وتحقيق التحول الديمقراطي يقضي على طموحاتها في المنطقة

وأضاف: "إسرائيل لم تبد حماسًا للتطبيع مع الحكومات المدنية، فهي تتعاون في المجال العسكري والدفاعات ولا تملك أية عمليات اقتصادية تجارية موسعة مع الدول، ولا يمكن أن يكون التطبيع شعبيًا ومرحبًا به في السودان مهما كانت درجة العلاقات الدبلوماسية والرسمية، وهو أمر مشابه لما يحدث في بعض دول الجوار التي تقيم علاقات مع تل أبيب بمعزل عن شعوبها".

ويرى مصعب حسن المحلل في الشأن السوداني أن تل أبيب تعتقد أن وصول القوى المدنية المعادية لها إلى السلطة وتحقيق التحول الديمقراطي يقضي على طموحاتها في المنطقة، لذلك تشجع وتؤازر إيصال حلفائها إلى دائرة القرار السياسي للتحكم في مسار التطبيع والتعاون الأمني فقط، وهي تفعل ذلك بأي ثمن حتى وإن كانت أنظمة عسكرية.

وتبادل مسؤولون سودانيون وإسرائيليون زيارات بين البلدين منذ مطلع هذا العام وحتى الأسابيع الماضية، وهي تحركات ذات طابع عسكري لم تشمل المدنيين الذين أبلغوا قبل شهور الولايات المتحدة الأميركية أن الوفد الإسرائيلي يتعامل مع طرف واحد في السلطة الانتقالية وأن هذا الأمر "مزعج ومحرج لهم".

ولتشجيع المدنيين على الحوار مع إسرائيل طلب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي زار الخرطوم في تموز/أغسطس 2020 من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك التواصل مع إسرائيل، لكن الأخير رهن الأمر بموافقة المجلس التشريعي الانتقالي الذي لم يكون حتى الآن.

وأجرى رئيس الوزراء لقاءً قد يكون هو الأول والأخير من نوعه مع وفد إسرائيل الذي زار الخرطوم مطلع هذا العام، لكن في ذات الوقت أجرى وزير العدل نصر الدين عبد البارئ سلسلة تحركات بين الخرطوم وأبوظبي وانتشرت صورة له مع مسؤول إسرائيلي التقاه في الإمارات قبل شهر ونصف.

ويعد عبد البارئ أحد أبرز المرشحين لتولي حقيبة العدل في حكومة الكفاءات المستقلة التي يعتزم حمدوك تشكيلها بالتشاور مع السياسيين المؤيدين لاتفاق 21 تشرين الثاني/نوفمبر مع قادة الجيش.

وارتفعت أسهم عبد البارئ في تولي حقيبة العدل نتيجة تحركاته المكثفة لتنظيم الأطر القانونية مع الولايات المتحدة لرفع السودان من قائمة الإرهاب العام الماضي، إلى جانب شخصيته التي لا تفضل "الصخب السياسي" والمواقف الراديكالية، بحسب تعبيره هو نفسه في أكثر من سانحة.

اقرأ/ي أيضًا: مليونية 21 نوفمبر ترفض الاتفاق السياسي وعودة معقدة لحمدوك

وقد يكون صعود العسكريين وحلفائهم إلى السلطة طوق نجاة لإسرائيل كونها ستتمكن من جعل التطبيع واقعًا، خاصة وأن مهمة عبد الله حمدوك قد تكون ِأشبه بـ"حكومة تصريف الأعمال". كما أنه شكى مرارًا من تعدد مراكز القرار في الدولة والتدخل في العلاقات الخارجية والانفراد بها في بعض الملفات.

الرأي العام المحلي بات مدركًا بعد الانقلاب تأثير الخارج على ديمقراطيته الناشئة 

لكن في ذات الوقت أظهر الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 تشرين الأول/أكتوبر الشهر الماضي، أن الرأي العام المحلي يدرك أن العلاقات الخارجية تعد عاملًا حاسمًا في العملية الديمقراطية لذلك لم يتوانى محتجون في التظاهرات التي اندلعت بعد الانقلاب من رفع شعارات تشكر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بينما طلبت من دول بعينها الكف عن التدخل في الشأن السوداني وهي دول تشجع التطبيع مع إسرائيل.

اقرأ/ي أيضًا

الصحة العالمية: زيادة كبيرة في حالات كورونا بثلاث ولايات ونقص في الأوكسجين

اختيار لاعبي المنتخب الوطني لمشاركة السودان في كأس العرب بقطر