الشهيد قصي حمدتو.. حياتهُ كانت القيادة وروحهُ الاعتصام

الشهيد قصي حمدتو.. حياتهُ كانت القيادة وروحهُ الاعتصام

الشهيد "قصي حمدتو" (التغيير)

"حياتهُ كانت القيادة.. وروحهُ الاعتصام"

ندى حمدتو شقيقة الشهيد قُصي حمدتو


لاحظ أحد الأصدقاء، ممن عاشوا تجربة فض الاعتصام ومجزرة القيادة العامة حتى تخلَّلت روحه وغاصت في أعماقه، فجَّفت أحلامه وامتلأ رأسه بالكوابيس، أن جمال شهداء ثورة كانون الأول/ديسمبر لا يُضاهى لكونه أنضر من الوسامة وأوَّضح من شعاع الشمس. ولقد أوَّغل هذه الصديق كثيرًا في تقمُّصاته النورانية هذه، عندما أضاف قبل أيامٍ قليلةٍ، وهو يكابد الكوابيس طوال ليلة الذكرى الأولى للمجزرة، أن وراء هذا الجمال الآسر والفاتن يكمُن السِرُّ كله الذي قضى، بأن يكون جمالهم هو الأكثر نضارة وجسارة بين سائر السودانيين السابقين واللاحقين.

كان الشهيد قصي حمدتو وحيد أمه وخالاتهُ الخمس، أي ذلك الفتى الأخضر النحيل الذي لوَّن قوس قزح أسرته بالروقان والأنس والعذوبة والهدوء والتهذيب

وبدوري، وكلما أوَّغلت متأمِّلًا ملامح الشهيد قُصي حمدتو، تذكَّرت تَبَّصَرات صديقي المضيئة والكاشفة لمخابئ هذا الجمال. وأضيف من عندي أيضًا، أن شهداء ثورة كانون الأول/ ديسمبر لا يستمدون هذا الجمال من جمال ملامحهم فحسب، ولكن أيضًا ينضاف إليه الجمال الحي المُعاش والمبثوث في سيِّر حياتهم الخاصة، حيث يحتلون  موقعًا خاصًا في بيوتهم وأسرهم ووسط أصدقائهم.

اقرأ/ي أيضًا: "اصحى يا ترس".. حين يعجز الموت أمام عظمة الواجب

ولقد كان الشهيد قصي حمدتو وحيد أمه وخالاتهُ الخمس، أي ذلك الفتى الأخضر النحيل الذي لوَّن قوس قزح أسرته بالروقان والأنس والعذوبة والهدوء والتهذيب. وتحكي والدته: "كُنتُ أزهو به وهو يمشي بجانبي في الشارع". لكأنه فراشة خضراء فَرَدَت شرنقتها البيضاء على جناح أمُّها الأيسر قبل أن تُحلِّق إلى الأعالي، فخشت عليها أمُّها ألا تعود.

وبجانب قوة شخصيته واستقلاليتها، كان الشهيد قصي موهوبًا أيضًا في السباحة وكرة القدم وألعاب القوى. وعندما بلغ سن الرابعة عشر، فَقَد والده باكرًا، ليخرج إلى الحياة بصدر مفتوح وعُنق حُرَّة، جامعًا وموِّفقًا بين الدراسة الجامعية والعمل. لكم كان مسرورًا ومزهوًا بنفسه، تحكي والدته، عندما اشترى جُلبابًا أخضرًا بأول أجر ناله من عمله. لقد كان دائم الاعتزاز بهذا الجُلباب. لذلك كان دائمًا ما يرتديه. ومن فَرَط هذه المحبة المبزولة والمُتبادلة بلا حساب بين الشهيد قُصي وجُلبابه، أن لونه الأخضر اليانع طَفَح أكثر حتى لاقح غَبَاش الطمي النائم في الجُلباب، ليتحوَّل قصي إلى موجة نيلية تُغادر مجرى الماء وتمشي في الشوارع بين الناس كلما تأخر المطر قليلًا عن موعده.

ولو وَّزعنا جمال قُصي على رجال هذه البلاد، لنبتت ضفائر الحرية من على رأس كل بيت وتدلت كدوالي العنب من أرحام أمهات بلادي اللواتي لم يتأخر فجر أرحامهن المُشرق عن قَشَع ظلام البلاد الفحولي الهالك لا محالة. إنَّ أجمل الرجال هو من كان قادرًا على أن يكون غيره والآخرين، رجل وإمراة في آنٍ واحد، وزهرةً ونافذةً مشرعةً على الأمل أيضًا، وربما طائر يحِّنُ إلى بَرق السماء الذي ذاب في حفيف أوراق الليمون فنام حتى الفجر. ولم يكن الشهيد قصي رجلًا بالمعنى الفج السائد، بل كان إنسانًا رحبًا كلجُبابه الأخضر الفضفاض الذي حرَّر الريح من جبروتها قبل أن يُحرِّر غرائزه. وكان كلما امتطى دراجته، هاتفه أصدقاؤه ساخرين: "سائق برادو يعني؟". إذ لم يكن قصي لوحده يلهو رافلًا بالهواء الطلق، بل كانت الحياة أيضًا تلهو معه عند ما يقود دراجته في دروب جبرة والصحافة وأزِّقة حواريها.

هنالك قوة نورانية كامنة في أجساد الشهداء لم يكن يراها مُحلِّقة إلى الأعالي سوى الموت. لذلك كان جمال الشهيد قُصي مقيَّاسًا للجسارة غير المسبوقة التي وازت بين قوة الجسد النورانية الكاشفة وقوة الموت الحُرَّ الذي لا يرتقي إلى مصافه إلا اللذين يفوقونه قوةً ونُبْلًا كشهداء ثورة كانون الأول/ديسمبر.

حتى المسافة بين أرض البراري، التي كان الشهيد قُصي مغرومًا بحركتها الثورية، وبين مسكنه في جبرة صارت تأتي إليها طائعةً مختارةً ولا يمشيها

لقد كانوا أجمل من الحياة وأنقى من النُبْل. وحدهُم من خَشَع النُبْل في محرابهم حتى تلاشى في حريق الأمل الموعود.

اقرأ/ي أيضًا: من سيغسل أيادي العسكر من دماء شهداء مجزرة القيادة؟

يحدث أحيانًا أن يلتقي الشهيد قُصي بأخته ندى في مظاهرةٍ ما أو موكبٍ ما، فينظران إلى بعضهما نظرة من يُلامس الحرية ويعيشها هنا والآن، ولا ينتظرناها كنتيجة حتمية أو كتتويج سياسي لسقوط النظام الإسلاموي الفاشي في بواكير نيسان/أبريل 2019. تقول شقيقته ندى: "أنا أصغَّر منه مباشرةً. كُنا بنتلاقي في المواكب. ما حصل طلعنا سوا". لقد جسَّرت نداءات الحرية وفعلها الثوري اليومي المعيوش في المظاهرات والمواكب فارق العمر وفيافي الأمل. وحتى المسافة بين أرض البراري، التي كان الشهيد قُصي مغرومًا بحركتها الاحتجاجية، وبين مسكنه في جبرة صارت تأتي إليها طائعةً مختارةً ولا يمشيها.

وبعد أن عُد الشهيد قُصي من المفقودين في أحداث فض الاعتصام ومجزرة القيادة، بينما كان جسده مسجي بكامل اخضراره اليانع في المشرحة طوال أربعة أشهر، أخذت ابتسامته تبحث عنه في كل مكان، تزور من واساهم وأحسن إليهم يومًا. وهو الذي تعَّهد لوالدته باكرًا، بعد أن فقد والده، بأنه عندما يعمل سُيخَّصص أوقافًا ثابتة من ماله الحُرَّ للمعوزين والمحتاجين. لم يكن الحرمان من الأب هو الدافع وراء ذلك، ولكن الحب الذي ادخره الزمن للمستقبل، إذ كان هو ووالده يمشيان مع الحب ويرافقانه في مشاويرٍ لا تنقطع عن الود والمحَّبة يشهد عليها من عرفهم وعاشرهم.

لكم كان بهيًا هذا الملاك الأخضر، وهو يُصلَّى الفجر مُتدثرًا بالشفق في ساحة القيادة، قبل أن يعود إلى بيته فيمكث ليرجع قبل الإفطار في رمضان.

كان من المؤلم أن يظل الإنسان الأخضر مسجونًا في جُثته التي مكثت في المشرحة طوال أربعة أشهر. "حتى ملامحه تغيَّرت"، تقول أمُّه. إن البشاعة التي ظلت تنهش وتتغذَّى من وسامته المسجاة في المشرحة، طوال هذه المُدة، حتى الموت كان يعافها ويعرض عن رؤيتها.

 ولكم تمَّنت والدته ألا ترى أمٌّ إبنها في هذا المنظر الذي لا يُحتمل.

لقد صار الموت خليله، بعد أن دلف طائعًا إلى جسده الهش الظليل وسكن، حتى تفتحت ورود الموت ونبتت حديقته التي أخذت تُغرِّد على فروعها العصافير وتُحلِّق ليل صباح في فضاء نومته الأبدية.

كان ذلك الجسد الأخضر مضيَّافًا، وهو يأوي الموت ويغويه بالنضارة الحُرَّة الجسورة. لذلك أقام الموت في جسده، ولم يقبُض روحه ويفرِّ هاربًا

ولكم كان ذلك الجسد الأخضر مضيَّافًا، وهو يأوي الموت ويغويه بالنضارة الحُرَّة الجسورة. لذلك أقام الموت في جسده، ولم يقبُض روحه ويفرِّ هاربًا. إن الجمال الأخضر والموت الحُرَّ صنوان لما لا يُضاهى أو يطوله إنسان أقل جمالًا من جمال شهداء ثورة كانون الأول/ديسمبر.

"أخضر..

قوس من النار والعشب..

أخضر..

صوتك..

بيرق وجهك..

قبرك..

لا تحفروا لي قبرًا

سأرقد في كل شبر من الأرض

أرقد كالماء في جسد النيل

أرقد كالشمس فوق حقول بلادي

مثلي أنا ليس يسكن قبرا

لقد وقفوا..

ووقفتَ..

لماذا يظن الطغاة الصغار

وتشحب ألوانهم

إن موت المناضل موت القضية؟

أعلم سر احتكام الطغاة إلى البندقية

لا خائفًا..

إن صوتي مشنقة للطغاة جميعًا

ولا نادمًا

إن روحي مثقلة بالغضب

كل طاغية صنم.. دمية من خشب"*

*المقاطع من مرثية الشاعر الراحل "محمد مفتاح الفيتوري"، للراحل "عبد الخالق محجوب".

اقرأ/ي أيضًا

بروفايل ثوري.. سلسلة كتابات لانهائية

في عيدها الأول.. لماذا تنتصر ثورة السودان؟