فرصة حمدوك التاريخية لقيادة تحول ديمقراطي راسخ

فرصة حمدوك التاريخية لقيادة تحول ديمقراطي راسخ

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك (Getty)

قبل سنوات وبعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوجيه الاتهام للرئيس المخلوع وقيادات نظامه بارتكاب جرائم حرب بدارفور، ومطالبته تسليم نفسه، عقد لقاءً بمباني جهاز الأمن جمع مدير الجهاز وقتها الفريق صلاح قوش -المطلوب حاليًا في بلاغات جنائية تتعلق بقتل المتظاهرين في ثورة كانون الأول/ديسمبر وواقعة اغتيال الشهيد علي فضل- بقيادات سياسية معارضة وإعلامية، وفي ذلك اللقاء هدد قوش بتقطيع أوصال المؤيدين لتسليم البشير للمحكمة الجنائية.

مدير الأمن السابق صلاح قوش قال للمعارضين إنه يستند إلى منهج وتراث ديني يبيح تعذيب الخارجين على الدولة

وحينما شن المعارضون والإعلاميون هجومًا على ممارسات التعذيب وعلى أسلوبه في الحديث معهم، فاجأهم بأن تأصيلًا دينيًا يستندون إليه يبيح لهم تعذيب الخوارج والمارقين على الدولة، مستشهدًا بحقبة الحجاج بن يوسف الثقفي، ومشيرًا إلى أن تلك الحقبة من ضمن تراث الدولة الإسلامية وقد ساهم ذلك البطش في ازدهار الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: وحدة تنفيذ السدود تستغني عن 58 عاملأ.. ما السبب؟

ما استدعى هذه الواقعة هو ردة فعل المتهمين في قضية شهيد العلم والثورة أحمد الخير الذين رددوا عقب نطق قاضي المحكمة الموقرة مولانا الصادق عبد الرحمن الفكي بالحكم في مواجهتهم أنهم وحوش ولا يخافون الموت وأنهم حراس الإسلام.. وهي صرخة بقدر ما تكشف عن طبيعة ما زرع من أوهام في رؤوسهم، فهي توضح طبيعة نظرتهم لما يقومون به من أعمال حتى وإن خالفت الفطرة السوية وتعاليم الأديان وعادات وتقاليد مجتمعهم جملةً وتفصيلًا، وذلك مرتقى وعر في غسل الأدمغة.

وتصلح هذه الواقعة وغيرها من وقائع عنف الدولة والقمع المنهجي لعقود ثلاثة استبيحت فيها كرامة وإنسانية السودانيين في كل أنحاء البلاد، ووصلت في بعضها لحد الاتهام بجرائم الحروب، كمدخل لأهمية ووجوب إطلاق مشروع وطني للإصلاح المؤسسي والهيكلي للمنظومة الأمنية والشرطية، جراء ما تعرضت له من تسخير وتسييس، حاد بها ليس فقط عن طبيعة مهامها، إنما فرض عليها تحولًا لتخلط بين طبيعتها المدنية كأجهزة مهمتها حماية أمن المواطن والسهر عليه، في مواجهة مختلف الأخطار والمهددات الطبيعية والبيئية والكوارث والعدوان، لاعتبار المواطن نفسه العدو في كثير من الأحيان، واعتبار تعبيره السلمي بمثابة حرب موجهة ضد الدولة، تستوجب أعلى درجات القمع والردع بلا ضابط أو رابط، والتربص به واستخدام وسائل البطش في مواجهته، حفاظًا على الدولة مثلما شهدنا في ثورة كانون الأول/ديسمبر وانتفاضة أيلول/سبتمبر من قبل، وغيرها من الهبات السلمية من انتهاكات مروعة.

إن عملية الإصلاح هذه لا تقبل التأجيل، فما يعتمل من حالة غضب اجتماعي وشعبي واسع النطاق بسبب الجرائم التي وقعت قبل وخلال الثورة من ناحية، ونوازع الانتقام والحقد جراء سقوط الدولة من قبل بعض منسوبي هذه الأجهزة من ناحية أخرى، يحتم الشروع فيها فورًا، ولا بد أن تقودها الدولة ممثلةً في أعلى سلطاتها التنفيذية في رئاسة مجلس الوزراء، وهي تتطلب لنجاحها إرادةً سياسيةً واقتناعًا من الحكومة بكامل مكوناتها مدنيةً وعسكرية، بأهمية هذه الخطوة لتحقيق السلام الاجتماعي وفتح الباب لتحول كامل وآمن نحو الديمقراطية، وبدعم وإسناد شعبي ضخم.

اقرأ/ي أيضًا: قانون مقترح للشرطة يعزز سلطات وزير الداخلية.. التفاصيل الكاملة!

هذه العملية ستتحقق بسلاسة إذا تحلت الحكومة الانتقالية بالإرادة السياسية الكافية، وبالاستعداد للاعتراف والإقرار من ممثلي المكونات العسكرية بالحكومة بأن ما وقع خلال سنوات النظام البائد من انتهاكات مروعة لا يمكن نكرانها، ولا تخطيها إلا بتفكيك البنية القانونية والمؤسسية التي أنتجتها وشرعت لوجودها، وفتح الباب لعملية المحاسبة وكشف الحقائق حول خفايا الجرائم، وعدم السماح لهذه الأجهزة بمساندة المتورطين في الجرائم بالحيلولة دون مثولهم أمام العدالة.

عملية الإصلاح ضخمة وتتطلب رؤية شاملة للدولة وعملًا كبيرًا لتغيير العقليات لدي منسوبي هذه الجهات

وعملية إصلاح الأجهزة الشرطية والأمنية عملية ضخمة وتتطلب رؤية شاملة، واتخاذ تدابير عديدة منها؛

  • إعادة كافة المفصولين تعسفيًا وللصالح العام للعمل بالأجهزة الشرطية، وانتخاب مجموعة منهم للعمل بجهاز الأمن وفق رتبهم التي يستحقونها، بما يضمن عودتهم في مراتب قيادية، وبعد إخضاعهم لدورات وتأهيل في مجالات حقوق الإنسان، لقيادة هذا العمل داخل مؤسساتهم التي سيلتحقون بها ولنقل ما اكتسبوه.
  • إجراء فحص شامل وإبعاد كل المتورطين في أفعال مخالفة لقوانين هذه المؤسسات وإجراءاتها ولوائحها، وفق تدقيق على قواعد المراجعة والمحاسبة الداخلية، والإجراءات المتخذة بهذا الشأن في قضايا إدارية ومالية وفي انتهاكات حقوق الإنسان.
  • قفل الباب أمام تولي المتورطين في التخطيط والتنفيذ للجرائم في فترة قيادتهم لهذه الأجهزة لمناصب قيادية في أجهزة ومؤسسات الدولة أو الانخراط في العمل السياسي والحزبي.
  • إجراء عملية إعادة هيكلة للمؤسسات الشرطية والأمنية وإعادة تنظيم وتغيير القوانين وقواعد الضبط والربط والمحاسبة.
  • فتح أبواب التوظيف لخريجين جامعيين، واستيعاب شباب من مختلف أنحاء السودان، فبخلاف ما ستضيفه هذه العناصر من روح جديدة مع العناصر القيادية التي سيتم تعيينها، يوفر هذا التنوع خطوة ضرورية لاستعادة قومية هذه المؤسسات، والنأي بها عن شبهات العرق والقبيلة واستهداف الآخرين انطلاقا من هذا الترميز.
  • إطلاق برنامج تدريب شامل وطني بمساعدة جهات ذات خبرة دولية من المنظمات العاملة في مجالات بناء القدرات الشرطية والأمنية وحقوق الإنسان لرفع القدرات وترسيخ المفاهيم.
  • رفع القدرات البشرية في مجالات المهارات الإدارية والعملية ومجالات التنظيم الإداري واللغات، لتوسيع نطاق الاستفادة من كوادر هذه الأجهزة وإخراج أكبر قدر منهم من العمل الميداني.
  • خلق جهاز داخلي شفاف بسلطات عدلية للمراقبة والمحاسبة والبت في شكاوي العاملين بالخدمة والمواطنين، وامتلاك سلطة اتخاذ القرارات مع خلق آلية عدلية للاستئنافات.. وإعلان نتائج أعمالها للمتضررين والرأي العام بعد الفصل النهائي في الشكاوي، وذلك الإجراء يلعب دورًا مهمًا في استعادة الثقة بين المواطن وهذه الأجهزة واستعادتها لضوابط القانون.

اقرأ/ي أيضًا: تظاهر جامعيّات بالخرطوم: نتعرّض لحوادث ضرب وسرقة!

هناك تجارب كبيرة للدول التي خرجت من عهود الصراع والقمع طويلة العمر في مجال إعادة بناء وتأهيل الأجهزة الأمنية والشرطية، وإعادتها لجادة وقيم الدولة المدنية القائمة على سيادة حكم القانون ومبادئ حقوق الإنسان وقواعد الديمقراطية، وهي معركة ضخمة تستلزم عملًا شاقًا لتغيير العقليات التي تسيطر على هذه الأجهزة، والتي تربت لعقود على عقلية القوة وسلطة البطش وتجاوز القوانين.

وأكبر الصعوبات والمهددات التي تواجه هذا التحول هو المقاومة الداخلية للتغيير من هذه الفئات القيادية، لخوفهم وإحساسهم بزوال السلطة والسيطرة التي وفرت لهم أمانًا لعقود من تحمل مسئولية مخالفة النظم والقواعد وعواقب انتهاك حقوق المواطنين، حيث تلعب هذه الفئة دورًا في تأليب الفئات الأقل ضد التغيير والاستهتار به وإشاعة جو من التخويف والتشكيك حول دوافعه، وفي كونه موجهًا واستهدافًا لطبيعة هذه الأجهزة، وبغرض جرجرة مسئوليها للمحاكم، وبالتالي يرفضون أي شكل من أشكال الرقابة الداخلية والخارجية عليه.

لذلك فإن أي عملية تغيير في المراحل الأولى ينبغي أن تبنى بالتدريج بإبعاد قيادات الصف الأول والثاني ممن كانوا جزءً من دوائر اتخاذ وصناعة القرار خلال سنوات البطش والاستبداد، وإنهاء سيطرتهم وملاحقة المتورطين منهم، وتقديم قيادات شابة لم تتلوث بالجرائم، ولم تغرق في الفساد وتتصف بالنزاهة والصلابة من داخل هذه الأجهزة، ويمكن التوصل اليها عبر عملية تدقيق داخلي تقوم بها الجهة المفوضة من رئاسة الوزراء مع خبرات وطنية في مجالات العمل الأمني والشرطي، حيث أن فرض أي وافد جديد بدون إسناد داخلي، من شأنه أن يدمر هذه العملية في مهدها، لذلك لا بد من المزاوجة بين وجود قيادات من القدامى بجانب قادة جدد يؤمنون بأهمية التغيير، وبغير التأسيس لعملية الإصلاح هذه فإن استيعاب قادمين جدد للعمل بهذه الأجهزة لن تكون لها قيمة، وبدلًا من التأثير عليها، سيجدون أنفسهم جزءً من تراث متطاول ومن المتأثرين به، كما أن تبعيتها لأجهزة أخرى بدون إجراء عملية الإصلاح هذه، لن تجدي نفعًا وسينتقل أثر هذا التراث المتطاول من القمع وإهدار الحقوق ليطل برأسه من هذه الأجهزة عاجلًا أم آجلًا.

اقرأ/ي أيضًا: قرار وشيك بتحويل "الرباط" إلى جامعة خاصة وإقالة عشميق من إدارتها

لا بد من الخروج عن وضعية التعامي عن مستقبل هذه الأجهزة، لارتباط مصير عبور البلاد للديمقراطية بمعالجة أوضاعها، وهناك ثلاث طرق للتعامل؛

  • الأولى: هي تفكيكها وحلها وهذه تحدث في حالات الانتصار الشامل والحاسم للثورة، واستلامها لجهاز الدولة بالكامل وفرضها لشروطها، وهي لا تنطبق على معادلتنا الراهنة لكونها اصبحت جزءً من عملية الانتقال، هي والقوات النظامية المختلفة وصارت من ضمن المشتملات المنصوص عليها بالوثيقة الدستورية القائمة.
  • الثانية: الابقاء عليها كما هي والقبول بتغييرات شكلية تقوم بها قيادتها استنادًا للتفسيرات الخاطئة للوثيقة الدستورية، التي حاولت تحصينها وابعادها من رياح التغيير الديمقراطي "رغم ذلك فقد تركت ثغرات قانونية كافية لدحض هذا التصور".
  • الثالثة: تبني مشروع وطني لإصلاحها وردها لمفاهيم دولة العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وهي مهمة عسيرة وفي غاية التعقيد وتتطلب رؤية شاملة وإسناد شعبي وتفاهم سياسي بين مكونات السلطة وإيمان بأهميتها.

أمام رئيس الوزراء فرصةً تاريخيةً لقيادة التحول ومن المهم هنا تجديد التأكيد على امتلاكه كامل السلطات لقيادة عملية الإصلاح هذه بموجب قوانين هذه الأجهزة الأمنية

إن أمام رئيس الوزراء فرصةً تاريخيةً لقيادة التحول ومن المهم هنا تجديد التأكيد على امتلاكه كامل السلطات لقيادة عملية الإصلاح هذه بموجب قوانين هذه الأجهزة التي ما تزال سارية، ولا تتعارض مع الوثيقة الدستورية، وبالدعم الجماهيري والشعبي غير المسبوق الذي يوفر له السند الذي يمكنه من القيام بهذه الخطوة الجبارة.

وفي تقديري إن عليه أن يدير حوارًا مع مشاركيه في الحكم من ممثلي هذه الأجهزة، لوضع أساس نظري للبناء عليه والدفع به في إطار محادثات السلام، لا سيما وأن هذه القضية ستكون من ضمن قضايا الترتيبات الأمنية، وستبرز نتائج أفعالها لسنوات ضمن قضايا العدالة الانتقالية ومهام مفوضيتها التي سيتم تشكيلها، ومن المهم إعداد تصور واضح ومتوافق عليه حولها يمثل رؤية الحكومة الانتقالية، فمن الواضح أن الناس لن يستطيعوا تخطي فظائع العهد البائد بغير تغيير حقيقي وجذري ينهي ظلامات الماضي، ويحاسب عليها ويعاد بناء هذه الأجهزة بما يضمن التزامها بشكل نهائي وحاسم تجاه قيم الديمقراطية وحقوق الانسان ومبادئ العدالة.

 

اقرأ/ي أيضًا

الواثق البرير.. والديمقراطية "الحرون"

في عيدها الأول.. لماذا تنتصر ثورة السودان؟