الخطاب النسوي في السودان.. التحديات والفرص

الخطاب النسوي في السودان.. التحديات والفرص

شاركت المرأة السودانية بفاعلية في ثورة ديسمبر المجيدة (مواقع التواصل)

ارتبط ظهور مفهوم الحركة النسوية بحركة التطور في الغرب، عبر عدة مراحل دعت لتحرر المرأة وإشراكها في الشأن العام. بدأت منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بالمطالبة بحق النساء في التصويت بالانتخابات. 

وسرعان ما تواصلت الموجات النسوية، إلى حين الوصول بالمطالبة بتجريم التحرش، والاغتصاب، والحديث عن العنف ضد المرأة.

كان للمرأة دور كبير في الحركة الوطنية منذ الاستعمار وحتى ثورة ديسمبر المجيدة

وظلت الحركات النسوية تناضل من موقعها جغرافيًا وثقافيًا لنيل الحقوق، مع اختلاف المطالب من بيئة جغرافية وإثنية إلى أخرى، وتتوافق جميع الحركات والخطابات النسوية على الحد الأدنى من المبادئ، منها السعي للمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ومكافحة العنف ضد المرأة وتوفير بيئة ومساحات آمنة للنساء.

اقرأ/ي أيضًا: لاجئات جنوبيات في السودان.. صدمات ما بعد الحرب

وفي السودان كان للمرأة دور منذ الاستعمار وحركة التحرر الوطني، وناضلت بالغناء والتعليم، وصولًا لثورة ديسمبر المجيدة، حيث كانت النساء هنَ الفئة الأكثر عددًا من حيث المشاركة في المواكب والاحتجاجات السلمية التي انتظمت البلاد. 

ومع ثورة ديسمبر، تعالت الأصوات النسوية الداعية لإتاحة المزيد من الفرص لمشاركة وتمثيل النساء، بهياكل السلطة المختلفة. إلى جانب الحماية من العنف الجسدي والنفسي. وسنّت الحكومة الانتقالية مجموعة من التشريعات المحلية إنصافًا للنساء، مثل إلغاء قانون النظام العام وتجريم ختان الإناث.

مع ذلك يواجه الخطاب النسوي، حملات مجتمعية شرسة، ونقدًا يقدم من مثقفين ومهتمين بالخطابات النسوية. وفي نيسان/أبريل الماضي تعرض موكب نسوي لحوادث اعتداءات وتحرشات من المارة، وجاء الموكب في أعقاب مقتل الطفلة "سماح" على يد والدها.

تحديات

يجد الخطاب النسوي نفسه مواجهًا بعدة تحديات ثقافية ومجتمعية، حيث تنطلق النسوية من عدة مدارس فكرية، منها المدارس الاشتراكية والماركسية، والإسلامية، والبيئية، والإسلامية. 

وتتباين انطلاقًا من هذه التوجهات، الأفكار والعقائد التي تحملها النساء، بناءً على خلفية المرأة الثقافية والفكرية. ما يجعل من الصعب تحديد هوية واحدة للخطاب النسوي، مع اتفاق جميع الخطابات النسوية على رفض العنف القائم على النوع، والمطالب العادلة التي ترفعها الكيانات النسائية مثل المشاركة السياسية للمرأة.

ثريا حبيب: نعمل على تفعيل وتعزيز مشاركة النساء بالانتخابات القادمة

وفي هذا الجانب تقول مسؤولة سكرتارية المرأة في تيار الوسط وعضو منسقية منسم، ثريا حبيب، إن المرأة السودانية كانت في صدارة العمل السياسي، في حين لم تصل مشاركتها السياسية للحد الذي ما تزال تطالب به. واصفةً مشاركة المرأة السياسية داخل الوزارات الحكومية بالضعيفة.

اقرأ/ي أيضًا: "بين نارين".. أقلية إثيوبية يهودية تلجأ إلى السودان

وتقول مسؤولة سكرتارية المرأة في تيار الوسط، إن العمل يجري حاليًا لتفعيل مشاركة النساء بالانتخابات القادمة، ووضحت لـ"الترا سودان"، أن مشاركة المرأة في الانتخابات الأخيرة بلغت (98)% من مجمل أصوات الناخبين. ودعت لتكثيف التوعية داخل أوساط النساء بعملية التصويت والانتخاب استعدادًا للانتخابات القادمة.

"استمعوا للخطاب النسوي بجدية"

يصف البعض الخطاب النسوي بالنخبوي والمنغلق داخل القاعات والأبواب المقفلة. في وقتٍ تجد فيه المرأة السودانية البسيطة نفسها محاصرة بعدة تحديات، مثل التحديات الاقتصادية وتوفير المتطلبات الأساسية من صحة وتعليم بصورة جيدة.

رئيسة اتحاد نساء السودان الجديد: نطالب بتفعيل دور النساء بمراكز اتخاذ القرار

وترى رئيسة اتحاد نساء السودان الجديد منال الأول، أن المفاهيم الشائعة حول الخطاب النسوي خاطئة ولا تساعد على الوصول لنتائج على المدى القريب.

وشرحت منال الأول حديثها بالقول، إن المطالب النسوية تتفاوت بتفاوت الوعي. وزادت بالقول: "المرأة محاصرة بعدة عوامل أهمها الوضع الاقتصادي"، وطالبت بتفعيل دور النساء بمراكز اتخاذ القرار، باعتباره مدخلًا لحل القضايا النسائية.

ودعت منال الأول الرجال للاستماع لصوت النساء، قائلة: "يمكن للخطاب النسوي أن يكون عنيفًا في بعض الأوقات، لكن "الطبطبة" لا تجدي نفعًا، لذلك نسعى لأن يسمعنا الرجال بجدية".

من يتلو الخطاب النسوي

ما يزال الخطاب النسوي موضع نقاش وجدل بين مكونات المجتمع المختلفة. وفي هذا الصدد يفيدنا الكاتب والناشط السياسي هشام الشواني بالقول: "النسوية محل نزاع بين التيارات الفكرية السودانية، نزاع في الرؤى والمسميات والمصطلحات المستخدمة والمرجعية الفكرية وهذا تشعب طويل".

اقرأ/ي أيضًا: لاجئات جنوبيات في السودان.. صدمات ما بعد الحرب

وزاد: "فاعلية وحضور النساء وخروجهن للفضاء العام، شرط حداثي قهري، والنقاش يدور حول كيف يخرجن؟ بأي هوية ثقافية واجتماعية سيخرجن؟ وما هي المرجعية الفكرية لذلك؟".

هشام الشواني: كان للإسلاميين دور كبير في خروج النساء وزيادة فاعليتهن، وذلك للاتصال الوثيق  بين الإسلاميين والثقافة السائدة

وتابع حديثه "كان للإسلاميين دور كبير في خروج النساء وزيادة فاعليتهن، وذلك للاتصال الوثيق  بين الإسلاميين والثقافة السائدة، مما مكَّن فئات ريفية ومن طبقات فقيرة للخروج".

وأضاف: "في المقابل سادت نوعية من الأفكار الليبرالية بخصوص النساء في طبقات مدينية وبرجوازية وأسر كبيرة، فجغرافيًا الاستعمار خلقت عالمًا مماثلًا لفكر المستعمر، ومن هذه الطبقة خرج وتبلور خطاب نسوي ليبرالي، مماثل لمؤسسات العالم ومدعوم منها ومرتكز على فكرها".

وبحسب ما يرى الشواني، فالنسوية مجال للصراع السياسي والطبقي -مجال يعكس صراع المشروع الوطني السوداني ذو الجذور المحلية، مع المشروع الليبرالي الذي تطور ليصبح مشروعًا عولميًا له السيادة.

ودلل على حديثه بالقول: "بعض المنظمات والهيئات العالمية تمارس دورًا وصائيًا على مجتمعنا، وظهر ذلك بشكلٍ سيء في التقرير الأخير حول قوانين الأحوال الشخصية.

 وبحسب الشواني، تحاول النسويات الليبراليات -وهنَ أقلية موظفة في المنظمات -على حد قوله- خلق صورة لمجتمعنا، باعتباره مجتمعًا وحشيًا كارهًا للنساء، وهن -والحديث للشواني- جاهلات بالسياق الموضوعي للتمظهرات الثقافية، ويقدمن حلول خاطئة. 

اقرأ/ي أيضًا: فيضان 2021.. ملامح مأساة متجددة

ويصف الشواني النسوية الحالية بالخطيرة على السودان، وعلل: "لأنها مدعومة من الخارج ومن النظام الجديد، وظهر في اللجنة التي شكلها وزير العدل بخصوص قوانين الأحوال الشخصية"، وأكد على أن القوانين لا تتغير بلجنة من أشخاص غير مؤهلين يفتقدون للشرعية.

تتعدد الكيانات النسائية في ساحة الفضاء العام في السودان وبناءً عليها تتعدد الخطابات النسوية والتوجهات

وختم حديثه بالقول "النسوية التي يعلو صوتها اليوم، نسوية ليبرالية تقوم على المنظمات، لا تمت بصلة لنساء السودان، هي خطاب فوقي يتمدد في حدود طبقية معينة، وهو جزء من الهجمة الثقافية على مجتمعاتنا".

وتتعدد الكيانات النسائية في ساحة الفضاء العام في السودان، وبناءً عليها تتعدد الخطابات النسوية. ومع ذلك فالنقاش حول ماهية الخطاب النسوي الحالي، تسهم في بلورة الآراء وتذليل نقاط الخلاف.

اقرأ/ي أيضًا

المرأة السودانية وحصاد 2020

في اليوم العالمي للشباب.. من يصنع المستقبل؟