الانتقالية وحاضنتها.. والخروج من المتاهة السياسية

الانتقالية وحاضنتها.. والخروج من المتاهة السياسية

مفاوضات الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى التغيير في حضور الوساطة - أرشيفية (تواصل)

سيتواصل الشد والجذب مدافعةً من قوى الثورة لتحقيق مطالبها التي ظلت حبيسة أدراج رئاسة الوزراء لعام كامل، ولم تفلح مليونيات 30 حزيران/يونيو في تحقيقها بشكل فوري، بينما تشهد ساحة الحكومة وتحالفها السياسي اضطرابًا واضحًا، يوشك أن ينهي عهد الكفاءات المستقلة ويدشن مرحلة الوزراء الحزبيين عبر المحاصصة السياسية، بعدما تراجعت القوى السياسية عن تعهداتها السابقة بعدم المشاركة في الجهاز التنفيذي، فهل ذلك هو السبيل الوحيد المتاح لمغادرة مربع الأزمات؟ 

الخروج بالساحة السياسية من متاهاتها الراهنة يقتضي الإقرار بالأخطاء الجسيمة التي وقعت منذ بدء التفاوض وحتى اليوم

الخروج بالساحة من متاهاتها الراهنة يقتضي الإقرار بالأخطاء الجسيمة التي وقعت، منذ بدء التفاوض بين المجلس العسكري أو اللجنة الأمنية، وقوى الحرية والتغيير العام الماضي، وما تمخض عن ذلك التفاوض من اتفاق سياسي ووثيقة دستورية حفلت بنقاط الضعف، والمناطق الرمادية التي ساهمت في تعقيد الواقع السياسي، وأدت لقيام شراكة سياسية مختلة، بعدما أبقت للقوات النظامية على مؤسساتها الاقتصادية ذات الربح العالي خارج ولاية وزارة المالية، خلاف ما طالته أيديها من مؤسسات الدولة الاستراتيجية خلال وبعد التفاوض.

اقرأ/ي أيضًا: شرق السودان.. ارتداد أم خطوة إلى الأمام؟

هذا الواقع لا يمكن التعامل معه بكل عناصر الضعف التي تعتريه إلا بالإقرار بحقائقه أولًا؛ ضعف وتفكك تحالف قوى الحرية والتغيير الذي يمثل الحاضنة السياسية، وانقسامه على نفسه وعدم توحده حول قضايا الفترة الانتقالية، وعدم إسناده للحكومة التي أتى بها بالشكل المطلوب، ونشاط بعض كوادره في إضعافها وتقسيمها على أساس شبهات الانتماءات الحزبية، وقد ساهمت هذه الأجواء في إبعاد عدد من الوزراء جراء الحملات المتواصلة التي لم تستند على أي أساس موضوعي أو معلومات حقيقية، وفي غياب التقييم الموضوعي لأداء الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: رسالة مفتوحة لوزير العدل بخصوص قانون المعلوماتية

ضعف الحكومة نفسها بسبب خلل بنيوي لازم تكوينها، وافتقارها لبرنامج ورؤية واضحة للتعامل مع مطالب وأهداف الثورة، وضعفها وتنازلها عن سلطاتها وصلاحياتها التي تمدد من خلالها العسكر ليفرضوا سطوتهم، ويضعوا أيديهم على مفاتيح ملفات السلام والسلطة والاقتصاد، مما خلق نشاطًا حكوميًا موازيًا للجهاز التنفيذي، وأدى ذلك لاتساع الفجوة بينها والشارع وقواه الثورية.

المحاصصة بين الأحزاب لن تحل أزمات الواقع بل ستزيدها تعقيدًا في ظل خلافاتها المزمنة

هذه الوضعية المعقدة لن تحلها المحاصصة وتولي القوى السياسية لمقاعد السلطة، ولن يفضى ذلك الوضع في ظل انقسام التحالف وافتقاره للرؤية ولبرنامج يخاطب قضايا الانتقال، إلا لمزيد من الأزمات وسيؤدي لتصادم بين القوى الحزبية والشارع، وسيزيد من تعقيدات الفترة الانتقالية، ولن تستفيد منه سوى قوى الثورة المضادة، وتقوية العناصر العسكرية على مستوى السلطة، وسيزيد هذا التفكك والتباعد بين التحالف والشارع من شهية المغامرين والطامعين في السلطة.

لقد أعلنت قوى الحرية والتغيير أنها بصدد عقد مؤتمر تداولي خلال شهر تموز/يوليو، وها هو الشهر قد مر وأطل عيد الأضحى، ولم ترد أي إفادات واضحة حول انعقاده، فما الذي حال دون قيام المؤتمر، وماذا فعل التحالف في وثيقة العقد الاجتماعي المقدمة من حزب الأمة، وما هي وضعية حزب الأمة الذي جمد عضويته بالتحالف في ظل إعلانه عن مشاركته في السلطة، وهل تم ذلك بالتنسيق مع قوى التحالف، وهل تتوقع هذه القوى أن تمضي لمقاعد السلطة بتحالفها بكل إشكالاته، ودون أن تجري تقييمًا لكل العقبات التي تواجه مسار الانتقال، وللانحراف الذي شاب مسيرة الثورة، والقصور الذي لازم التحالف في إدارة المرحلة.

اقرأ/ي أيضًا: الحكم المدني هل ينجو من قبضة العسكر؟

هذا الوضع الماثل اليوم لن نستطيع تجاوزه باستبدال الكفاءات المستقلة بعناصر حزبية، تعمل وفق أجندة أحزابها، في غيبة البرنامج الوطني المجمع عليه، وبغير تغيير شامل في التحالف السياسي يعيد النظر في هياكله لتصبح أكثر شمولًا وتمثيلًا لقوى الثورة، ووفق قاعدة الشراكة في اتخاذ القرارات، لا أن تستأثر بها قلة تحتكر القرار، وتتمدد في كل اللجان وتغيب الآخرين، وبالتوافق على برنامج ورؤية تتوحد حولها جميع مكونات التحالف وتعمل على تنفيذها.

الانفصال بين التحالف السياسي ونبض ومطالب القاعدة الشعبية مقدمة لتفكك وحدة قوى الثورة

إن الانفصال بين التحالف السياسي ونبض ومطالب القاعدة الشعبية هو مقدمة لتفكيك وحدة القوى التي تستمد تفويضها من الشارع، وسيكون التحالف أكبر الخاسرين من هذه الوضعية، وتليه مباشرة هذه الحكومة وأي حكومة قادمة، والحل الوحيد هو تمسك التحالف بمطالب وأهداف الثورة والالتحام بجماهير الشعب، فهي توشك أن تختط مسارًا بعيدًا عنه، مما ينذر بتقويض أساس التفويض السياسي، ويفتح الباب لمعادلات وتحالفات جديدة تعيد تركيب المشهد السياسي بشكل جذري.

اقرأ/ي أيضًا

خلاصات كتاب "عزمي بشارة" الأخير وتجربة السودان

أهمية الحفاظ على الأسماء التاريخية بمدينة جوبا