(فيسبوك)

صباح الخير يا وطني،

صباح المحبة والأمل،

صباح العلم والعمل،

صباح البنيان المرصوص والجسد الواحد.. هل أمسينا على خيبة؟ نعم، لكن الخيبات لا تمنعنا الحياة ولا تقتل الأمل، بل على العكس، الخيبة تريك مواضع ضعفك، وعندما تتجاوزها تظل ندبتها وسامًا وميدالية "عبور وانتصار" على حائط القلب.

التخلي عن الحياة، أو الاستسلام لليأس والخيبة الآن، لا يعني إلا خيانة شهدائنا، وتضييع حقهم في الحياة

نعم "سنعبر وسننتصر"، نحن السودانيون في كل بقاع الأرض، سنعبر بحر الجراحات والخيبات هذا، ونبارك ما تبقى من حياتنا بدماء الشهداء وابتساماتهم، لأنهم ثاروا لأجل حياة أفضل، لا لشيء آخر، تركوا هذه الحياة لحياة أكرم، دفعوا دماءهم وأحلامهم وأوجاع أمهاتهم وصبر آبائهم ثمنًا غاليًا لحياة وكرامة وحرية من ما زالوا يحملون من السودان لونه وهمَّه وحزن سمائه في ليلة الغدر.

اقرأ/ي أيضًا: التطبيع مرة أخرى.. الشق المدني يرمم الوعد الكاذب

ليلة الغدر: (ليلة التاسع والعشرين من رمضان، الثالث من حزيران/يونيو 2019، حين فُض اعتصام القيادة المبارك بوابل من الرصاص لم تخطئ رصاصة منه قلب سوداني مخلص واحد، فمن لم يجد في صدره أثر تلك الرصاصة ليس معنيًا بهذا المقال).

إن التخلي عن الحياة، أو الاستسلام لليأس والخيبة الآن، لا يعني إلا خيانة شهدائنا، وتضييع حقهم في الحياة، واسترخاص دمائهم.

ماذا نفعل؟ ما العمل؟ العمل الآن الأمل؛ نعم الأمل وضرب الهم بالفرح! يجب أن يضرب كل واحد فينا صدره بقوة ويزأر زئير أسد يدافع عن أشباله في معركة خسارته فيها لا تعني موته فحسب، بل تعني أن يشاهد أشباله يُمزَّقون إربًا وتُترَك أشلاؤهم للجوارح تتسلى بها وهو ملقًى بين الحياة والموت سابحًا في دمه وعذاب روحه المعلقة بين السماء والأرض.

على كل واحد فينا أن يوقظ المارد الذي كان في صدره يناير 2019، ذلك المارد الذي كان مستعدًا لتجريب كل الأسلحة السلمية، ذلك المارد الذي كان يكبر ويتغذى بالأمل في غدٍ أفضل.

هل نحن في معركة جديدة؟ هل هي ثورة جديدة؟ نعم هي معركة لن تكون الأخيرة، وهي ثورة جديدة، لكن هذه المرة ثورة العمل والأمل، ثورة ضد أن نبقى متفرجين وبلادنا تهدم، علينا الآن أن نثور ضد أنفسنا، ضد كسلنا وتراخينا ويأسنا وضد اكتئاب الشتاء اللعين.. على كل واحد فينا بعد أن "يَدُّق صدره" أن ينظر في ما "دقّه" لأجله، وأن يفعل ما يرى أنه يقيم العثرة، ويصلح المشية، مثلًا، أداء المهام بإتقان وكفاءة في كل وقت وحين، ومحاولة تيسير أمور الناس؛ من يعملون في شركات خاصة حاولوا إقناع العلاقات العامة بالعمل مع الفئات الأكثر فقرًا؛ الشاطر يدرس دروس مجانية لزملائه من الجيران، حملات نظافة في الأحياء، مخاطبة الجهات الرسمية والإلحاح حتى تقوم بواجباتها وتسَيِّر آلياتها لإصلاح أحوال أهل الحي، "النفير في الخير، العنده للما عنده، ونقسم النبقة والبلحة وأي حاجة"، نخلق مجموعات صغيرة داخل الأحياء لضمان الحياة الاجتماعية السوية، جيران وأصدقاء تحبهم ويحبونك، تخاف عليهم ويكرمونك، نحن بحاجة لأن نثور ضد عجلة الرأسمالية السريعة التي تدق عظامنا الآن، نحن بحاجة إلى العودة إلى السودانوية الطيبة، الحميمة، "محتاجين نعمل خميرة لبن لشاي الصباح، محتاجين نتلم في كسرة بموية، ومحتاجين نزرع شجرة طماطم في كل حوش، وحوض مولوخية.. إلخ" ببساطة بدل أن نرهن أنفسنا وحياتنا للسوق وجشع تجاره، وللساسة في سوق النخاسة، سنوقظ المارد السوداني الذي بين حنايانا لينهض بأعبائه الاجتماعية، ودوره الفاعل في خدمة مجتمعه، فإن لم يكن المجتمع المحيط به يناسب طموحاته، فهذا المارد بقليل من الأمل والصبر والعمل قادر على أن يخلق المجتمع الذي يريده.

وأبدأ بنفسك يا عزيزي، ويا صديقتي الحبيبة، نفسك أولًا، تنفس قدرًا كافيًا من الأكسجين، وخطط لحياتك، ورتب أدواتك، وقرر ودبِّر أمرك جيدًا، ثم أمور من يليك من أهلك، لا تحرم نفسك من بر والدة ولا والد، ولا تحرم نفسك ابتسامة في الطريق تمنحها لعابر سبيل أوهنه السفر، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو شق تمرة.. تراحموا وتحابوا وتحانَّوا فإنِّا في ضيق لن ينقضي إلا بسعة النفوس وسلامة القلوب.

ولا يمنعنّك من حسن الظن، وإخلاص العمل، وسعة الأمل من فرَّط فيها، فأصلح حال نفسك لتؤديَ أمانتك كاملة تجاه نفسك وتجاه التراب الغالي "الما ليه ثمن". ابتسم حتى لا تُدفن ابتسامة عبد العظيم، وقف حتى لا تضيع شجاعته، كن شهمًا حتى لا تموت شهامة محجوب، كن مبادرًا مخلصًا ثابتًا حتى لا تزيد حزن أم عباس وقصي، كن ملاكًا فلست أشد حزنا من الصادق وإيمان والدي عبد الرحمن، كن على قدر العزم والصبر ليلة الغدر حين فقدنا مطر وما جاءنا بعدها عيد.. كن أنت عيد كل شهيد، تخيل نفسك الطبيب الوحيد، فكن مضيئًا كبابكر.

نحن يا أحبائي لا نملك رفاهية اليأس، ولا وقت عندنا إلا للعمل، منذ سنة الأولى في الجامعة، وهذا عهد لو تعلمون بعيد، لم شيئًا أكثر نجاعة في إصلاح الحال وتقويم ما مال وترميم ما انكسر، مثل العمل بأمل.. حينها تعلمت القاعدة الأولى: "نصف متر"، وتعني إصلاح نفسك (أخلاقًا، علمًا، عملًا) ما استطعت إلى ذلك سبيلا، ومساعدة من يقفون من بُعد نصف متر منك، وقد مضى العمر، فرأيت العلماء والمفكرين وأهل الخير، ممن بدأوا بنصف المتر، يصلحون الميل والألف ميل، "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم"، "وإنما النصر صبر الساعة الأخيرة"، صدق الله ورسوله، وكل العمر ساعتنا الأخيرة.

سننتصر وحدنا، بأنفسنا، وصادق جهدنا، وكريم أخلاقنا، ودعوات أمهاتنا، وأحلام أطفالنا، وآمال آبائنا، وأوجاع هذا الطريق الطويل

نعم سنعبر وسننتصر، وحدنا، بأنفسنا، وصادق جهدنا، وكريم أخلاقنا، ودعوات أمهاتنا، وأحلام أطفالنا، وآمال آبائنا، وأوجاع هذا الطريق الطويل، وسنفخر دائمًا بشهدائنا وندوب قلوبنا، فلولاهم ما عبرنا، ولولاها ما عرفنا أنَّنا انتصرنا.

هذا المقال بدأ بصباح الخير يا وطني، لأن كل ليل لا بدّ أن يعقبه صباح، وسيأتي صباح بلادنا جميلًا عامرًا بالخير والمحبة "واصف للناس الطريقة وللعصافير الجهات، ضاحك، منتصر، عنيد، آمل، مزدهر، وجديد" تمامًا كالبنت الحديقة بصوت مصطفى سيد أحمد، حين يهدي محبٌّ حبيبته أغنية للوطن.

اقرأ/ي أيضًا

الفشقة السودانية.. أطماع الجارة وألاعيبها السياسية

حميدتي.. وسياسة المنّ والأذى!