كوفيد-19 والنار وخيالات أخرى

كوفيد-19 والنار وخيالات أخرى

مستجد من حلقة Men Against Fire

عندما أطل رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في الأسابيع الأولى من جائحة فيروس كورنا التي ضربت العالم، قائلًا "استعدوا لفراق أحبائكم" ارتعب العالم أجمع، كون أن التصريح نابع من أحد أهم الأنظمة الحكومية في العالم، بما يهب الجائحة اعتبارًا غير مسبوق، زاد درامية ذالك التصريح النبرة والملامح الواثقة والمودعة التي أعلن بها رئيس وزراء المملكة المتحدة ذلك.

ساد العالم جدلٌ أخلاقيٌ حول عزم بريطانيا تطبيق السياسة الصحية الاجتماعية "مناعة القطيع" التي يظهر أنها تقوم على مبدأ أن من لا تتوافر فيه شروط البقاء؛ فالنار أولى به

لم تمضِ أيام، حتى ساد العالم جدلٌ أخلاقيٌ حول عزم بريطانيا تطبيق السياسة الصحية الاجتماعية "مناعة القطيع" التي يظهر أنها تقوم على مبدأ أن من لا تتوافر فيه شروط البقاء؛ الصحة/المناعة/المقاومة، فالنار أولى به، بنفس الطريقة التي يعمل بها قانون الانتخاب الطبيعي، الذي لا يدرك ويأبه لقتلاه مثله مثل بطلنا الذي سنتحدث عنه في الأسطر التالية.

اقرأ/ي أيضًا: سكاكر البنات السرية.. دواء غانيات بنغلاديش الذي قد يعالج كورونا

في المسلسل البريطاني ذائع الصيت "Black Mirror" في الموسم الثالث الحلقة الخامسة التي حملت عنوان: "Men Against Fire"، يتفاجأ بطل الحلقة "المستجد" -الصفة العسكرية التي ستلازمه طوال الحلقة كاسمٍ له-  في نهاية الحلقة أن الذين خاض ضدهم أول مهمة عسكرية هم بشر عاديون مثله تمامًا، على عكس ما كان يرى، فقد قامت الجهات القائمة على التدريب والتأهيل لأداء هذا الفريق الأمني لمهامه، بزرع نظام إلكترو-بيولوجي، يقوم بتصوير الضحايا كأنهم كائنات قبيحة وشريرة، وحتى كلماتها يتلقاها الفريق الأمني كضجيجٍ غير مفهوم وعدائي ومزعج.

كانت تلك المجموعات، على قلّة حيلتها تحاول التواصل مع هؤلاء الجنود، الذين يرونها كأنها شرًا محدقًا بأصواتٍ قبيحة وهيئة أقرب للموتى الأحياء بأسنانهم البارزة، يروهم في هيئة فظيعة لدرجة تدفعهم لإطلاق النار وغرس سكاكين "السونكي" الملحقة بأسلحتهم القتالية، بلا أدنى رحمة، بل بشيء من الشعور بالراحة.

وفي إحدى المخابئ التي كان يلجأ إليها هؤلاء "الصراصير"، على حسب ما تسميهم السلطات الأمنية الرسمية، كان عددٌ منهم يعملون على تصنيع جهاز يرسل موجات كهرومغناطيسية، غرضها الأساسي هو التشويش على تلك الأجهزة المزروعة في عقول الجنود، حتى يتأتى للجنود رؤيتهم على حقيقتهم، بشرًا عاديين، يتحدثون لغة البشر، ولهم هيئة الناس.

كان ذلك المخبأ الذي يعمل فيه "الصراصير" على تطوير جهازهم، بيت راهبٍ ديني، الكائن الوحيد الذي قبل أن يحمي تلك الكائنات، معتزلًا العالم معهم، خوفًا وحذرًا من العالم الخارجي.


"الصراصير"

بدأت قصة "المستجد" حينما بدأ الجهاز الملحق بنظامه الإدراكي يختل، وذلك بعد أن غرس سكينًا في صدر "الصرصار" الذي كان يلوح بالجهاز في وجهه على أمل أن يراه المستجد على حقيقته، لكن لم يسعفه الوقت من ناحية فقضى نحبه، ومن ناحية أخرى استطاع التشويش على إدراك "دفعة" الذي بدأت مهارته القتالية في الاختلال، فأصبح يخطئ الهدف في تمارين الرماية.

لاحقًا يذهب المستجد في مهمة ثانية ضد الصراصير ليلحظ أول ما يلحظ بعدما وصل ميدان المهمة -بيت الراهب- أنه بدأ يشم رائحة العشب، ويحس بالتراب، ليسائل زملاءه المنهمكين في التخطيط للقضاء على "الصراصير" هل تلاحظون شيئًا غريبا؟ فيجيبه زملاؤه: لا، لا نحس شيئًا غريبًا.

اقرأ/ي أيضًا: زريبة ديم زبير.. من عمق تاريخ العبودية المهمل إلى قائمة التراث العالمي

تَمرّد المستجد بسبب أنه صار يرى القتل على حقيقته، قتل أناس عاديين، ليس كما يراهم زملاؤه، ورفض المستجد إطلاق النار على العدو، حتى أصيب بنيران صديقة من أحد زملائه الذين رأوا أن وقوفه ودفاعه عن "الصراصير" بمثابة خيانة، لتسعفه سيدة من الصراصير برفقة صغيرها إلى مخبئهم الكوخي في منطقة بعيدة قليلًا عن مكان الاشتباك، لتبدأ له هناك في سرد القصة.

"لقد بدأ الأمر منذ زمن، بدأ بالمسح، ثم الفحوصات الجينية، قالوا إن بنا داءً، ضعفٌ في دمائنا، قالوا إنه لا يمكن لنا أن نستمر". اسمي "كاترينا" وذلك هو "أيريك"، لكن أنتم تروننا مجرد صراصير.

كان المستجد غارقًا في الاستغراب وهو يستمع للقصة، حتى دخلت "فتاة المزرعة" من الجنود رفاق المستجد، وتطلق النار عليى المرأة والطفل الذي بمعيتها وتعتقل "دفعة" بوصفه خائنًا.

"فتاة المزرعة" هذه هي القائد للفريق الأمني الذي أوكل له القضاء على الصراصير بعدما اتهمهم سكان قرية بسرقة زاد غذائي. وكانت قد قالت في وقتٍ سابق، أثناء الأجواء الحماسية التي تنخرط فيها الفرق الأمنية قبل أي مهمة: "أنا صيادة.. هذا الأمر ضمن طبيعتي".

في غرفة اعتقال فردي، يدخل أحد الأشخاص القائمين على إدارة المنظومة الأمنية للمستجد ليعتذر له أنه في البداية لم يلاحظوا الخلل في "النظام الشامل" الخاص به، والنظام الشامل هو النظام الإلكترو بيولوجي الذي يزرع في عقول المتقدمين لهذه المؤسسة الأمنية في وقتٍ باكرٍ من قبولهم بها، بعد موافقتهم، وتتضمن هذه الموافقة حتى على نسيان هذا الاتفاق. وعلى طريقة الضابط الطيب، يخبره الإداري أن من قتلهم هم بشرٌ مثله، لكنهم البشر الذين يحملون في حمضهم الجيني كل القذارة، السرطان، أعلى ميول للجريمة، الانحراف الجنسي، متلازمة شوغرن، قائلًا إنه في الحرب العالمية الأولى تردد الجنود المستجدين في القتل في اطلاق النار على أعدائهم، (15) % هم فقط من وجدوا الجرأة لإطلاق النار، لترتفع النسبة لاحقًا بعد استخدام "النظام الشامل" لـ(100) %، حينما أضحى الجنود يطلقون النار على "بعبع" وليس بشرًا كما هم في الحقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: الحمر أبطالًا للدوري.. الآن فقط يمكن للعالم أن ينتهي

"هل تريد للأجيال القادمة ذلك؟ وراثة السرطان والتشوهات والأمراض؟" كان هذا منطق الإداري لـلمستجد.

تقول إحدى النظريات الخاصة بدراسة الأنثروبولوجيا أن الإنسان ليس إلا "قردٌ عارٍ"

تقول إحدى النظريات الخاصة بدراسة الأنثروبولوجيا أن الإنسان ليس إلا "قردٌ عارٍ"، بمعنى أنه انفك من الوراثة الطبيعية، التي تجعله مجرد نقلة أخرى في نقلات الطبيعة وانتخابها، في إشارة للغز الرغبات البشرية، الرغبة في تعمير الأرض، ومخالفة الطبيعة التي أنتجته وستفنيه بالضرورة.

بالتأكيد لم يلق رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أبو الطيب المتنبيْ، لكن لا يأخذني شك أن خواطرهما قد تطابقت، حينما صرّح جونسون تصريحه الجنائزي ذلك، والذي يحمل أصداءً من ما قاله المتنبئ:

وقد فارق الناس الأحبة قبلنا *** وأعيا دواء الموت كل طبيب

سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها *** منعنا بها من جيئةٍ وذُهوبِ

اقرأ/ي أيضًا

غير دوانج.. طفل الحرب الذي حمل أحلامه إلى هوليوود

فندق جوبا.. مخبأ الحاكم الإنجليزي للسودان "أثرًا بعد عين"