فيلم

فيلم "مغامرة ذاتية".. العودة لحياة أكثر إنسانية

(Soul 2020)

على مر السنوات العشر الماضية، صنعت الشراكة بين المخرج، بيت دكتر، وشركة بيكسار، شريحة عريضة ومختلفة من المتابعين للرسوم المتحركة، فبعد أفلام مثل (خلطة بيطة بالصلصة Ratatouille) في العام 2007، وفيلم (فوق Up) للعام 2009، وغيرها، أصبح الملايين من الكبار والصغار حول العالم ينتظرون افلام الرسوم المتحركة لبيكسار.

يمثل فيلم  "Soul" نقلة جديدة في أفلام بيكسار

لكن فيلم (مغامرة ذاتية Soul) للعام 2020، شهد نقلة جديدة في أفلام بيكسار التي  أطلت علينا بجيمي فوكس كأول أمريكي من أصول إفريقية بدور بطولة بعد سنوات وسنوات من القوالب العنصرية التي وضع فيها ذوي البشرة السوداء داخل أفلام الرسوم المتحركة في أدوار أخرى فهم إما أشرار مثل فيلم (دمبو Dumbo)، أو عمال في المنازل مثل شخصية "مامي" من أداء هاني ماكدانيال في سلسلة توم وجيري، والتي نادرًا ما ظهر وجهها، هذا طبعًا بخلاف التهميش الذي استمر حتى إنتاج هذا الفيلم. 

اقرأ/ي أيضًا: منحة "ملكة الدار".. تثوير الواقع لصالح المساواة

وفيلم "مغامرة ذاتية" هو فيلم رسوم متحركة درامي في قالب كوميدي. وهو من إنتاج شركة بيكسار للرسوم المتحركة 2020، من كتابة وإخراج مشترك لكلٍ من بيت دكتر وكيمب باورز. وبطولة: جيمي فوكس، تينا فاي، غراهام نورتون، وريتشل هاوس. 

 القصة 

 يتناول الفيلم قصة جو غاردنر، من أداء جيمي فوكس، حيث يلعب دور معلم موسيقى في مدرسة إعدادية، شغوف بموسيقى الجاز، والذي يمضي به العمر حيث بلغ (46) عامًا وهو ما زال في انتظار فرصته الكبرى ليصبح عازف  جاز محترف، وعندما تأتيه أخيرًا هذه الفرصة للعزف مع دورثيا ويليامز إحدى أهم نجوم الجاز في مدينة نيويورك، بخطوة صغيرة خاطئة يفقد جسده. لنجد جو يهرب من موته ويكافح في عالم الأرواح للعودة للأرض، إلى جسده وإلى فرصته الكبرى، خلال هذا الكفاح الفريد من نوعه يصادف جو "الروح 22" من أداء "تينا فاي" في دور روح طفلة لم تولد بعد. ترفض هذه الروح الحياة على الأرض لأنها مليئة بالمعاناة والملل. أخيرًا يتفقان على مساعدة بعضهما البعض حتى يعود جو لحياته وتذهب الروح 22، متخطية مرحلة الحياة على الأرض لتبدأ بينهما مغامرة حافلة بالأحداث.

كسر الصورة النمطية

وأشار مخرجا الفيلم إلى أنهم كانوا بصدد جعل شخصية جو غاردنر بدور عالِم، إلا أنهم عدلوا عن هذا الرأي وجعلوه موسيقيًا لأنهم أرادوا شخصية يمكن أن يشجعها الجمهور ويرتبط بها، وما أن استقروا على موسيقى الجاز حتى بدأوا في تصميم رسومات شخصية من أصول إفريقية اعتبارًا للصلة الوثيقة بين موسيقى الجاز والأميركيين من أصول إفريقية.

كانت بيكسار مدركة لتاريخ الصور العنصرية في الرسوم المتحركة، وشرعت في إنشاء شخصيات ذات لون أسود واضح مع تجنب الصور النمطية في الرسوم المتحركة القديمة. واعترافًا بهذا الجهد صرح المخرج في مقابلة مع مجلة  (Digital Trends) الإلكترونية، بأن هناك تاريخ طويل ومؤلم من الرسوم الكاريكاتورية لتصاميم عنصرية تم استخدامها للسخرية من الأمريكيين الأفارقة. ووفقًا لكيمب باورز استخدم رسامو الرسوم المتحركة الإضاءة كوسيلة لتسليط الضوء على التنوع العرقي في العالم الحقيقي، وسعت بيكسار لالتقاط التفاصيل الدقيقة لهذه الشخصيات، بما في ذلك نسيج الشعر الأسود والطريقة التي يلعب بها الضوء على الدرجات المختلفة للبشرة السوداء. 

ويذكر صُناع الفيلم أن خلف هذا النقل الأمين للثقافة الأفروأمريكية التي تتجسد في صورة جو غاردنر وعائلته، شوارع نيويورك، نادي الجاز ومحل الحلاقة، وتكريم عدد من رموز موسيقى الجاز الذين ظهرت صورهم وأسماؤهم خلال الفيلم إلى جانب عدد كبير من الفنانين في مجالات مختلفة من أصول إفريقية، كل هذا حدث ويحدث خلال تغييرات كبيرة تحدث في المجتمع الأمريكي بعد مقتل جورج فلويد، وتصاعد حركة "حياة السود مهمة".

أثناء مشاهدتي للفيلم تذكرت قصيدة لانغستون هيوز "أنا أيضًا أتغنى بأمريكا":

أنا أيضا أتغنى بأمريكا، أنا الأخ الأسود 

يرسلونني لآكل في المطبخ حين يأتي الرفاق

غير أني أضحك وآكل ملء بطني ويشتد عودي 

غدًا حين يأتي الرفاق سأجلس على المائدة 

ولن يجرؤ أحد حينئذٍ أن يقول لي "كل في المطبخ" 

بل سيرون كم أنا جميل وسيشعرون بالخزي 

أنا أيضًا أمريكا..

ويعرض الفيلم خلال جائحة كورونا التي  حصدت  أرواح أكثر من مليون إنسان وما تزال تنشر الرعب بين الأحياء الذين ينتظرون بفارغ الصبر عودة الحياة إلى طبيعتها بعد ما يقارب العام من التباعد الاجتماعي والاحترازات الصحية. لكن إلى أي حياة نعود؟ خلال الحظر الكامل في نيسان/أبريل الماضي، ورغم القلق والرعب من فيروس، أخذت الحياة تمضي بإيقاع أبطأ وأكثر إنسانية .الحياة التي نعيش والحياة التي تمر بنا ونحن مشغولون بالاحترازات الصحية، هذا بعض ما يلفت نظرنا إليه فيلم Soul.

اقرأ/ي أيضًا: "اصنع فرقًا بكتاب".. 10 آلاف كتاب تعيد الحياة لمدن دارفور

إن مشاهدة فيلم بعين طفل أو قراءة  كتاب يرويه طفل يكون له متعة خاصة، لأن للأطفال عين كبيرة وإيقاع مختلف، لذلك تلفت أعمال مثل هذه نظرك إلى السماء، الأشجار، مقابض الأبواب، ووجوه الناس. إنها بهجة لا تنقطع يصنعونها فقط بمشاهدة العالم من حولهم. أداء تينا فاي للروح 22، يُذكر بالأمير الصغير في رواية أنطوان دو سانت، من حيث الانتقال شديد السلاسة بين العواطف المختلفة لروح لم تولد بعد. كان عملًا أكثر من جيد لوداع 2020.

زادت إيرادات الفيلم عن (117) مليون دولار وحصد العديد من الجوائز

ومنذ إصدار الفيلم في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي وهو يحصد الإيرادات على شباك التذاكر، والتي زادت عن (117) مليون دولار. وعلى صعيد الجوائز؛ فاز الفيلم بجائزتي أحسن فيلم رسوم متحركة وأحسن موسيقى تصويرية في حفل جوائز الغولدن غلوب في نسخته الـ(78)، وأيضا فاز الفيلم بجائزة أحسن فيلم رسوم متحركة في حفل جوائز الأكاديمية البريطانية للأفلام "جوائز بافتا"، والذي أقيم الأسبوع الماضي العاصمة البريطانية لندن، حيث أقيم الحفل وفقًا للاحترازات الصحية التي اشترطتها جائحة كورونا، حيث شارك الفائزون بمقاطع قصيرة عبر الإنترنت. 

وتم ترشيح الفيلم أيضًا لجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة وأحسن موسيقى تصويرية في جوائز الأكاديمية "الأوسكار"، والتي من المقرر إعلانها في الخامس والعشرين من الشهر الجاري.

اقرأ/ي أيضًا

معرض الثورة الأول.. رسالة أمل باللون والموسيقى

المرأة في الدراما السودانية.. الأمل في الحرية