أزمة الدقيق في السودان.. حلول حول الخبز من خبّازيه

أزمة الدقيق في السودان.. حلول حول الخبز من خبّازيه

مخبز سوداني (Getty)

يذهب كثير من الاقتصاديين إلى أن معالجة التشوهات التي طالت الاقتصاد السوداني، توجب اتخاذ قرارات شجاعة تشمل رفع الدعم عن القمح ومشتقات الوقود.

الحلول المقترحة يمكن أن تسهم في خفض تكلفة أسعار  الدقيق، لحين تعافي الاقتصاد، وخروج الدولة من الممارسات الشائهة وعلى رأسها الدعم.

في المقابل، فإن الحكومة الانتقالية في البلد الذي يتلمس خطاه عقب شراكة جبرية بين المدنيين والعسكر، ما تزال متخوفة من ردة فعل الشارع إزاء خطوة كبيرة من شاكلة رفع الدعم عن طحين الخبز. فالثورة التي أطاحت بالدكتاتور عمر البشير "1989-2019" وإن توشحت بشعارات سياسية وقيم عُليا، الا أنها ابتدرت –في الأساس- باحتجاجات على شح وارتفاع أسعار الخبز، ما جعل كثيرين يذهبون لاحقًا إلى وصف الثورة السودانية بأنها "ثورة الخبز والكرامة".

اقرأ/ي أيضًا: الأسعار ستلتهم الأجور والدعم الموجّه للفقراء 1-2

وفي ظل انهيار شبه تام للعملة المحلية، وارتفاع غير مسبوق لتكاليف المعيشة، تدفع الحكومة القائمة اليوم، فاتورة التخريب الممنهج الذي خلفته سياسات النظام البائد، بما في ذلك الاستمرار في سياسة الدعم، وإن بخزينة شبه فارغة.

تعقيدات المشهد، لا تقتصر على الدعم الذي يقارب "100" ألف جوال يوميًا، ولكن في تنامي ظواهر تهريب الطحين، والتلاعب في الحصص والأوزان والأسعار كذلك، وصولًا إلى تحويل أغراضه من الخبز إلى المعجنات والحلويات.

 وفي ظل استمرار الدعم إلى حين ميسرة، نعطي "الخبز لخبازيه" في هذه المساحة لمعرفة أنجع الوسائل الرقابية التي تضمن وصول الرغيف إلى مستحقيه، لا سيما وأن الحكومة تصر على أن حصص الدقيق كافية، وأن الأزمات الحالية مفتعلة وغير حقيقية.

الرقابة الالكترونية

كشف شريف محمد عثمان، عضو لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير، وعضو لجنة السياسات بوزارة التجارة والصناعة، لـ "الترا سودان" عن خطة حكومية لفرض رقابة إلكترونية عبر السداد لأصحاب المطاحن، والوكلاء، وصولًا لمعرفة عدد جوالات الخبز التي تصل إلى المخبز.

نظرية شريف القائمة على المراقبة المالية، إذا تصلح حتى المخبز، ولكنها في حاجة إلى ضمانات بشأن التزام صاحب المخبز بصناعة كل الحصة المدعومة، وعدم التلاعب بها، أو تحويل أغراضها لصناعات بخلاف الخبز.

هنا يعود شريف ليكشف ملمحًا آخرًا في الخطة الحكومية يتصل بمراقبة المخابز "الأفران" عبر آلية شعبية تضطلع بها لجان المقاومة في الأحياء.

وتتراوح تجربة لجان الأحياء في مراقبة المخابز بين النجاح والفشل، إذ أن النتائج مبنية في الأساس على العوامل الشخصية، ومدى الألتزام والتفرغ، وهنا تبرز الحاجة الماسة لتحول المواطنين إلى عناصر للرقابة، ما يتطلب كثيرًا من الوعي، وغير قليل من الوطنية.  

الوسطاء يمتنعون

يعتقد سنهوري عيسى، وهو صحفي متخصص في الشأن الاقتصادي، بأن الأكبر العبء الأكبر  يقع على عاتق الحكومة في عملية فرض الرقابة على الطحين المدعوم. يقول عيسى لـ "الترا سودان" بضرورة إلغاء مرحلة الوسيط "وكلاء بين المطاحن والمخابز"، وبناء مستودعات حكومية للدقيق، تسلم ححص الدقيق المدعوم بناء على دراسات عن حجم الاستهلاك، كفيلة بمنع تسرب كميات كبيرة من الطحين المدعوم.

وبالفعل، فإن الحكومة تشكو من كون غالبية حصص الدقيق المهرب، تتم خلال المرحلة ما بين المطحنة والمخبز، وما أدّل على ذلك من الضبطيات العديدة والمتكررة للسلع المهربة على الحدود السودانية مع دولٍ جارة.

البطاقة الالكترونية

تذهب كثير من الآراء إلى أن حل أزمة الخبز تتم عبر تبني نظام توزيع عبر  "البطاقة الالكترونية". يقول محمد رضوان، وهو مواطن يقطن حي الصحافة بالعاصمة الخرطوم، إن حصر الأسر بالرقم الوطني، وتحديد احتياجاتهم من الخبز يوميًا، أمر كفيل بتوصيل الخبز لمستحقيه وإنهاء أزمة الخبز بلا رجعة.

ويقدر أعداد الأجانب في الخرطوم لوحدها بما يفوق 4 ملايين نسمة، يستمتعون بمزايا الدعم السلعي الذي تقدمه الحكومة للمواطن.

بيد أن البطاقة الإلكترونية قد لا تكون حلًا ناجعًا، فهناك حاجة ماسة لتوزيع المخابز بشكل جغرافي وربما بناء أخرى جديدة، أضف إلى ذلك تردي الخدمات الالكترونية وانقطاعات التيار الكهربي المؤثرة على خدمة الإنترنت والسداد الالكتروني وغيرها من الخدمات.

 

الخبز المخلوط

يرى آخرون أن أحد الحلول التي ربما تكون ناجعة جدًا في مسألة الرقابة، هي الدقيق المخلوط "القمح المخلوط بالذرة السوداني". يقول البروفيسور عبد القادر الأمين، وهو قيادي بارز في جمعية حماية المستهلك السودانية لـ "الترا سودان" بوجود بحوث بإمكانية إضافة 25% من الذرة السوداني  للقمح، وهو أمر له نجاعة كبيرة على المستوىيين الاقتصادي والصحي.

وينوه عبد القادر، إلى أن الدقيق المخلوط يحد من الإصابات بمرض السكر من خلال تقليل تناول القمح. وتمتد فعالية الدقيق المخلوط الاقتصادية، لخفض تكلفة استيراد القمح السنوية "740 مليون دولار" بنسبة الربع، كما يسهم في دعم المزارع المحلي.

وفي عنصر الرقابة يقطع عبد القادر بأن الدقيق المخلوط لا يمكن استخدامه لأغراض بخلاف صناعة الخبز، وبالتالي يغلق الباب تمامًا أمام تهريب الطحين المدعوم إلى خارج السودان، ويوقف استخداماته في صناعة المعجنات والحلويات.

حلول أخرى

خلافًا لما سبق من حلول، فإن هناك حلولًا أقل نجاعة كالحل الذاهب إلى خلط الدقيق المدعوم بمواد ملونة مما يسهم في عمليات الرقابة، زد على ذلك الدعوات إلى بناء مخابز مركزية بسعات عالية "مليون رغيفة في اليوم مثلًا". ويمكن للحلول السابقة أن تسهم مجتمعة ليس في إحكام الرقابة على الخبز وحسب، وإنما يمكن أن تسهم في خفض تكلفة أسعاره، لحين تعافي الاقتصاد، وخروج الدولة من الممارسات الشائهة وعلى رأسها الدعم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أبرزها البنك المركزي.. "إزالة التمكين" تتخذ إجراءات تطال مؤسسات حيوية

دهماء الاقتصاد السوداني وفرص نجاح الانتقال