"أضعتُ جسدي".. فن الفقدان وعذوبة الخسارة

أضعت جسدي (نتفليكس)

في فيلم الرسوم المتحركة "أضعتُ جسدي" يتحفنا المخرج الفرنسي جيريمي كلابان، في أولى تجاربه السينمائية؛ بفيلم متكامل. قصة الفيلم مقتبسة عن رواية للكاتب الفرنسي جيليوم لوران بعنوان "يد سعيدة"، كما شارك لوران في كتابة سيناريو الفيلم.

استغرق إنتاج الفيلم سبع سنوات بسبب صعوبة تسويق فيلم رسوم متحركة للبالغين، هذا التأخير أدى إلى تجويد الفيلم والعمل عليه؛ فأخذ يبعد عن الرواية أكثر و يتخذ عالمه الخاص بشكل موازٍ للقصة الأصلية. 

فيلم "أنيميشن" للكبار على غير العادة، يحتوي على كل شيء بالمقدار المناسب، هو عدة أنواع فيلمية جمعت في فيلم  واحد

فيلم "أنيميشن" للكبار على غير العادة، يحتوي على كل شيء بالمقدار المناسب. عدة أنواع فيلمية جمعت في فيلم  واحد، قصتان تدوران حول بعضهما، أبطالها "نوفل" الشاب البائس والذي يؤدي صوته في الفيلم "حكيم فارس"، يعمل في توصيل البيتزا ويفشل كل مرة في أداء المهمة، يعيش في ذكريات طفولته إلى أن يصادف غابرييل العاملة في المكتبة والتي تطلب بيتزا -بصل زيادة- حيث يفشل نوفل كعادته ويتحول هذا الفشل إلى فصل جديد في حياة نوفل، عندما يسأله الصوت القادم من الهاتف الداخلي للبناية: "هل أنت بخير؟ كيف ستخرج في هذا المطر؟". هذا اللطف الذي نعلم أن نوفل لا يجده في حياته، لا في عمله ولا في البيت، يحيله إلى مترصد يبحث عن صاحبة الصوت و مكان عملها حتى إنه يلاحقها في الشوارع. 

اقرأ/ي أيضًا: كوفيد-19 والنار وخيالات أخرى

إلى هنا تبدو القصة، قصة حب رومانسية عادية قابلة للحدوث؛ بل وقد رأيناها من قبل في الشاشة الفضية. لكن من الجانب الآخر، شريك نوفل في البطولة يد مقطوعة من المعصم، تولد أو تعود إلى الحياة من داخل كيس بلاستيك في مشرحة في مستشفى ما. أنت كمشاهد لن يسعفك الوقت لتستغرب هذه الولادة، سريعًا ما ستأخذك هذه اليد التي تتخذ شخصية آدمية بعنق وأطراف. ليبدأ فيلم الرعب في أسطح الأبنية، والمعارك مع الطيور البرية. ستخاف عليها من عبور الطريق السري، من فئران السكك الحديدية، ستخاف من لسعة النار، من الغرق، ستلتقط أنفاسك عندما تلتقط اليد أنفاسها وستشعر بقطرات المطر على جلدها.

لدينا اليد التي تجوب الطرقات ونوفل الذي تسير مغامرته الرومانسية بخطى واسعة ولدينا مشاهد الفلاش باك؛ نوفل يتذكر أبويه وطفولته المترفة بأحلام وخيارات واعدة بين عزف البيانو وأن يصبح رائد فضاء. لنصل إلى الحادثة التي فقد فيها كل شيء -تقريبًا- والتي ظل يندم عليها ويشعر بأنه هو سبب الحادثة هو ذبابة قدره. أما ذكريات اليد فهي عزف البيانو، اللعب برائد الفضاء.

صنع كلابان فيلم فانتازيا شديد الواقعية، ذكي، يشير إلى ما يريد دون التورط في أي نوع من الحمولات، فالذبابة -مثلًا- كرمز للقدر؛ لا تعرف إلى أين تسير. الذبابة صاحبة ذاكرة الخمس ثوان؛ ترسم حياة نوفل عبثًا. وكون أن نوفل من المغرب العربي، هذه المعلومة لم تؤثر على مجريات الأحداث. ويعلق كلابان في أحد لقاءاته الصحفية، أن الأصول المغربية لنوفل "كان اختيار واعٍ لأنه لا يلعب أي دور في مغامرته، في رأيي، سوف يستفيد العالم أكثر إذا ما كنا أكثر وعيًا بما نتشاركه، وأقل تأكيدًا على ما يميزنا مثل الأصل واللون" حتى لمهاجر من أصول عربية في فرنسا. كون أن أحداث الفيلم تجري في التسعينات، العالم الطاحن هو هو، لكن أقل هدوءًا من عالم اليوم الذي يحدث كل شيء فيه بضغطة إصبع، كان كلابان يحتاج اليد كاملة. فعالم اليوم الذي يشهد حراكًا وجدلًا كبيرًا في العالم الإسلامي وفرنسا إثر حادثة إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي ومقتل المعلم صامويل باتي، وما ترتب على ذلك من مقاطعات اقتصادية وحوادث دبلوماسية، واشتعال على منصات التواصل الاجتماعي، -تؤكد فيه هذه الأحداث ما أشار إليه كلابان بأن الاختلافات بين الناس، هي في الحقيقة لا تشكل أي قيمة سوى استخدامها لتوسيع الشقة بين بني الإنسان من المستفيدين من هذه الأوضاع، بعكس ما يمكن أن نحققه عبر إيجاد أراضٍ مشتركة نحقق فيها إنسانيتنا.

اقرأ/ي أيضًا: عالم ما بعد جورج فلويد

حرية في الخسارة

نتابع قصة نوفل العاطفية التي يفسدها بصراحته ليفقد غابرييل ليعود إلى مربعه الأول وتعود ذبابة القدر التي تلاحقه؛ فيفقد يده أيضًا في لحظة سهو، أما يده فتجده عائدًا من المشفى مبتورًا ومضمدًا. تحاول أن تعود فلا تجد سبيلًا؛ فتتوارى عن الأنظار و تراقبه دونها يمضي إلى ما ظنناه جميعًا نهايته، لكن نوفل يفوز أخيرًا على قدره، وذلك بالاتجاه نحوه ومباغتته بقفزة نحو ما بدا هاوية واتضح أنه حياة.

"أضعت جسدي" يذهب بالفقدان والخسارة في اتجاه مليء بالعذوبة

فيلم "أضعت جسدي" يذهب بالفقدان والخسارة في اتجاه مليء بالعذوبة؛ يذكرك بقصيدة إليزابيث بيشوب المعنونة بـ"فن الفقدان":

فقدتُ ساعة أمي. وخَمِّن!

حتى منزلي الأخير وما قبله

من بين ثلاثة منازل أحببتها.. خسرته

فنُّ الفقد ليس عصيَّاً على الإتقان.

فقدتُ مدينتين ساحرتين أحببتهما، وأعظم من ذلك

عوالم كنت أحتويها؛ قارة ونهرين

كم يهفو قلبي لذلك كله، لكنها لم تكن كارثة.

ستخرج من الفيلم في هذه الحالة، تعد الخسارة حزنًا عذبًا وإفساح مكانٍ للقادم، لكن الأهم، ستخرج من الفيلم وأنت تنظر إلى يدك.

اقرأ/ي أيضًا

فيلم "الحديث عن الأشجار" يستمر في حصد الجوائز السينمائية

تيريزا نيانكول مثيانغ.. أيقونة الغناء الثوري في جنوب السودان