حينما يحاكم الإعلام نفسه.. الحلول المطروحة إعلاميًا لمشكلات الفترة الانتقالية

حينما يحاكم الإعلام نفسه.. الحلول المطروحة إعلاميًا لمشكلات الفترة الانتقالية

صحفية سودانية تقف مقيدة بالسلاسل في وقفة احتجاجية أمام جريدة التيار 1 آذار/مارس 2016 (Getty)

القاعدة التي يرددها الإعلاميون حول العالم، هي مسألة الانضباط الذاتي للإعلاميين وأن يحاسبوا أنفسهم قبل أن ينطلقوا لمحاسبة الآخرين؛ فكيف تعامل الإعلام مع إشكالات الفترة الانتقالية في السودان؟ وإلى ماذا توصل من نتائج؟ ووسط تركة مثقلة بالتحديات، ما هو دور الإعلام في دعم الانتقال الديمقراطي، وما هي وسائله وآلياته؟

ما هي الحلول المطروحة إعلاميًا لمشكلات الفترة الانتقالية؟

"الحلول المطروحة إعلاميًا لمشكلات الفترة الانتقالية"، كان ذلك عنوان المنتدى الذي نظمه مركز الأيام للدراسات، الاثنين 26 نيسان/أبريل الجاري بالخرطوم، والذي تطرق إلى دور الإعلام في الرقابة والمساهمة في طرح الحلول، وخطاب الكراهية في الإعلام وأثره في استدامة السلام.

اقرأ/ي أيضًا: "التراث غير المادي".. كنز سوداني مهمل في الفترة الانتقالية

وقال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محجوب محمد صالح، إن "المنتدى يمثل بداية لمحاسبة النفس في عالم الصحافة"، وتابع "رأينا أن نبدأ بأنفسنا في برنامج نعمل على أن يتواصل عبر المحاولات والتجارب والإسهامات من مختلف الإعلاميين بأجيالهم المختلفة".

وأضاف صالح خلال افتتاحية المنتدى: "رأينا أن نرصد كيف يتعامل الإعلام مع القضايا التي تهمنا كثيرًا والتي تؤثر على مجتمعنا، وكيف يحدد أبعادها ويقدم رؤى حولها، وكيف يدير نقاشًا موضوعيًا بغرض الوصول إلى نتائج"، وتابع "كلفنا مجموعة من الصحفيين ليقوموا برصد للمواد المكتوبة والمذاعة والواردة في المواقع الإلكترونية أو في الصحافة الورقية، وأن يعرضوا كُل ما جمعوه لتحليل ومناقشات وتقييم بغرض الوصول لنتائج".

منصة المنتدى
منصة المنتدى

وقد كشف المنتدى الذي جمع طيف واسع من الإعلاميين، عن ضرورة تطوير التواصل بين الحكومة والرأي العام من خلال المنابر المختلفة، وفتح المجال للعمل الإعلامي للوصول لكافة المناطق المُلتهبة، لتقديم عمل مهني يساهم في إطفاء بؤر التوتر والعمل على نشر قيم حقوق الإنسان وإصدار النشرات التعريفية عنها وقيادة حملات للتعريف بها وإنتاج مواد إعلامية وبرامج إذاعية وتلفزيونية لهذا الغرض.

الدور الرقابي للإعلام ومشكلات الحكومة الانتقالية

ورأى الصحفي حيدر المكاشفي، أن "الإعلام أصبح قوة ضاربة وأصبحت، وسائل الإعلام بمختلف تخصصاتها تلعب الدور الأهم في إثارة اهتمام الجمهور بمختلف القضايا والمشكلات، لتصبح بذلك أداة بالغة التأثير على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والسياسية".

ويشير المكاشفي، إلى أن الإعلام يجب أن يخضع للمراقبة والمحاسبة في أدائه لمهامه وعمل منسوبيه، وأن يراقب بالمقابل قضايا حرية التعبير وحق الحصول على المعلومات وحرية التجمع والتنظيم والسلام والعدالة وخطاب الكراهية، برصد علمي مُحكم، وأردف "عندما اطلعت على الرصد الذي نفذه مركز الأيام، اتضحت لي حقيقة مباشرة؛ أن أداء الإعلام غير مُرضٍ".

اقرأ/ي أيضًا: فيديو القبض على امرأة متهمة بخطف أطفالها يثير جدلًا في الأوساط النسوية

وكان مركز الأيام للدراسات قد دشن مشروع "راصد الحقوق" في كانون الأول/ديسمبر الماضي، ويُعنى المشروع بمراقبة وسائل الإعلام في قضايا العدالة وحرية التجمع والسلام وحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومة وتعميم منظور النوع الاجتماعي وخطاب الكراهية.

حيدر المكاشفي: حملات الرقابة هي الوظيفة الأساسية التي يقوم بها الإعلام

ويضيف المكاشفي: "الإعلام الآن يتمتع بالحرية الكاملة، ولكن الحرية وحدها لا تكفي. الإعلام تنقصه المعلومات وبدون المعلومات الإعلام لن يعمل، يجب العمل على تقنين حق الحصول على المعلومات إضافة إلى اكتساب مهارة إيصال الرسائل الإعلامية بدقة، وممارسة العمل بالمهنية المطلوبة ومراقبة ذلك ذاتيًا بواسطة الأجهزة الإعلامية نفسها"، ويتابع "الإعلام يجب أن يعمل على الرقابة بشكل عام، خاصة في ظل غياب المجلس التشريعي، وتتعاظم مسؤولية الإعلام في مسألة الرقابة التي تحتاج إلي جهد كبير وشكل محدد ومعين من أشكال التحرير الصحفي"، وهي الصحافة الاستقصائية، التي تحتاج إلى تدريب.

جانب من الحضور
جانب من الحضور

وشدد حيدر المكاشفي، على أهمية انخراط الإعلام في الرقابة خلال الفترة الانتقالية، وتابع قائلًا: "حملات الرقابة هي الوظيفة الأساسية التي يقوم بها الإعلام والتي تهدف إلي كشف سلبيات ومخالفات كبار المسؤولين أو الأجهزة أو الشخصيات العامة". ولفت المكاشفي، إلى خطوات مهمة يجب اتباعها لضمان نجاح الحملات الرقابية تتضمن "جمع المعلومات وتحديد فنون الإعلام المستخدمة واختيار التوقيت المناسب للقيام بالحملة، إضافة إلى التأكد من صحة الوثائق المستخدمة وأسلوب الكتابة وربط الحملة بمصالح الناس".

الإعلام في مُجتمع ديمقراطي

يلعب الإعلام دورًا أساسيًا في استمرارية العمل السياسي الإصلاحي والتوعوي، إذ تُناط به مسؤوليات حماية مكاسب التغيير الديمقراطي وتطويرها لكشف جميع المعيقات والصعوبات التي تحول دون نجاح عملية التغيير.

ويشير حيدر إلى أن "مهمة الإعلام في المجتمع الديمقراطي هي التواصل الحي مع الجمهور كرقيب ناقد لكل من القوى السياسية والقوى الاقتصادية والسلطات التنفيذية ضمن مسيرة البناء الديمقراطي". 

وأشار المكاشفي خلال حديثه بالمنتدى، إلى أن بناء الرسالة الإعلامية المرافقة لعملية الانتقال الديمقراطي، يقتضي "عملًا إعلاميًا مُحترفًا يعيد صياغة وإعداد وتقديم مواقف المواطنين والاتجاهات العامة للرأي العام للحفاظ على روح الوهج الثوري والمضي في طريق التحول الديمقراطي".

جانب من الحضور
جانب من الحضور

وفي السياق، يرى الصحفي بصحيفة الجريدة "ماجد القوني"، أن "الصحافة السودانية تمر بأزمة كبيرة، والشاهد أن مجموعة من الصحف أغلقت أبوابها، وضعف عدد العاملين بالمؤسسات الصحفية. ويبقى السؤال هل تملك الحكومة الرغبة في حل إشكالات العمل الصحفي، والتي يعمل منسوبوها في ظروف صعبة وضعف للأجور؟"، بحسب القوني والذي أشار إلى مبادرة قادها بعض الناشرين لمناقشة إشكالات العمل الصحفي ولم تصل إلى نتائج، ويرى القوني، أن الحديث عن دعم الدولة للإعلام هو وعود مفتوحة لم يتم النقاش حول ماهيتها وشكلها حتى الآن. 

اقرأ/ي أيضًا: هل تحقق الإجراءات الحكومية الأخيرة الوفرة الدوائية؟

من جانبه يرى الإعلامي "خالد ماسا" أن "إصلاح واقع العمل الإعلامي وضمان حريته واستقلاليته هو مسؤولية الدولة عبر صياغة السياسات وإصلاح القوانين التي تفرض المؤسسية والمهنية". وتساءل خالد عن "مدى جدية الحكومة في الدور الرقابي للإعلام"، وتابع "الحكومة لا تملك رؤية استراتيجية للتعامل مع الإعلام وإصلاحه". 

خالد ماسا: الحكومة لم تدعم اقتصاديات الإعلام حتى يقوم الإعلام بدوره 

وختم بالقول: "الإعلام مشغول بإشكالاته الخاصة اليوم، والحكومة لم تدعم اقتصاديات الإعلام حتى يقوم الإعلام بدوره خلال هذه الفترة". 

الإعلام.. التمييز، وخطاب الكراهية

الكاتب الصحفي وائل محجوب، أشار في ورقة بعنوان "خطاب الكراهية في الإعلام وأثره على استدامة السلام"، إلى أن "خطاب الكراهية يختلف عن خطاب التمييز، فالأول يستلزم وجود نية مُبيتة بالكراهية تجاه جماعة محددة، بعكس خطاب التمييز الذي يُمكن أن يرد في المادة الصحفية دون إدراك من الصحفي أو المؤسسة الإعلامية".

وتُعرف الكراهية على أنها "جميع أشكال التعبير التي تنشُر أو تُحرِض أو تُشجِع أو تبرر الكراهية العرقية أو كراهية الأجانب وغيرها من أشكال الكراهية المبنية على التعصُب القومي والإثني والعداء للأقليات والمهاجرين والسكان من أصل مُهاجر".

توظيف مُظلم 

ويقول وائل محجوب، خلال حديثه بالمنتدى: "عايش أهل السودان إعلام موجه كرس للاستعلاء العنصري والعرقي ومارس التعبئة على أسس عنصرية خلال سنوات الحرب بين الجيش الحكومي والحركة الشعبية لتحرير السودان".

ويتابع: "مثلت بعض المؤسسات الإعلامية جزءًا من ترسانة النظام السابق الحربية في مجال الإعلام؛ إذ ساندت حروبه العبثية وسعت لتثبيت وجوده في السلطة عبر التضليل والتزييف وتصدير خطاب الكراهية".

اقرأ/ي أيضًا: أزمة مياه حادة بجنوب العاصمة ومواطنون يشتكون من تقاعس حكومة الولاية

وألقى محجوب الضوء على الآثار السلبية للحملات التي قادتها بعض المؤسسات الإعلامية خلال عهد النظام السابق، والتي اعتمدت "نشر خطاب الكراهية وتغذية حملات انفصال الجنوب. ولعبت دورًا في توفير مبررات دينية وعقائدية، أدت لتأجيج الحروب وسيادة روح العنصرية والعنصرية المضادة".

وائل محجوب: القوى الرئيسية التي قادت لترسيخ خطاب الكراهية كانت قوى حاكمة ومتحكمة في جهاز الدولة والإعلام 

وحول السمات المشتركة لتجارب خطاب الكراهية، يُشير وائل إلى أن "القوى الرئيسية التي قادت لترسيخ خطاب الكراهية كانت قوى حاكمة ومتحكمة في جهاز الدولة والإعلام الذي لعِب دورًا رئيسيًا في الحرب والإبادة والجرائم المُرتكبة بالتحريض المتواصل". 

مخاطر موروثة ونتائج فادحة

يذهب الكاتب الصحفي وائل محجوب إلى أن "الوضع العام الذي تواجهه الصحافة ومنصات الإعلام يشهد واحدة من اللحظات الحرجة على مستوى العالم، تتمثل في تمدد اليمين المحافظ في أوروبا وأمريكا وتمريرأاجندة خطاب الكراهية بمعاداة المهاجرين، وأسست لمفاهيم عُنصرية وجدت حظها في الإعلام".

وتطرق محجوب إلى نماذج خطابات الكراهية التي قادت إلى تفكك دول وتسببت في خسائر فادحة، ويقول: "تفككت في قلب أوروبا دولة يوغسلافيا بسبب العنصرية والانحياز الديني والمناطقي والتسلط السياسي. وفي إفريقيا شهدنا الحرب الأهلية في رواندا التي مثلت أسوأ المجازر على أساس العرق والهوية".

ونوه بأن السودان مواجه بمخاطر بعضها موروث من "حقبة النظام البائد" التي صنعت مجازر وضغائن بين مختلف السودانيين، وأردف "عملت الإنقاذ على تقوية بعض القبائل على حساب الأخرى في سبيل بقاء النظام، وتمدد الأمر على مستوى الإعلام".

ويُضيف "من نتائجها الفادحة بروز تيار عنصري في مجال الإعلام وجد دعمًا من جهاز الدولة وساهم في تفكيك جزء أصيل من السودان".

الإعلامية لمياء متوكل والصحفي وائل محجوب
الإعلامية لمياء متوكل والصحفي وائل محجوب

وحذر وائل محجوب، من مغبة تمدد خطاب الكراهية في ظل الوضع الهش للدولة السودانية، وعلق قائلًا "بعض المؤسسات الإعلامية التي لم تشهد تغييرًا حقيقيًا في بنيتها التنظيمية ولا في خطوطها السياسية، ما تزال تتبنى بث خطابات الكراهية والتمييز".

ووصف محجوب الوضع بأنه "يشابه "اللعب بالنار" في بلد يقوم على التنوع والتعدد الثقافي والقبلي والديني ويواجه مخاطر الانزلاق للفوضى بسبب هذه الصراعات". 

ويُشير تقرير "راصد الحقوق" إلى أن الحالات المرصودة لخطاب الكراهية في الوسائط الإعلامية المختلفة بالسودان، بلغ (13) حالة تُمثل نسبة (2.8)% من جملة الحالات المرصودة والبالغة (458) حالة خلال الفترة الأولى. بينما أشار تقرير "راصد الحقوق" في فترته الثانية، إلى أن عدد الحالات المرصودة لخطاب الكراهية بلغت عدد (20) حالة من جُملة (448) حالة بنسبة (1.4)%.

مواجهة الظاهرة

التصدي لهذه الخطابات يجب أن يشتمل على عدة محاور، منها سن القوانين التي تواجه هذه الظاهرة وتحاصرها ورفع قدرات العاملين في مجال الصحافة والإعلام عبر التدريب والتأهيل لتعزيز المهنية، إضافة إلى إنشاء مراكز إعلامية متخصصة على مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي للتصدي للشائعات والأخبار الكاذبة والمُلفقة وتقديم المعلومات الصحيحة.

اقرأ/ي أيضًا: ظاهرة جلد النساء.. ما هي الرموز والدلالات؟

وحذر وائل من أن أكبر الهواجس التي تواجه تطبيق قوانين حظر خطابات الكراهية قانونيًا هو "استخدامها كمدخل للإساءة لحرية التعبير في بعض الدول الشمولية، والمخاوف المُثارة حتى في الدول الديمقراطية من وضع قوانين عقوبة خطابات الكراهية؛ بعض الجماعات فوق النقد وتحصينها منه، مثل قوانين معاداة السامية التي كثيرًا ما تستخدم لقمع نقد إسرائيل والحركة الصهيونية، أو ممارسات جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين". 

سلمى معروف: انحياز الإعلامي إلى قبيلته أو انطباعه الشخصي هو خيار سلبي يعود بالتأثير على ملايين الناس

من ناحية أخرى، رأت الصحفية سلمى معروف أن "الالتزام بالمعايير المهنية وضبط المصطلحات والتأكد من المعلومات هو المخرج من رواج خطاب الكراهية في الإعلام". وتُضيف "انحياز الإعلامي إلى قبيلته أو انطباعه الشخصي هو خيار سلبي يعود بالتأثير على ملايين الناس".

ويختم وائل حديثه بالقول "يجب تطوير التواصل بين الحكومة والرأي العام من خلال المنابر المختلفة وفتح المجال للعمل الإعلامي للوصول لكافة المناطق المُلتهبة لتقديم عمل مهني يساهم في إطفاء بؤر التوتر، والعمل على نشر قيم حقوق الإنسان وإصدار النشرات التعريفية عنها وقيادة حملات للتعريف بها وإنتاج مواد إعلامية وبرامج إذاعية وتلفزيونية مُخصصة لهذا الغرض".

اقرأ/ي أيضًا

"جوَّانا أمل".. أطفال ومتطوعون يحاربون السرطان معًا

"تاء مربوطة".. بودكاست لحديث النسوية السودانية اليومي