28-يونيو-2020

(Getty)

مضت أكثر من ثلاثة أشهر على تكوين الحكومة الانتقالية بجنوب السودان، بعد أن تأجلت لفترة عامٍ كاملٍ بسبب فشل الأطراف في تنفيذ بعض البنود المهمة في قسمة السلطة والترتيبات الامنية، ولكن الحكومة الانتقالية لم تستطع تجاوز تلك المعضلات حتى الآن، وأهمها تنفيذ الترتيبات الأمنية وبناء الجيش القومي الموحد لجنوب السودان، بسبب غياب التمويل وضعف الإرادة السياسية وإحجام المجتمع الدولي عن توفير تلك الأموال لمخاوفٍ تتعلق بفساد القادة السياسيين في جنوب السودان.

توافقت الحكومة والمعارضة على الاستعاضة عن دمج القوات في الجيش الحكومي باعتبارها محاولة جربت في العام 2015 لكنها لم تحقق النتائج المرجوة

هذا وكانت الأطراف الموقعة في الحكومة والمعارضة التي تضم مجموعة المعارضة المسلحة الموالية لرياك مشار، ومجموعة المعارضة التابعة لتعبان دينق غاي، ومجموعة تحالف أحزاب المعارضة في جنوب السودان المعروف اختصارًا باسم (سوا)، ومجموعة الأحزاب الأخرى ومجموعة المعتقلين السياسيين السابقين، قد توافقت على أن يتم الاستعاضة عن دمج المجموعات المسلحة في الجيش الحكومي باعتبارها محاولة تم تجريبها في العام 2015 لكنها لم تحقق النتائج المرجوة، بأن يتم تجميع كافة القوات بما فيها الجيش الحكومي داخل مراكز تدريب معروفة لإعادة تدريبها وتزويدها بعقيدة قتالية جديدة، باعتبار أن القوات الحالية في الحكومة والمعارضة تعبر عن انتماءات إثنية ضيقة، بجانب موالاتها للأفراد بصورة أكبر.

اقرأ/ي أيضًا: وزارة الخارجية: اقتربنا من التوصل لتسوية مرضية في قضية السفارتين

وبناءً على ذلك اتفقت الأطراف على جملة من الترتيبات الضرورية لتوحيد القوات وتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في كانون الأول/ديسمبر 2017 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتم اعتماد اتفاق وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية الانتقالية في البند الثاني من اتفاق السلام وذلك في ما أطلق عليه اسم "إعلان الخرطوم" في يوم 27 حزيران/يونيو 2018، والذي دخل إلى حيز التنفيذ بتاريخ الأول من حزيران/يونيو، وتعهدت فيه الأطراف بوقف كافة الأعمال العدائية وإطلاق سراح أسرى الحرب وكافة المعتقلين السياسيين الموجودين لدى كل طرف، إلى جانب وقف جميع أعمال التجنيد والتدريب، بجانب إنشاء مراكز لتجميع القوات قبيل البدء في عملية التدريب.

أدى البطء في تنفيذ الترتيبات الامنية لاستقالة نائب وزير الداخلية من جانب المعارضة المسلحة مبيور قرنق من منصبه، متهمًا الحكومة بعدم الجدية في تنفيذ أهم بنود الاتفاق

وقد واجهت تلك العملية تعثرًا كبيرًا بسبب غياب التمويل منذ البداية، على الرغم من تعهد الحكومة بدفع مبلغ (40) مليون دولار من جملة (180) مليون دولار هي التكلفة التي حددتها لجنة الفترة قبل الانتقالية التي تضم ممثلين عن الحكومة والمعارضة، ولكن تلك الوعود الحكومية لم تجد طريقها للتنفيذ، مما قاد لتأجيل إعلان الحكومة بسبب عدم وجود قوات حماية مشتركة يفترض نشرها مع بداية الفترة الانتقالية، وبعد عام كامل في شهر شباط/فبراير التزمت الحكومة بدفع مبلغ (16) مليون دولار فقط، و التي استعانت بها اللجنة في تجميع القوات الحكومية وقوات المعارضة والمقدرة بحوالي (80) ألف جندي في أكثر من (10) مراكز للتدريب الذي بدأ فعليا بعد تكوين الحكومة، الشيء الذي ألقى بتأثيراتٍ كبيرة على أداء الحكومة، بسبب خوف بعض وزراء المعارضة من السفر للولايات بسبب عدم وجود قوة مشتركة، وقد أدى البطء في تنفيذ الترتيبات الأمنية لاستقالة نائب وزير الداخلية من جانب المعارضة المسلحة مبيور قرنق من منصبه، متهمًا الحكومة بعدم الجدية في تنفيذ أهم بنود الاتفاق الذي يتحدث عن الانتهاء من عملية تدريب قوات الحماية المشتركة خلال الفترة قبل الانتقالية المقدرة بستة أشهر.

اقرأ/ي أيضًا: بعد أكثر من عام على الثورة.. لماذا تأخرت محاكمات رموز الإنقاذ؟

نجحت الأطراف الموقعة على الاتفاقية خلال الفترة قبل الانتقالية، في تكوين الأجسام و الهياكل الرئيسية المشرفة على وضع الخطط والاستراتيجيات العسكرية، ومراقبة وقف إطلاق النار مثل لجنة الفترة قبل الانتقالية، ومجلس الدفاع المشترك، واللجنة الأمنية الانتقالية المشتركة. وقد استطاعت تلك الاجسام والهياكل العسكرية، أن تضع على المستوى النظري، المعايير المطلوبة لاختيار القوات في الجيش والشرطة والقوات النظامية الأخرى بحسب نص المادة (2.3.4) من اتفاق الترتيبات الأمنية. وبحسب نصوص الاتفاق فإنه يجب أن يتم تجهيز الجيش الموحد خلال عمر الفترة الانتقالية المقدرة بـ(36) شهرًا، أي قبيل الدخول في مرحلة الانتخابات العامة بالبلاد وحل الحكومة الانتقالية.

لكن وبسبب الصعوبات المالية التي تواجه عمل اللجان العسكرية، فإن المبلغ الذي رصدته الحكومة قد تم صرفه في نقل الجنود وتجهيز المعسكرات، أملًا في تكملة المبالغ الأخرى المطلوبة. ونتيجة لذلك بدأت حالة المعسكرات تسوء بسبب الجوع وعدم وجود الأدوية. فمنذ شهر شباط/فبراير وحتى الآن توفي ما لا يقل عن خمسة مجندين في معسكرات ومراكز التدريب، وقال العقيد مارتن أبيشا ممثل المعارضة المسلحة في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار بأن مراكز التدريب تفتقر لأبسط مقومات الحياة بسبب نقص التمويل، مضيفًا بالقول: "هناك ارتفاعٌ في حالات المرض والوفيات في معسكرات الجيش، ولا توجد ادوية ولا غذاء، والحكومة تقول إنها لا تملك الأموال الكافية".

من جانبه قال العقيد ديفيد نيانق، ممثل تحالف (سوا) في اللجنة الفنية الخاصة بالترتيبات الأمنية: "إن القوات الموجودة في معسكرات التدريب تعاني بصورة غير مسبوقة، بسبب الجوع والإهمال، فتلك المعسكرات تم إنشاؤها وهي غير مزودة بالمعينات الأساسية، فالجنود يتواجدون في خيامٍ من القماش لا تستطيع الصمود أمام الأمطار".

 

قوات في تدريب

 

من جانبه ألقى الجنرال جون دانيال ممثل الحكومة في لجنة الترتيبات الأمنية باللائمة على دول الإيغاد والمجتمع الدولي التي قال إنها "فشلت في توفير التمويل اللازم لتنفيذ اتفاق السلام وبناء الجيش القومي الموحد لجنوب السودان".

وفي مطلع الشهر المنصرم حذرت لجنة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار من انهيار اتفاق الترتيبات الأمنية، بسبب غياب التمويل اللازم لتدريب القوات وتأهيل الجيش. وذلك بعد ورود تقارير تفيد بمغادرة بعض القوات في المعارضة لمعسكرات التدريب بسبب تدهور أوضاعهم.

وقال ديستا أبيشي أقينو، رئيس آلية مراقبة وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الانتقالية،، إن هنالك حوالي خمسة معسكرات لتدريب الجيش الموحد قد أصبحت شبه خالية بعد أن غادرها الجنود بسبب نقص الأدوية و الغذاء.

وأردف قائلًا: "غياب الدعم اللوجستي الكافي خاصة الطعام والأدوية هو السبب وراء مغادرة الجنود لمواقع التدريب في مناطق "ميرمير، كينديلا، سوي، نغو حليمة، وبانتيت".

وأقر العميد لول رواي كونغ، المتحدث الرسمي باسم الجيش بجنوب السودان، في تصريحاتٍ تناقلتها وسائل إعلام محلية، بوجود صعوبات مالية تواجه عملية تدريب القوات المشتركة وقوات الحماية الخاصة بالشخصيات الهامة نسبة لغياب التمويل الحكومي.

وأردف قائلًا: "لدينا عدد من الصعوبات اللوجستية التي تواجه معسكرات تدريب القوات المشتركة، وحتى الآن لم نستطع تخريج القوة المكونة من ثلاثة آلاف جندي، والمخصصة لحماية أعضاء الحكومة الانتقالية، أيضًا بسبب غياب التمويل، لقد خاطبنا لجنة الفترة قبل الانتقالية لتوفير التمويل لكنها لم ترد علينا حتى الآن".

اقرأ/ي أيضًا: جنوب السودان: ماذا بعد تجاوز معضلة توزيع الولايات؟

وطالب رجب مهندس، ممثل منظمات المجتمع المدني في مجلس الدفاع المشترك، الأطراف الموقعة على اتفاق السلام في الحكومة والمعارضة للإسراع بإيجاد التمويل اللازم لتكملة عملية تدريب القوات المشتركة، من جيش وشرطة وأمن وطني حتى تكتمل عملية تنفيذ بند الترتيبات الامنية كي ينعم مواطنو جنوب السودان بالسلام والأمن والاستقرار.

رجب مهندس: هناك مخاوف حقيقة من انهيار اتفاق الترتيبات الأمنية، بسبب الإهمال وغياب التمويل

وزاد مهندس قائلًا: "هناك مخاوف حقيقة من انهيار اتفاق الترتيبات الأمنية، بسبب الإهمال وغياب التمويل، وهذه مسالة خطيرة حينما ترى عددًا من الجنود الجوعى يغادرون المعسكر بأسلحتهم، هناك ضرورة لتوفير المبالغ المطلوبة لبناء الجيش الوطني الذي يعتبر عماد الاستقرار لبلادنا".

اقرأ/ي أيضًا

وزارة الخارجية: اقتربنا من التوصل لتسوية مرضية في قضية السفارتين

قاعدة مصرية في جنوب السودان أم بالونة اختبار تهدد مستقبل "الحلف الثلاثي"؟