التطبيع مرة أخرى.. الشق المدني يرمم الوعد الكاذب

التطبيع مرة أخرى.. الشق المدني يرمم الوعد الكاذب

حمدوك، نتنياهو والبرهان

أعاد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، مرةً أخرى، الحياة لوعد الحكومة الذي قطعته قبل أشهر، بأن البت في أمر التطبيع ليس من صلاحيات الجهاز التنفيذي، وأعاد حمدوك إلى الواجهة هذا الادعاء الذي ادعته الحكومة في شقها المدني قبيل أشهر، حينما صرّح بالأمس في المؤتمر الصحفي بمناسبة إعلان التشكيل الوزاري الجديد في الحكومة الانتقالية، أن التطبيع ليس بيد الجهاز التنفيذي وإنما هو في يد المجلس التشريعي، الذي ما زالت حتى ملامحه في ظهراني الغيب.

جاء تصريح حمدوك شبه الحيادي في مؤتمر إعلان التشكيل الجديد، مكملًا للموقف الذي أعلنته القمة الإفريقية الأخيرة

وجاء تصريح حمدوك، شبه الحيادي، مكملًا للموقف الذي أعلنته القمة الإفريقية الأخيرة والقاضي بإنهاء جميع أشكال التعامل مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ/ي أيضًا: الفشقة السودانية.. أطماع الجارة وألاعيبها السياسية

يقول حمدوك، إن قرار المجلس التشريعي بخصوص التطبيع سيكون ملزمًا لكل الأطراف، في إشارة إلى الانقسام في الموقف من التطبيع ما بين مكونات الحكومة الحالية، الشق المدني والعسكري، والذي كانت مواقف الشق المدني فيه معارضة بشكلٍ كبير لعمليات التطبيع مع إسرائيل، وبتصريح حمدوك الذي يشير إلى انقسام الموقف الرسمي للحكومة، نصبح على أعتاب حالة من الشد والجذب بين مكونات الحكومة الحالية.

أمر آخر دفع بملف التطبيع والعلاقة مع الكيان الإسرائيلي إلى الواجهة مرة أخرى، وهو الجدل الذي استبق الكشف الرسمي عن تولي حقيبة وزارة الخارجية لمرشحة حزب الأمة القومي مريم الصادق، والتي عُرفت مواقف حزبها بأنها من أشد المواقف رفضًا لأي شكلٍ من أشكال التعامل مع إسرائيل، إلا أن الأقاويل ترددت حول أن حمدوك قد ألزم المختارين لشغل الجهاز التنفيذي في الوزارات بتنفيذ برنامج الحكومة المتفق عليه، ورغم ذلك يطرأ السؤال: إلى أي مدى ستكون وزيرة الخارجية متعاونة في تنفيذ برنامج الحكومة الذي لا تبدو توجهاته متماشية مع توجهات حزبها، وليس تجاه قضية خلافية عادية؛ بل مع أحد المرتكزات الفكرية للحزب، والتي أهرق فيها زعيمه الراحل مداد قلمه حتى في أواخر أيام حياته؟

اقرأ/ي أيضًا: قوى التهافت على المناصب!

هناك احتمال آخر يفسر وقوف المدنيين على مسافة من ساحة جدل التطبيع في السودان، وهو أن أمر العلاقة مع إسرائيل برمته ليس بيد الشق المدني ذو الاختصاص بهكذا شأن، وإنما في يد المكون العسكري، ممثلًا في رئيس مجلس السيادة، عبدالفتاح البرهان، والأعضاء العسكريون في المجلس السيادي، ووزارة الدفاع، والتي التقى وزير الأخيرة فيها وفدًا رفيع المستوى في الخرطوم خواتيم كانون الثاني/ يناير المنصرم، موفد على رأسه وزير المخابرات الإسرائيلية، والذي قابل أيضًا رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان في تلك الزيارة للخرطوم.

يأبى الشق المدني تصدير موقف واضح ومتماسك من طبيعة العلاقة مع إسرائيل للرأي العام، ويحاول التملص منها

وبينما يأبى الشق المدني تصدير موقف واضح ومتماسك من طبيعة العلاقة مع إسرائيل للرأي العام، ويحاول التملص منها، يبدو أن الشق العسكري في الحكومة المدنية؛ ماضٍ في تبني موقف إيجابي في العلاقة مع إسرائيل، طامحًا بالعلاقات مع دولة الاحتلال أن يقايض سيرة الانقلابات التاريخية، وجرائر فض الاعتصام التي تتهمه بها جهات واسعة، مقايضًا ذلك برفاهٍ متمنى من العلاقة مع الدولة الصهيونية التي تسوق نفسها عالميًا على أنها باب من أبواب النعيم تنفتح على الشعوب.

تصريحات الشق العسكري من قضية التطبيع، في كل مستوياته في الحكومة، تؤكد مضي العسكري في التطبيع، فضلًا على الممارسات على أرض الواقع، كما يؤكد مصدر عسكري في حديث سابق لـ"الترا سودان"، أن الأمر ليس بيد المجلس التشريعي، وإنما منذ أن تم توقيع "اتفاق أبراهام"، أضحى الأمر بيد الجهاز التنفيذي.

اقرأ/ي أيضًا: إسرائيل والسودان.. قصف جوي وعداء شعبي

السؤال الذي يطرح نفسه بشكل واضح، لماذا لا يريد الشق المدني أن يصعد من المواجهة مع التيارات الداعمة للتطبيع؟ سواءً داخله أو خارجه. فمن المفترض أنه بالأمس قد التأم اجتماع للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ليناقش ضمن ما يناقش مسألة العلاقة مع إسرائيل التي يتناوشها تيار الموافقة والممانعة، فهل يخشى الشق الممانع للتطبيع إغضاب الجانب العسكري الذي يمضي في عملية التطبيع من أجل تصوير نفسه جالب للرخاء في نظر الشعب السوداني؟

حمدوك وعد عدة مرات بعدم التطبيع إلا امتثالًا إلى المجلس التشريعي

سؤال أخير؛ مُررت صفقة التطبيع مع إسرائيل بذريعة ربط الخطوة برفع السودان من قائمة أمريكا للدول راعية الإرهاب، وتقبلت أوساط شعبية ذلك متناسية أو متغافلة عن وعد حمدوك نفسه بعدم التطبيع إلا امتثالًا إلى المجلس التشريعي، فهل حانت الفرصة مرة أخرى للحكومة المدنية، لترمم صورة الذي يطلق الوعود ثم يخلفها، هل يمضي الشق المدني في ذلك؟

اقرأ/ي أيضًا

تطبيع السودان أم الدعم السريع؟

وقاحة مبدأ المساعدات مقابل التطبيع