"تاء مربوطة".. بودكاست لحديث النسوية السودانية اليومي

بودكاست تاء مربوطة (فيسبوك)

فتحت رؤية حسن، وهي فتاة مهتمة بقضايا النساء واحتياجات ذوي الإعاقة، بعد تخرجها من جامعة أمدرمان الإسلامية، نقاشات مطولة مع زميتها رباب النعيم، المقيمة بأمريكا، حول قضايا الحركة النسوية في السودان. وقررتا تحويل مشروع الحديث اليومي عن هموم المرأة السودانية إلى منصة رسمية، وتوسيع نطاق الحوار ونشره في المجتمع. فكان إطلاق أول بودكاست سوداني يهتم بقضايا النساء السودانيات، باسم "تاء مربوطة".

يشجع البودكاست تعدد وجهات النظر ويسعى لسماع الأصوات المختلفة، ليوفر منصة تساهم في بناء السودان الجديد

وجاء في تعريف رؤية بودكاست تاء مربوطة بأنه منصة تسعى لفتح نقاشات حول شكل الدولة، ومعنى العدالة الانتقالية للأشخاص -مع الأخذ في الاعتبار- تعدد مفهوم العدالة وإعادة بناء الدولة بما يتناسب مع المواطنين وليس المؤسسات القديمة، وتقول رؤية حسن: "تاء مربوطة، تبحث عن التساؤلات التي تقود للحقيقة الذاتية، وتشجع وجهات النظر المختلفة وسماع الأصوات المتعددة، وجاءت المنصة كمساهمة في بناء السودان الجديد الذي نحلم به.

اقرأ/ي أيضًا: المهاجرون السودانيون في ليبيا.. عالقون في مرمى النيران

فكرة إطلاق بودكاست

رؤية حسين: يركز البودكاست على الحياة اليومية للسيدات والفتيات، وتقاطع الأنظمة العسكرية، والرأسمالية والإرث الاستعماري والنظام الأبوي مع قضايا المرأة|

وترى رؤية حسن إن الجهات المهتمة بقضايا النسوية في السودان لا تحظى بمنصات كثيرة باللغة العربية، والمعرفة المتوفرة باللغة الإنجليزية. فبدأت رؤية بمعية صديقتها رباب في فتح نقاش أواخر العام المنصرم عن قضايا النخبة واللغة والمرأة. من جانبها، تقدمت رباب النعيم بمشروع تحويل الحديث اليومي إلى بودكاست، وقررت الصديقتان نقل نقاشاتهن عن الاستعمار والرأسمالية والنظام الأبوي إلى الصحافة المسموعة، فكان مشروع إطلاق أول بودكاست سوداني يتناول قضايا النسوية من منظورات متعددة.

قبل إطلاق البث، توقعت الشابتين أن تنحصر نسب المتابعة في عشرة أشخاص، ومع بث الحلقة الأولى في بدايات الشهر الجاري، فاقت نسبة المتابعة الخمسمائة متابع -بحسب إحصاءات الساوند كلاود- وتشير رؤية إلى التفاعل الإيجابي من قبل المتابعين، وتلقي دعوات لتوسيع الفكرة والاطلاع على المراجع النسوية العالمية.

أما أهم الموضوعات التي يتناولها بودكاست تاء مربوطة، فتشير رؤية بالقول، إن البودكاست يركز على الحياة اليومية للسيدات والفتيات، وتقاطع الأنظمة العسكرية، والرأسمالية والإرث الاستعماري والنظام الأبوي، والسلطة بمفهومها العام مع قضايا المرأة.

مجتمع النساء وتحديات الرأسمالية

تؤكد رؤية حسن على غياب التحديات منذ انطلاق البودكاست، قائلة إن التردد الداخلي كان هو العائق الوحيد، ووجود تساؤلات حول المحتوى المقدم، مضيفةً إن الحلقات قصيرة تفاديًا لملل وأطول حلقة تبلغ مدتها (20) دقيقة.

وفي الإجابة على سؤال ماهي البنى الاجتماعية التي تحاصر مجتمع النساء؟ تجيب بالقول، نركز على مناقشة قدرة السلطة وإعادة إنتاج نفسها، ومواجهة الرأسمالية وتحالفها مع النظام الأبوي، إضافةً للإرث الاستعماري الذي نعيد إنتاجه جندريًا واثنيًا، ومقاومة السلطة المجتمعية، وتغول السلطة الأبوية في المؤسسات لتبرز في صورة قوانين تحد من حرية المرأة، والفضاءات العامة والعادات والتقاليد -وبحسب رؤية حسن- يعمل البودكاست على مسائلة الثقافة ذات التوجه الأحادي.

اقرأ/ي أيضًا: أنثروبولوجيا العطر في الثقافة السودانية

وحول تقاطعات الرأسمالية مع قضايا المرأة، تنوه رؤية إلى دخول النساء في العمل المأجور دون النظر إلى جميع الفئات، ومنها -على سبيل المثال- العمالة المنزلية، بحيث لا ينظر للعمل المنزلي كمساهمة في الناتج القومي، بجانب غياب تشريعات تحمي النساء من التعنيف، مع مطالبات الرأسمالية لهن للانخراط في العمل دون توفير حماية من التحرش، ومعاناتهن في قلة الأجور والترقي في المناصب، وفي السودان، نلاحظ استئثار اثنيات محددة على العمل، مما يدل على استمرار السياسات الاستعمارية بحصول مجموعات قبلية محددة على خدمات التعليم والتوظيف، مع ملاحظة استعباد النساء من قبل الأنظمة الرأسمالية التي تجبرهن على العمل لساعاتٍ طويلة، على حد قولها.

تؤكد رؤية حسن على أهمية الإذاعة في مناطق متفرقة من السودان، فاستغلال مساحات الفراغ في سماع أشياء مفيدة يعد أمرًا جيدًا، وتشير إلى أن وضعف خدمة الانترنت وارتفاع فاتورته، هي التحديات الأولى التي تواجه عمل البودكاست بالسودان، إضافةً لعدم اكتشافه من قبل العديد من النساء.

أنماط من الاضطهاد

رباب النعيم: لا يمكن الحديث عن النسوية والعدالة الاجتماعية دون التطرق لمناهضة أنظمة القمع المختلفة

وفي اتصال هاتفي مع رباب النعيم، أكدت إنها تفكر في الرأسمالية كأحد أوجه أنظمة الاضطهاد تجاه النساء، ولا يمكن السعي لخلق مجتمع أفضل على كل الأصعدة دون محاربة أنظمة الاضطهاد، والرأسمالية واحدة من هذه أوجهه -الحديث لرباب النعيم- وفي نظام العبودية وتجارة الرقيق من وجهه نظر ماركسية، تعد محاولة لتسليع الإنسان، من حيث العمالة المجانية وفتح الأسواق ونهب الموارد الطبيعية ولا يمكن الحديث عن النسوية والعدالة الاجتماعية دون التطرق لمناهظة أنظمة القمع المختلفة، وفي مقدمتها الرأسمالية التي تمكن سياساتها من استغلال الإنسان لأخيه، وهو استغلال ينبني على النوع الاجتماعي والعرق.

نظرة نمطية وقضايا متجدد

يسعى بودكاست تاء مربوطة لفتح نقاشات لم تجد لها حتى الآن الفضاء المناسب لطرحها

وفي ذات السياق، تقول النعيم إن للسودان تجارب ممتازة في إنتاج البودكاست منها "صوت الخرطوم" وبودكاست تاء مربوطة نبع من الإحساس بالمسؤولية، لأخراج مادة ذات محتوى جيد وتشاركي، وتشير رباب إلى إن عملية الإنتاج تتم في زمنهن الخاص وفي منتصف الهموم اليومية، وما تم بثه هي أحاديث قديمة بين صديقتين، تم وضعها في إطار معالجة نصية.

وتسعى رباب النعيم لخلق فضاءات أوسع بضم تجارب أخرى للبودكاست، بغرض البعد عن النظرة الأحادية في طرح المواضيع، والبعد عن التردد الشخصي. والبعد من التنميط الواقع عليهنَ، بصورة واعية أو غير واعية. وتمضي بالقول: "هنالك العديد من الصور الإيجابية والمناسبة للمرأة في وقتها ذاك، وبعضها لم يعد مناسبًا الآن، مثل خروج الفتاة لطلب العلم الذي كان مشكلة في وقته، والسفر، أما في الزمن الراهن فارتبط بأسباب سياسية واقتصادية، بعيدًا عن الموروثات القديمة".

وقالت رباب لـ"الترا سودان" إن مجتمع النساء غير منفصل عن واقع المجتمع السوداني، والبودكاست محاولة لترتيب صوت النساء داخل المجتمع. مضيفةً إن تاء مربوطة تسعى لفتح نقاشات لا تجد الفضاء المناسب لها، وسيكون دورها كبيرًا عندما تتجاوز المحيط الضيق، وتتحدث عن تجارب الفتيات في كل بقاع السودان المختلفة، ولتأدية غرضها "السابق الذكر" لن يكون لها نهايات، بمعنى إن النقاش سيظل مفتوحًا حول المواضيع المطروحة.

أدوات للمقاومة

تنظر رباب لمفهوم المرأة القوية والمستقلة بأنها السيدة القادرة على التضامن مع الآخرين، والمرأة القوية هي القادرة على مشاركة المجتمع في أحزانه وأفراحه بالرغم من الظروف الصعبة التي تواجهها. وتزيد قائلة: "القوة هي الخروج من ضيق الذات، والمقدرة على الخروج إلى المجتمع الواسع".

وتؤكد رباب أن نواة العائلة الصغيرة، تعد واحدة من أقوى أدوات النضال والمقاومة. وتقول: "ثمةً فتيات تكون مقاومتهنَ داخل المنازل، والظروف الأسرية التي يتعرضنَ لها من المحيط الصغير".

يعمل البودكاست في إطار ضيق الآن قوامه القادرين على الوصول للانترنت، لكن تحلم رباب بأن يتوسع ليشمل قطاعات أخرى من النساء السودانيات

وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية، تحلم رباب النعيم بإيصال صوتها لأي مكان في السودان، والتواصل مع كل شخص وإن كان رجلًا، يرغب بإثراء النقاش بإرسال حديثه مع شخصِ آخر. وأبانت البودكاست يعمل في إطار ضيق الآن قوامه القادرين ماديًا على استخدام الانترنت، لكنها تحلم بأن يتوسع ليشمل قطاعات واسعة من النساء السودانيات.

إذن بودكاست تاء مربوطة هو "ونسة" وحديث بين صديقتين سودانيات، يحاولن مشاركة المجتمع ما يدور بأذهانهنَ وتجاربهن. ويفتح الباب واسعًا أمام تجارب الفتيات لمشاركة قضاياهنَ الخاصة مع المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا

الفشل يُلاحق دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العامة

تعليم الرُحَّل.. نظرة عن قرب