أزمة الدواء ..مرضى تحت رحمة

أزمة الدواء ..مرضى تحت رحمة "تجار الشنطة"

تعبيرية (Shutter Stock)

يختزل غالبية المرضى البحث عن الأدوية المنقذة للحياة بالتواصل مع "تجار الشنطة"، حيث يمكن شراؤها بسعر أعلى من أسعار الصيدليات بخمسة أضعاف، لكن بالنسبة للمرضى، السعر المضاعف أفضل من الندرة.

تكاد الصيدليات تضع تنويهًا على أبوابها بنفاد جميع الأدوية 

يمر القطاع الصيدلاني في السودان بوضع استثنائي، وتكاد الصيدليات تضع تنويهًا على أبوابها بكتابة عبارة "لا توجد لدينا أدوية" بسبب الأرفف الخالية بعد قرابة تسعة أشهر من جائحة كورونا، وأزمة اقتصادية أطاحت بالخطة الحكومية لتوفير الأدوية.

اقرأ/ي أيضًا: هيئة علماء السودان: رأي رئيس دائرة الفتوى مع التطبيع "شخصي" ولا يعبر عن الهيئة

وأدى عدم التزام مجلس الوزراء بتوفير (35) مليون دولار شهريًا لاستيراد الأدوية إلى شحها في الصيدليات وانتقالها إلى السوق الموازية، حيث "تجار الشنطة" يجوبون الأحياء لبيعها إلى المرضى بسعر مضاعف، إذ يتعين على الباحثين عن الدواء الموافقة على السعر والاتفاق مع "تاجر الشنطة" على المكان والزمان لاستلام الدواء.

بسبب شح الأدوية ارتفع سعر عقاقير مرض ارتفاع ضغط الدم من (30) جنيهًا إلى (200) جنيه تكلفة شريط يحتوي على (10)أقراص فقط، ويحتاج المريض إلى ثلاثة أشرطة منه شهريًا.

ولم ينجُ طالبو "البخاخات الرذاذية" لمرضى الحساسية من أزمة الأدوية، حيث عرضت شركة خاصة على الطبيبة الصيدلانية أمل عبد الفتاح، بيع (10) وحدات من البخاخ بقيمة (1600) جنيه، لتباع للمريض بـ(1700)، بينما يفترض أن تباع علبة البخاخ بسعر (520) جنيه وفقًا لتسعيرة مجلس الصيدلة والسموم الهيئة الحكومية المعنية بالرقابة على أسعار الأدوية.

وتقول أمل لـ"الترا سودان": "عرضت الشركة بيع البخاخ بسعر (520) جنيهًا تقيد على الفواتير، بينما بسعر (1600) جنيه يُتفق عليها بيننا شفاهة للتحايل على مجلس الصيدلة والسموم". وتضيف الطبيبة الصيدلانية: "أبلغت الشركة بعدم رغبتي في شرائها لأن العدم أفضل من السوق الموازية بالنسبة لي كطبيبة صيدلانية".

وانتشرت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ نهاية الأسبوع الماضي تحت وسم موحد "مافي دواء" أطلقها ناشطون وعاملون في القطاع الصيدلاني للضغط على مجلس الوزراء للتدخل والوفاء بتعهداته.

ومارست أطراف في السلطة الانتقالية والمعارضة ضغوطًا كبيرة على مجلس الوزراء لإقالة وزير الصحة السابق أكرم علي التوم في أيار/مايو الماضي، وذلك بالتزامن مع تحركات التوم لمواجهة جائحة كورونا، حيث اتهم من معارضيه داخل السلطة بعدم الوفاء بتعهداته بالقضاء على الفيروس الجديد إلى جانب عدم وفرة الأدوية.

بعد أربعة أشهر من إقالة أكرم التوم وزير الصحة السابق، تبدو الأوضاع في القطاع الصحي والصيدلاني أكثر حرجًا من ذلك الوقت، وربما كان التوم ضحية "لوبيهات" داخل السلطة الانتقالية.

وتُشير الطبيبة الصيدلانية أمل عبدالفتاح، إلى أن قطاعي الأدوية والصحة تعرضا إلى استقطاب سياسي حاد كان الضحية فيه المواطن الذي لا يجد الدواء حتى لو وافق على شرائه بأي ثمن.

وتتابع: "نحن نشعر بالأسى لمريض يأتي إلينا بحثًا عن الأدوية التي صرفها له الطبيب ولا يجدها. فمن بين كل (100) مريض (80) لا يحصلون على الدواء".

اقرأ/ي أيضًا: أمين حكومة ولاية كسلا يستمع لتنوير من لجنة المساعي الحميدة

وتواصل "الترا سودان" مع المجلس القومي للصيدلة والسموم للتعليق حول ظهور "تجارة الشنطة للأدوية المنقذة للحياة" وارتفاعها إلى أضعاف تسعيرة المجلس، لكن مكتب الإعلام طلب مهلة للرد على الأسئلة، مكتفيًا بوجود بلاغات لدى المجلس حول ظهور "تجار الشنطة".

حمل  مديرة إدارة الإعلام بمصنع "أميفارما" للأدوية، الحكومة مسؤولية شح الأدوية وتوقف بعض المصانع المحلية

فيما يُحمل مديرة إدارة الإعلام بمصنع "أميفارما" للأدوية، محمد إبراهيم الحاج، الحكومة مسؤولية شح الأدوية وتوقف بعض المصانع المحلية بعدم الوفاء بالتزاماتها التي بذلتها في شهر حزيران/يونيو الماضي بتوفير (15) إلى (25) مليون دولار للمصانع المحلية شهريًا لغرض استيراد المواد الخام.

ويكشف  الحاج لـ"الترا سودان"، عن ظهور وسطاء وسماسرة في مجال الأدوية، لدرجة أن مصنع "أميفارما" يبيع عُلبة الأميدول "باراسيتامول"، بسعر (33) جنيهًا على أن تباع بقيمة (40) جنيهًا للمريض في الصيدلية، لكنها تُباع بـ(200) جنيه، مشيرًا إلى أن سماسرة الأزمات يتربحون أكثر من المصنع نفسه، أي أنهم يحصلون في علبة الأميدول بـ(167) جنيهًا، بينما يحصل مصنع "أميفارما" على (33) جنيهًا، في العلبة رغم أن المصنع يتحمل مصروفات التشغيل والمواد الخام والعمالة والطاقة والضرائب. 

ويحذر الحاج من أن قطاع الأدوية وأسواقها في البلاد وقعت تحت سيطرة تجار الأزمات والسماسرة، وهذه المؤشرات بدأت نتيجة تشوه الاقتصاد الكلي إلى جانب ظهور جائحة كورونا التي رفعت أسعار الأدوية.

اقرأ/ي أيضًا: قصص مؤلمة في فضاء السجن الموحش ترويها مجموعة "فيد للفنون"

ويؤكد المتحدث الإعلامي باسم مصنع "أميفارما" محمد إبراهيم الحاج، توقف غالبية مصانع الأدوية عدا "أميفارما" بسبب عدم التزام الحكومة بتوفير النقد الأجنبي لاستيراد المواد الخام.

الموقف الحكومي فيما يتعلق بالأزمة الدوائية مرتبط بشح العملات الصعبة

وأشار الحاج إلى أن مصنع "أميفارما" فضل الاستمرار في الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلي، ويعتمد في استيراد المواد الخام بالعملات التي يوفرها من موارده الذاتية دون أي تدخلات حكومية.

ويدعو الحاج الحكومة وسلطات إنفاذ القانون إلى مراقبة تجار الشنطة وسماسرة الأدوية بمنع المضاربة في الأدوية، موضحًا أن الأزمة الدوائية قد تجعل بعض الصيدليات تفضل بيع الأدوية بالكامل إلى التجار بدلًا من بيعها للمرضى.

ويستبعد الحاج أن تكون الأزمة في الأدوية مقتصرة على شح العملات الصعبة، ونوه إلى أن الأدوية المتوفرة حاليًا تباع بسعر مضاعف لعدم وجود رقابة فعالة من الجهات الحكومية.

أما الموقف الحكومي فيما يتعلق بالأزمة الدوائية مرتبط بشح العملات الصعبة وعدم قدرتها على الوفاء بالتزامات شهرية وعدت بها شركات استيراد الأدوية بواقع (35) مليون دولار للاستيراد، و(25) مليون دولار للمصانع المحلية.

وأبلغ "الترا سودان" مسؤول من مجلس الوزراء مشترطًا حجب اسمه ويعد أحد المكلفين بمتابعة ملف الأزمة الدوائية مع الجهات المختصة، أن أزمة الأدوية مرتبطة بالاقتصاد الكلي الذي يعاني من شح العملات الصعبة، بالتالي ما لم ينهض الاقتصاد لا يمكن تقديم حلول مستدامة.

اقرأ/ي أيضًا: العقبات التي تواجه اتفاق السلام في السودان

وتُوضح هذه التصريحات التي تصدر من مسؤول بمكتب رئيس الوزراء، أن الأوضاع ربما تسوء أكثر لاحقًا في ظل تآكل قيمة العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازي وعدم تلقي السودان مساعدات اقتصادية.

مسؤول حكومي: نتوقع حل الأزمة نهاية الأسبوع لكن ليس بشكل مستدام 

ويضيف المسؤول: "لدينا حلول قصيرة الأجل بتوفير العملات الصعبة لاستيراد الأدوية، وبنهاية الأسبوع الحالي ربما تتوفر الأدوية، لكن لا يمكن تقديم ضمانات بتوفرها بشكل مستدام، لأن الأمر مرتبط بالاقتصاد الكلي".

اقرأ/ي أيضًا

شهود الاتهام في مجزرة الأبيض: قوة من الدعم السريع أطلقت الرصاص على الطلاب

هزة أرضية تضرب القضارف للمرة الثانية هذا العام