20-أغسطس-2023
نساء يتبضعن في سوق في السودان

فقد مئات الآلاف من المواطنين وظائفهم وأعمالهم جراء الحرب (Getty)

واضعًا الاعتبار لأشهر قادمة قد لا يجد فيها المال، يحاول جمال الذي يقيم بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل، إنفاق ماله المدخر منذ ما قبل النزاع المسلح في السودان بشكل "حذر جدًا".

يقول جمال الذي يبلغ من العمر (50) عامًا، والذي يعيل عائلة من طفلين وزوجة، إن إنفاق المدخرات دون دخل مالي كالمعتاد كما كان يحدث قبل الحرب بين الجيش والدعم السريع "شيء يدعو للقلق باستمرار، فلا يمكنك مثلًا شراء المشروبات والعصائر، وتستغني عنها لأنك تخاف أن تصل حد الإفلاس".

مع استمرار النزاع المسلح تزيد معاناة النازحين في الولايات البعيدة عن القتال

كان جمال يدير مطعمًا في العاصمة الخرطوم، لم يكن من المطاعم الكبيرة، لكنه كان يدر عليه دخلًا ماليًا يمكنه من تحمل تكلفة المعيشة وتعليم أطفاله. يقول لـ"الترا سودان": "إذا لم يكن معك المال وأنت عاطل تقيم في مدينة أخرى في ظروف سيئة، فما ما العمل؟"، هذه الأسئلة تراوده باستمرار، لكنه يأمل أن يتوقف القتال في العاصمة كي يعود إلى منزله، وقد لا يكون في نظره استئناف نشاطه الاقتصادي بذات القدر، فطالما عاد المنزل فإن "كل شيء بعد ذلك يمكن أن يتحقق"، يقول جمال.

مقارنة وضع جمال مع آخرين قد تجعل منه أفضل حالًا من بين أولئك الذين لا يملكون قيمة الوجبة التالية عندما يحصلون على الوجبة الأولى خلال اليوم أثناء نزوحهم في مدن السودان، أو حتى في مصر وجنوب السودان وتشاد.

مع استمرار النزاع المسلح تزيد معاناة النازحين في الولايات البعيدة عن القتال، ولا يمكن التعويل على المساعدات التي تعد "غير منتظمة" و"لا تغطي جميع الجوانب" - بحسب معاوية الذي يقيم بمدينة شندي بولاية نهر النيل.

استقبلت ولاية نهر النيل نحو (1.3) مليون نازح من العاصمة الخرطوم منذ أربعة أشهر، وهؤلاء يعانون في سداد قيمة الإيجارات المرتفعة للمنازل في مدن الولاية، بينما يمكن لمن وصلوا إلى القرى أن يحصلوا على بعض المساكن بشكل مجاني من الأقرباء.

https://t.me/ultrasudan

الخبر السيء في نظر معاوية أنه سيبدأ "من الصفر" إذا عاد إلى الخرطوم، وذلك لأن منزله تعرض للنهب إلى جانب سرقة سيارته، ومع مضاعفة المعاناة في منطقة نزوحه لا يمكن التفاؤل أكثر من ترديد بعض العبارات التي تجلب الأمل التي درج عليها السودانيون.

قطاعات اجتماعية واسعة فقدت السيارات والمنازل في العاصمة الخرطوم، بينما هم نازحون داخليًا أو لاجئون في دول الجوار يحاولون احتواء معاناتهم اليومية.

وكانت قوى مدنية سودانية اجتمعت في أديس أبابا تعهدت بتكوين صندوق لتعويض ضحايا الحروب في السودان، ويمول من الدولة والمجتمع الدولي.

وتقول  الباحثة الاجتماعية إيمان حسن إن الصراع المسلح في العاصمة وبعض الولايات دمر طبقة واسعة من سكان المدن الذين كانوا يعتمدون على العمل في القطاع الخاص والتجارة والخدمة الحكومية، ولا يمكن أن يعود الشخص إلى منزله ويجد وقد تحول إلى مجرد جدران وأرضية، "الآثار النفسية مدمرة" - تضيف.

وتنصح هذه الباحثة المتضررين من الصراع المسلح ماديًا أو بشريًا بالتواصل مع الاختصاصيين النفسيين للحديث إليهم والتعافي من الشعور بالغبن.

باحثة: الضرر الأكبر جاء من النهب والتدمير ما يتطلب تأسيس اقتصاد ما بعد الحرب

تقول إيمان حسن لـ"الترا سودان" إن النزاع المسلح في السودان "يفوق الوصف" ومفتوح على كل الاحتمالات، ذلك بجانب أعمال النهب التي طالت المنازل والمتاجر والممتلكات العامة في المدن التي اشتعل فيها النزاع المسلح، خاصة الخرطوم التي تضررت بشكل أكبر.

وتضيف: "الضرر الأكبر جاء من النهب والتدمير ما يتطلب تأسيس اقتصاد ما بعد الحرب بتسهيل حياة المواطنين الذين فقدوا كل ما يملكونه".