06-أبريل-2024
الاعتصام في 6 أبريل

(Getty)

"الواحدة ظهرًا بتوقيت الثورة" هو موعد خروج الثوار إلى شوارع السودان المختلفة، ولكن كان ليوم السادس من نيسان/أبريل تفاصيل مختلفة، ففي نفس اليوم من العام 1985، أسقط السودانيون الرئيس الأسبق جعفر النميري، وفي ذات اليوم من العام 2019، نجح المحتجون السودانيون في إقامة اعتصام سلمي أمام مقر قيادة الجيش، رافعين شعارات الثورة السودانية: "حرية، سلام، وعدالة"، و"تسقط بس".

ويعد السادس من نيسان/أبريل يومًا مفصليًا في تاريخ ثورة ديسمبر المجيدة، فعند وصول المتظاهرين إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، أصبح صغار الضباط والجنود أمام خيارين، إما الدفاع عن النظام أو الدفاع عن السودانيين والسودانيات في محيط القيادة! وقد كان بالفعل أن انحاز الضباط الصغار إلى جانب الشعب ودافعوا عن المعتصمين، ومنهم من استشهد ومنهم من أصيب، ولكن السادس من نيسان/أبريل 2019 كان علامة فارقة في وجدان الشعب السوداني، فما يزال 6 أبريل باقيًا في قلوب الناس، فقد كان الزخم الثوري في أقصى حدوده في ذلك اليوم، ففي الوقت الذي كان فيه السودانيون والسودانيات بالداخل يعملون على تنظيم دقيق لإنجاح اليوم، كان البعض بالخارج في حالة ترقب يحاولون جهدهم دعم إخوتهم الثوار داخل البلاد.

لجان المقاومة

وعن هذا اليوم الملحمي في تاريخ الشعب السوداني، يقول المتحدث باسم لجان مقاومة مدينة الخرطوم، معاذ خليل، إن يوم السادس من أبريل يظل يومًا تاريخيًا ومسجلًا بأحرف من نور في ذاكرة الشعب السوداني، إذ استطاع أن يسقط اثنين من أعتى الأنظمة الدكتاتورية في القارة الأفريقية. ويزيد: "هو يوم يفتخر به كل ثائر يتطلع إلى مستقبل مشرق لهذه البلاد، قوامه الحرية والسلام والعدالة".

المتحدث باسم لجان مقاومة مدينة الخرطوم: السادس من نيسان/أبريل 2019 كان "درجًا" للسودانيين نحو تحقيق الدولة التي يحلمون بها ويستحقها الشعب السوداني

ويضيف خليل في حديثه مع "الترا سودان"، أن السادس من نيسان/أبريل 2019 كان "درجًا" للسودانيين نحو تحقيق الدولة التي يحلمون بها ويستحقها الشعب السوداني، وتكالب عليها أعداء الشعب من الداخل والخارج لهدمها وهي تخطو خطواتها الأولى، لكن الثوار باقون لينتصروا لها ولقيمها ووفاء الشهداء، مؤكدًا أنهم "ليسوا ممن يرجعون من منتصف الطريق"، بحسب تعبيره.

وبعث المتحدث باسم لجان مقاومة مدنية الخرطوم رسائل إلى قوى الثورة المضادة من أنصار النظام البائد ومن شايعهم، وقال: "تذكروا هذا اليوم جيدًا، يوم زلزلنا الأرض تحت نظام الفساد والاستبداد، ويومًا بلغت قلوبكم الحناجر، وشيع لاحقًا نظامكم إلى مزبلة التاريخ". وأضاف أن إرادة الشعب ستنتصر، وأن عجلة التاريخ لا ترجع للوراء. وبعث أيضًا رسالة إلى الثوار قائلًا: "ماف زول في يجدع درقتو، كل فعل وليهو وقتو". وأضاف: "سنقاوم حتى نؤسس سلطة الشعب".

6 أبريل في جبل أولياء

أما أحمد أقوز، فيبدأ حديثه بالمقطع الشهير لدى الثوار: "الظالمون سيذهبون لا لن يعودوا من جديد. إن عادوا، عدنا من هتافات الشوارع والنشيد". ويقول إن يوم السادس من شهر نيسان/أبريل في محلية جبل أولياء كان يومًا صعبًا عليهم، خاصة وأنها المنطقة المطمئنة عسكريًا، حيث تتواجد بها جميع الأجهزة الأمنية بالإضافة إلى الجيش والقوات الجوية.

ويضيف أقوز، في حديثه مع "الترا سودان"، أن منطقة جبل أولياء تنقسم إلى وحدة جنوبية وأخرى شمالية وشرقية. وقال إنهم كانوا يتجمعون في منطقة "طيبة" ثم يتحركون لينضموا إلى الثوار في نقطة "نوباتيا"، ثم يمرون بمنطقة جبرة بالخرطوم، ومن ثم يتوجهون جميعًا إلى القيادة العامة للجيش السوداني.

ويشير أقوز إلى أنهم واجهوا صعوبات كثيرة حتى وصولهم إلى مقر الجيش في السادس من نيسان/أبريل، حيث كان هناك رعب وعمليات اعتقال من قبل السلطات، ولكن بفضل عزيمتهم وإصرارهم وصلوا إلى مقر الاعتصام الذي فض في شهر يونيو/حزيران 2019.

تجمع المهنيين يمثلني

وتصدر هاشتاق "تجمع المهنيين يمثلني" منصات التواصل الاجتماعي حينها، ولم يكن يُعرف من هم عضوية تجمع المهنيين السودانيين، الذي كشف عن أسمائهم بعد الاعتصام أمام القيادة العامة. وفي هذا الجانب، يقول عضو تجمع المهنيين السودانيين، عمار الباقر، إن يوم "6 أبريل" هو تاريخ عزيز على جميع الثوار السودانيين، فهو اليوم الذي تمت فيه الإطاحة بالدكتاتورية التي حكمت البلاد لستة عشر عامًا.

المحتجون عقب وصولهم للقيادة العامة في السادس من نيسان/أبريل 2019
المحتجون عقب وصولهم للقيادة العامة للقوات المسلحة في السادس من نيسان/أبريل 2019

يوضح الباقر، في حديثه مع "الترا سودان"، أنه كان لابد لتجمع المهنيين الذي كان يخوض معركة شرسة ضد الديكتاتورية الثالثة من استلهام هذه الذكرى لدفع مسيرة الثورة خطوات إلى الأمام. لافتًا إلى أن التجمع في ذلك اليوم أعلن عن مواكب السادس من أبريل قبل ما يزيد عن الأسبوعين، وكان الشعب السوداني في الموعد تمامًا كما كان متوقعًا. وأضاف: "ما يزال شعبنا في الموعد كما كان دومًا رغم المحن وظروف الحرب".

بحري في 6 أبريل

أما عضو لجان مقاومة بحري، أبوذر مدثر، فيقول إن بحري في ذلك اليوم كانت هادئة بصورة غير طبيعية، حيث انتقلوا من شمبات ووصلوا المحطة الوسطى بالقرب من موقع الاعتصام. وكانت الأسواق مغلقة والشوارع خالية من المواطنين، ولكن الأجهزة الشرطية تتواجد بكثرة.

وأشار مدثر في حديثه مع "الترا سودان"، إلى أنه عندما رأى هذا الهدوء، دخل الإحباط إلى قلبه وأحس بفشل اليوم قبل بدايته، لكن بعد لحظات قليلة وهو يفكر ويتجول في طرقات المحطة الوسطى، أطلقت إحدى الكندكات زغرودة، فالتف الثوار حولهم. ويضيف: "لا أعرف من أين خرجوا، ولكن في لمحة بصر امتلأت المحطة الوسطى بالثوار".

ويضيف بعد تجمعهم، أطلقت السلطات عليهم عددًا كبيرًا من عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، مما خلف إصابات وسط الثوار واعتقل عدد كبير منهم، لافتًا إلى تواجد أعداد كبيرة من منسوبي القوات المسلحة السودانية في اتجاه كبري المك نمر ببحري.

ووفقًا لشهادة عضو لجان مقاومة بحري، استمر الثوار في المحاولة لعبور الجسر. وقال: "بعد أذان المغرب، كانت هناك اشتباكات وسط القوات التي كانت تحرس الكبري، مما أدى إلى فتح الكبري واستطاع الثوار الوصول إلى القيادة العامة".

اعتصام القيادة

ومنذ انطلاقته في كانون الأول/ديسمبر 2018، ظل  قطار الثورة السودانية يمضي على الدوام لمحطته النهائية، وقد كان السادس من أبريل أهم المحطات ولكن ليس آخرها، حيث شهد ذلك اليوم الكثير من التفاصيل الصغيرة التي ساهمت في إسقاط أعتى الدكتاتوريات الأفريقية في القرن الواحد والعشرين.

ارتفعت الأصوات بالهتاف داخل الميدان بالاعتصام حتى إسقاط النظام، وبذلك الهتاف أعلن الثوار الدخول في اعتصام القيادة العامة

بعد دخول الثوار في اعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش، كان لا بد من وضع ترتيبات لوجستية وأمنية وإعلامية وغيرها لإحكام التنسيق والنشاط داخل ميدان القيادة العامة، مما دفع أعضاء لجنة الميدان للدعوة لأول اجتماع أرضي لهم، لإعلان الاعتصام. ولكن الثوار سبقوا لجنة العمل الميداني في الإعلان للاعتصام، حيث ارتفعت الأصوات بالهتاف داخل الميدان بالاعتصام حتى إسقاط النظام، وبذلك الهتاف أعلن الثوار الدخول في اعتصام القيادة العامة، وعقب ذاك الإعلان بنصف ساعة أصدرت قوى الحرية والتغيير بيانًا دعت فيه الثوار للدخول في اعتصام حتى إسقاط النظام.

وعلى الرغم من الهجمات المتواصلة في اليوم ذاته والأيام اللاحقة، لكن صمد الاعتصام لما يقارب الشهرين، قبل أن تقوم القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها بالجريمة الأكبر في الثورة السودانية، ألا وهي جريمة فض الاعتصام أمام القيادة العامة واعتصامات الولايات، لتبدأ رحلة جديدة من الدم والدموع آلت للحرب الدائرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني منذ نيسان/أبريل 2023.