فتيات التدريب المهني.. من عراقيل المجتمع إلى الحاجة لإثبات الذات

فتيات التدريب المهني.. من عراقيل المجتمع إلى الحاجة لإثبات الذات

التدريب المهني (ألترا سودان)

يشهد السودان مرحلة جديدة من البناء تتمثل في تنزيل مبادئ الدولة المدنية إلى أرض الواقع، في العهد الجديد تسعى المرأة لنيل حقوقها بمختلف السبل، طرقت أبواب ظلت لأعوام طويلة حصرًا على الذكور. أثبتت جدارتها ومقدرتها على العطاء. في التقرير التالي نستعرض نماذج من الفتيات اللاتي تدربن في مجال التدريب المهني والصعوبات التي اعترضت طريقهن.

حكاية إيمان.. لا شيء يجعل الأحلام مستحيلة

إيمان (23) عامًا، أكملت المرحلة الثانوية ولم تساعدها الظروف للالتحاق بالجامعة، عانت العائلة من ظروف مادية دفعت بوالدة إيمان للعمل، من جانبها، خرجت للبحث عن فرص عمل لمساعدة الأم وهي البنت الكبرى. 

إيمان تعلمت مبادئ الهندسة والرسم الفني، تعرضت لانتقاد لدخولها مجال التدريب المهني وتمكنت من النجاح

كانت إيمان تبحث عن حرفة دائمة تمتهنها، وطرقت باب التدريب المهني الذي خصص للذكور فقط. لم تيأس، وواصلت البحث عن طريق المنظمات والجهات الداعمة للنساء، ووجدت ما خرجت لأجله بعد عناءٍ طويل.

اقرأ/ي أيضًا: التداخلات الدوائية ومخاطرها الصحية

خلال ثلاثة أشهر من الدراسة المتواصلة تعلمت إيمان مبادئ الهندسة والرسم الفني، درست الكهرباء واللحام وتصميم الديكور الداخلي والبناء وخلط الألوان. مع ذلك، فضلت تأجيل العمل وكسب الرزق لإتقان العمل والتخصص في الدراسة عبر الكورسات والفصول الدراسية. قالت في حديثٍ مع "ألترا سودان"، إنها ترغب بالتخصص في مجال (البوهية) وتتهيأ للدراسة في مقبل الأيام لإتقان العمل بدلًا من البحث عن حلول مؤقتة.

 

 



لا تتوقف طموحات إيمان عند هذا القدر، هي تسعى جاهدة مع مجموعة من الفتيات لإنشاء ورشة خاصة بالرسم الفني، لتكوين مشروع تجاري خاص بهن، يساعدهن على مجابهة مصاعب الحياة والاعتماد على أنفسهن.

درست إيمان على أيدي رجال متخصصين في التدريب المهني، المعهد كان خليط من الأولاد والبنات مع الفصل التام في مقاعد الدراسة. عانت مثل بنات جيلها من تهكم وسخرية الأولاد الذكور، لكن، المعلمين كانوا يقدمون لهن الدعم الكافي ويشيدون بقدراتهن الأكاديمية عند التطبيق العملي للدراسة النظرية.

عانت إيمان من مشكلة البدايات في الدراسة لأنها مهنة ظلت محصورة على الذكور، تعرضت لانتقادات المجتمع والناس من حولها الذين تساءلوا باستغراب عن إمكانية عمل فتاة في مجال اللحام والكهرباء. مع مرور الزمن تعودت إيمان على تقبل النقد وعدم الاكتراث بالأقاويل التي تسعى للنيل من طموحها الكبير.

أثناء العمل، ترتدي إيمان البنطال والقميص ذو الأكمام الطويلة، تقول "ألبس ما يساعدني على العمل، مع الحفاظ على ستر الجسد كاملًا وتغطية شعر الرأس" 

وأشادت إيمان بتجربة والدتها في الخروج للعمل وتحمل المسؤولية كاملة، وأكدت أن المساواة بين المرأة والرجل غير مستحيلة في حال توفرت التوعية في المجتمع.

عقبات في طريق الزينة.. وإصرار على الوصول

لا تختلف قصة الزينة ذات الثلاثين عامًا عن إيمان وفتيات التدريب المهني من حيث الكفاح المستمر والرغبة في العمل. 

بعد نيلها للشهادة الثانوية تزوجت دون أن تكمل الدراسة الجامعية، تؤكد قائلة "في حال تحصلت على عمل ثابت وراتب شهري سأعود لأكمل الدراسة في قاعات الجامعة".

اقرأ/ي أيضًا: دخلوا أحياء وخرجوا موتى.. كوفيد-19 يلحق أضرارًا بالغًة بمستشفيات الخرطوم

لم تكن فترة الدراسة بذات سهولة الأمنيات بالنسبة للزينة، حيث استنكر المعلم وجود فتيات للدراسة في هذا المجال، بعد عدة أسابيع أقر المعلم بخطئه في حق الزينة وبقية الطالبات، وأشاد بالمجهودات العظيمة التي يقدمنها، تعرضت لتساؤلات المجتمع على شاكلة "كيف لفتاة أن تنزل تحت السيارة؟ كيف تستطيع رفع المكنات ولبس الأبرول؟"، وتجيب الزينة أن القائلين بهذا يجهلون أبجديات العمل، لأن تطور العلم ساعد في صناعة آلات حديثة توضع فيها السيارات وترفع بها المكنات الثقيلة.

طرقت الزينة باب رب العمل الأول، اعتذر عن القبول لأنها أنثى وأخطرها بعدم قدرته على تقبل نظرة المجتمع لفتاة تعمل في مجال السيارات

تخصصت الزينة في مجال كهرباء السيارات، ومرت في مسيرتها المهنية بالعديد من العراقيل والمعوقات التي زادتها قوة وإصرارًا في المضي قدمًا نحو النجاح. حين طرقت الزينة باب رب العمل الأول، اعتذر عن القبول لأنها أنثى وأخطرها بعدم قدرته على تقبل نظرة المجتمع لفتاة تعمل في مجال السيارات. وعلى هذا النحو جاء رد رب العمل الثاني. 

 

 



بعد عناء، وجدت الزينة من يفتخر بكونها امرأة تؤدي هذا العمل الشاق على الرغم من معارضة بعض العاملين الذكور. استمرت في العمل إلى حين وفاة صاحب العمل وإغلاق المحل. 

تساءلت الزينة عما يجعل عمل المرأة في مجال كهرباء السيارات غير مقبول مجتمعيًا وهناك بعض الرجال يؤدون أعمال تعتبر مجتمعيًا خاصة بالإناث، مثل تحضير الشاي و"الزلابية"، ويعملون داخل المطابخ؟ وقالت: "إذا كان الرجل قادر على أداء هذه المهام، ما الذي يمنع المرأة من العمل في مجال الميكانيكا وإصلاح السيارات؟"، سؤال طرحته الزينة على الرافضين لعمل المرأة في المجالات المختلفة. 

تسعى الزينة لفتح مشروع خاص متمثل في ورشة زيوت ومغسلة مع إمكانية توافر إسبيرات السيارات في المستقبل.

آسيا.. نموذج المرأة القوية

آسيا جمعة (19) عامًا، تدرس في الصف السابع الابتدائي، تأخرت في التحصيل الأكاديمي نسبةً لظروف الحياة، كان عليها البحث عن عمل إلى أن وجدت السبيل للتدريب المهني. تعمل حاليًا في ورشة للتكييف والتبريد.

تعرضت لرفض المجتمع عند دخولها هذا المجال، بعد أن أثبتت كفاءتها وجدت الدعم والتشجيع، وقالت لـ"ألترا سودان"، لم أتعرض للمضايقات بشكل مباشر، لكن كنت ألاحظها من خلال التصرفات والسلوك، حيث لا يقتنع الزبائن بقدرة المرأة على إنجاز العمل إلا عند تسلمهم للمنتج وهو في حال جيدة.

 



تؤكد آسيا أن المرأة قادرة على النجاح في شتى المجالات إذا كانت تملك الشخصية القوية والرغبة في العمل لأنها تشكل الدافع الأساسي للاستمرارية.

تطمح آسيا في إنشاء ورشة خاصة، لكن بسبب غلاء الأسعار تؤجل قيام المشروع للمستقبل البعيد.

الحكمة عند السيدة حكمت

في ذات الدرب، سارت حكمت دارجواد. حصلت على الشهادة الثانوية، توفى الأب وتعمل الأم في مجال صناعة وإعداد الشاي، تخصصت في مجال التكييف والتبريد.

اقرأ/ي أيضًا: حاكم شرق دارفور: لست معنيًا بقرار حزب الأمة

تعمل حاليًا في ورشة، تعرضت أيضًا لانتقادات من المجتمع وتردد على مسامعها قول "هذا عمل رجالي"، مع ذلك واصلت مسيرتها في الكفاح والعطاء، قالت حول هذا المجال: "أهم شيء هو إتقان عملية اللحام، لأن الثلاجات أنواع مختلفة، وخلال عملي في الورشة تعرفت على مهارات جديدة".

صاحب ورشة: المهم في الأعمال الأمانة وتفهم طبيعة العمل، والتعرض للفتيات بالمضايقات خطأ

ورفضت حكمت تصنيف المهن إلى ذكورية وأنثوية طالما يكسب الفرد الرزق بالحلال. 

وفي حديث مع صاحب الورشة السيد "عبدالحليم" حيث تعمل حكمت، أكد أن المهم في الأعمال الأمانة وتفهم طبيعة العمل، ووصف التعرض للفتيات بالمضايقات بالخطأ وقال "هن أخواتنا وأمهاتنا ومن تربينا على أيديهن، وكثيرًا ما أنادي حكمت بابنتي".

اقرأ/ي أيضًا

مقترح لإلغاء امتحانات الشهادة نهائيًا.. والقرّاي: لا يمكن تنفيذه إلا بعد قرون

جنوب السودان: تنامي جرائم الاغتصاب في أطراف العاصمة جوبا وصمت حكومي