تعليم الرُحَّل.. نظرة عن قرب

تعليم الرُحَّل.. نظرة عن قرب

فصل دراسي لطلاب من أبناء الرحل (العربي الجديد)

يُعرِّف مسؤول ملف الرُحَّل في مركز سينما دارفور، محمد إبراهيم، الرُحَّل بأنهم شريحة من شرائح المجتمع السوداني يمتهنون تربية الماشية (جمال، أبقار، ماعز)، ويتصفون بأنهم غير مستقرين في مكانٍ واحد، إذ أنهم في ترحال دائم خلف مشرب ومرعى ماشيتهم، فتجدهم في دارفور -على سبيل المثال- لديهم رحلات في الصيف حيث ينتقلون جنوبًا لأماكن تواجد المياه والعشب، وفي الخريف يأتون شمالًا في رحلة مستمرة بحثًا عن المرعى والكلأ لماشيتهم.

ما هي أبرز ملامح تعليم الرُحَّل والصعوبات التي تعترضه؟

ما هي أبرز ملامح تعليم الرُحَّل والصعوبات التي تعترضه؟ سؤال يجيب عليه التقرير التالي.

تفشي ظاهرة الأمية

ويمضى محمد إبراهيم قائلًا: "في هذا الترحال القصير والمستمر برزت صعوبات جمة تواجه هذه المجتمعات، منها ظاهرة الأمية، وساعدت الدولة قبائل الرُحَّل ببعض المجهودات الخجولة في التعليم، ودعمت بعض المنظمات هذا الاتجاه، إلا أن ضعف إدارة مشروعات الرُحَّل حالت دون أن يتمكن أبناؤهم وبناتهم من تلقي التعليم، إضافة إلى وجود معيقات أخرى من جانب الدولة والرُحَّل أنفسهم.

ما هي هذه المعيقات؟

يسترسل محمد إبراهيم في الإجابة بالقول: بما إن هؤلاء الرُحَّل يسيرون في خطوط ومسارات معروفة، فإن إنشاء مدارس في مناطقهم ليست صعبة، أو عمل فصول قابلة للنقل من مكانٍ إلى آخر إلى حين اكتمال العام الدارسي. ونجد أن الدراسة تتم في الهواء الطلق، وقديمًا كانت هناك مدارس بالقرى المتاخمة لمساراتهم وبها داخليات للطلاب، ونجحت هذه التجربة، لكن، بعد استيلاء الإسلاميين على السلطة؛ دمروا هذه التجربة.

اقرأ/ي أيضًا: أنثروبولوجيا العطر في الثقافة السودانية

ويضيف محمد قائلًا، إنه من الوحدات الأساسية في العملية التعليمية لمجتمع الرُحَّل؛ هو المعلم، إذ نجد أن اغلب الذين يعملون في المدارس من قليلي الخبرات أو من الموظفين الجدد في مجال التعليم، ولا يستمرون كثيرًا نسبة للبيئة الجديدة عليهم أو الرواتب غير الكافي،ة ويطلبون الرجوع للمدن أو ترك التدريس نهائيًا، كما إن إدارات وحدات تعليم الرُحَّل، بدلًا من أن تجد الحلول لهذه المعيقات، تقوم بإنشاء مدارس باسم الرُحَّل في أطراف المدن الكبيرة، هذه المدارس لا يدرس فيها الرُحَّل، وتكون من نصيب سكان الأحياء الطرفية للمدن. 

وتابع حديثه بالقول، تكمن مشكلات الرُحَّل في أن جُل اهتمامهم منصب على رعاية الماشية، وجزء آخر ينظر للتعليم كمضيعة للزمن، حيث نجد التفاخر بامتلاك أعداد كبيرة من الماشية أهم من تعليم الأطفال، وتواجه فتيات الرُحَّل ظاهرة الأمية المستفحلة، ويكاد يكون مستحيلًا أن تجد فتيات متعلمات في مجتمع الرُحَّل بسبب حالات الزواج المبكر المنتشرة في هذا المجتمع، على حد قوله.

ويقترح محمد إبراهيم، عمل مسح لتحديد تعداد هذه المجموعات والمعرفة الدقيقة بمساراتها، وعمل مدارس بالمناطق المجاورة للمسارات، لتعم الفائدة أهل القرى والرُحَّل معًا، إضافة لإنشاء مدارس في مناطق استقرار الرُحَّل، وتوعية هذه الشريحة بأهمية التعليم، وخاصةً تعليم الفتيات.

وحث مسؤول ملف الرُحَّل في مركز سينما دارفور، الدولة والمنظمات المهتمة بالتعليم بتخصيص دعم لمشروعات تعليم الرُحَّل، والعمل على تحفيز العاملين ليستقروا وينشطوا في أداء رسالتهم.

الرُحَّل في قرية أم ضوًا بان

تقع قرية "أم ضوًا بان" جنوب حاضرة ولاية جنوب دارفور "نيالا"، وتبعد عنها حوالي (35) كيلومترًا ،ويحكي المعلم بمرحلة الأساس بالقري،ة بخت حامد محمد، ما تعانيه القرية في قضية التعليم لـ"الترا سودان"، بالقول: "يوجد نقص حاد في المعلمين، خاصةً في المواد المتخصصة مثل اللغة الإنجليزية والرياضيات، مع وجود ثمانية فصول دراسية بها أربعة معلمين، وكان يفترض وجود (12) معلمًا.

ويؤكد حامد محمد، أن القرية هي من تتكفل بمستلزمات المعلم، أما بالنسبة للكتب الدراسية فيشير إلى أنه يوجد بها نقص حاد، مثلًا الفصل الأول بالمرحلة الابتدائية، به (160) تلميذًا، وتحصلنا على (40) كتابًا فقط من مقرر مادة التربية الإسلامية، فيما يبلغ سعر الكتاب الواحد بالخارج (1500) جنية.

اقرأ/ي أيضًا: كرة القدم.. اللعبة الأكثر شعبية في السودان لم تعد حكرًا على الرجال

أما بالنسبة للكهرباء، فيقول المعلم بمرحلة الأساس، إنه قد تم إكمال الترتيبات للإمداد الكهربائي؛ لكنها لا تعمل، ولا توجد مياه بالمدرسة، ويتم نقلها عن طريق "الكارو" وتساهم الوزارة بما تيسر.

مؤسس وعمدة قرية "أم ضوًا بان": المدارس بنيت دون وجود معلمين أكفاء، مع غياب المناخ الملائم لتحصيل العلم

من جانبه، يصف مؤسس وعمدة قرية "أم ضوًا بان"، عبدالله مصطفى أبونوبة، مجتمع الرُحَّل بأنه "الغائب الحاضر"، وأوضح أنهم ينقسمون إلى قبائل البقارة والأبالة، الأولى أصبحت مستقرة ولها محليات، أما الثانية فهم الأكثر ترحالًا. 

ويقول العمدة أبونوبة، إنهم كانوا يتوقعون من الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية "قوى الحرية والتغيير"، ومسؤولي الدولة في الجهاز التنفيذي، أن يولوا اهتمامًا أكبر بقضايا تعليم الرُحَّل. 

ويشير أبونوبة إلى غياب الكتب الدراسية، واصفًا المدارس بأنها بنيت دون وجود معلمين أكفاء، مع غياب المناخ الملائم لتحصيل العلم، وطالب الدولة بإنشاء المدارس والداخليات. 

التعليم الإلزامي

يؤكد الناشط في قضايا الرُحَّل، نور ديدان، وجود مدارس متنقلة خاصة بالرُحَّل قديمًا. ويشير إلى وجود مرحالين في حياة الرُحَّل، هما: مرحال المخارف، وهو في فترة الخريف ويكون التحرك فيه شمالًا لمدة ثلاثة أشهر إلى أربعة أشهر كحدٍ أقصى، ومرحال المصايف، وهو في فترة الصيف، ويكون التحرك فيه جنوبًا ويحدث استقرار نسبي لمدة ثمانية أشهر أو أكثر.

اقرأ/ي أيضًا: المهاجرون السودانيون في ليبيا.. عالقون في مرمى النيران

وبحسب ديدان، فإن العميلة التعليمية يفترض أن تتم في فترة مرحال المصايف. وفي الماضي كانت المدارس متنقلة معهم والمعلم يرحل أينما رحلوا، أما الآن؛ اختفت هذه العملية وظهرت مدارس ثابتة في القرى، مثل قرية "أم ضوًا بان" التي أسسها الرُحَّل واستقروا فيها وأنشأوا المدارس. 

ناشط في قضايا الرُحَّل: ندعو لإنشاء داخليات، وتوفير مدارس وإن كانت مختلطة مع أبناء القرى والمدن

وقال ديدان في إفادته لـ"الترا سودان"، إن هذه القرية تواجه مشكلة في توفير الكادر التعليمي "المعلم" نسبةً لظروف السكن البعيدة عن القرية، وتمكنوا من حل هذه المشكلة عن طريق تشغيل أبناء المنطقة الحاصلين على تعليم جامعي أو شهادة سودانية، حيث يعملون في تدريس أطفال الرُحَّل، وجزء من الرُحَّل أصبح يأتي بأطفاله للمدينة لتلقي التعليم، ثم يعود بهم في الإجازة للبادية. لكن -والحديث لديدان- يوجد جزء آخر خارج السلم التعليمي. 

وشدد نور ديدان على أهمية التعليم الإلزامي قائلًا: "ندعو لإنشاء داخليات، وتوفير مدارس وإن كانت مختلطة مع أبناء القرى والمدن". مشيرًا إلى أن نسبة قبائل الرُحَّل بلغت في آخر إحصائية بولايات جنوب وشرق دارفور ، في العام 2010 (26)%.

غياب الدولة 

وأوضح الباحث في مجال مسارات الرُحَّل، هشام حسن الدومة، أن هنالك ثمة قصورٍ في تعليم الرُحَّل بعد غياب نظام الداخليات، متزامنًا مع نقص الكتب الدراسية والكادر التعليمي.

ويؤكد حسن الدومة، أنه غالبًا ما يتحمل الرُحَّل بأنفسهم أعباء المعلم الموجود "الاستحقاقات المالية"، وهي خطوة صعبة لأن عددًا من الأسر لا تستطيع الدفع. 

اقرأ/ي أيضًا: أزمة طاحنة في الخبز.. ومواطنون: نحن على أعتاب ثورة جياع

ويرى الدومة، أن أفضل نظام تعليمي للرحل هو العودة لنظام الداخليات القديم، عن طريق تحديد مساراتهم بدقة ووضع داخليات بها، مؤكدًا إن الرُحَّل أدركوا في الآونة الأخيرة أهمية التعليم، لكن، تبقى القضية في فرصة الحصول عليه. 

باحث في مسارات الرُحَّل: الأطفال يدرسون أربعة أعوام ويتوقفون عن التحصيل التعليمي بعدها ويتجهون إلى سوق العمل

ويقول الدومة في حديثه لـ"الترا سودان": "نظام تعليم الرُحَّل خلال السنوات الأخيرة الماضية قاصر، لأن الأطفال يدرسون أربعة أعوام ويتوقفون عن التحصيل التعليمي بعدها ويتجهون إلى سوق العمل".

أما عن دور الدولة، فيشير الدومة إلى أن  مجتمع الرُحَّل بعيد عن الحكومة، وهذا أحد الأسباب الأساسية في قصور قضية التعليم، وخلال مسيرات الرُحَّل في البادية يصبحون بعيدين من الخدمات الحكومية، وهذا تقصير من جانب الدولة يمتد تاريخيًا إلى فترة الحكم الإنجليزي وحتى اليوم، على حد قوله.

اقرأ/ي أيضًا

أوضاع الصحة النفسية في السودان.. التفوق في الكارثة!‎

المرأة السودانية وحصاد 2020