أحمد الجابري.. سيد الاسم

أحمد الجابري.. سيد الاسم

الجابري

ليس من شك، أنّ تجربة المغني السوداني، أحمد الجابري [1934-1996]، واحدة من الالتماعات الفنية الباهرة في مسيرة غناء السودانيين، في عقود الستينات وما تلاها. وبالرغم من أنّ تجربته في الغناء لم تُنتج الكثير من الأعمال الغنائية بالمقارنة مع من بدأوا معه، إلا أنّها اختصتْ بالفرادة والتميّز، ما جعلها صداها يتردد إلى الآن. وحوّلها إلى ما يُشبه الشامة والعلامة البارزة في تجارب المغنيين السودانيين. واليوم، بعد أكثر من (24) عامًا على رحيله، ما تزالُ أغنياته في ذات الدرجة من السماع والاحتفاء عند السودانيين، وكأنها أُنتجتْ اليوم.

يتكئ الجابري على تجربة ثمينة بالأغنيات الضاجّة بالألم والابتسام في آن واحد

يتكئ الجابري على تجربة ثمينة بالأغنيات الضاجّة بالألم والابتسام في آن واحد. وبموسيقى بمقامات وسلالم الألحان السودانية والشرقية في آن واحد. وبمفردات تنتمي لما يُمكن تصنيفه بالعميق، ومفردات السوداني اليومي والعادي في آن واحد. والتحرك بين أعماله الخاصة، وأداء أغنيات الحقيبة بطريقته التي تخصه في آن واحد.

اقرأ/ي أيضًا: زيدان إبراهيم.. عندليب السودان الأسمر

وهنا تحديدًا في هذه المستويات من "آن واحد"، تتجلى قيمة تجربته، ما أهّل أعماله أن تتحرك في مستويات سماعية متعددة، ويجد فيها الكثيرون ما يجذبهم لتسليم أذن السماع والاندماج والتطريب. عندما يُغني الجابري، يغني بكُليّاته: بآلة العود الملازمة له؛ كثيرة الشجن. وبصوته الممتلئ بالشجن، وبأغنياته الشجن. وأداءاته الشجن. باختصار، وبحسب الراصدين لمسيرته وتجربته، فإنّ الجابري يُغني بجملة من الأداءات، والأصوات في وقتٍ واحد، وهو ما يبدو جليًا في محاولات الكثيرين تقليده. إذ يظهر عليهم جليًا المشقة الكبيرة التي تُصيبهم حين يحاولوا تأدية أغنيات الجابري بطريقته.

أغنياته التي أدّاها طوال تجربته، ثمرة ونتاج مشاعره وشاعريته في الحياة. يؤدي "ناس بتتعذب وحيدة/وناس بتنعم بالوداد"، فتنطلق الحكمة القريبة من الناس، ولا يلاحظونها. يغني "الرهيف قلبو بيعيش في شكو أكتر من يقينو/تستبيحو نظرة جارحة/تحترق في الحب سنينو"، وكأنما يُلخّص تجربته في الحياة ويعني نفسه.

والجابري نفسه بجانب أغنياته، فهو قصة. إصرارهُ على الغناء برغم رفض والده رجل الدين؛ قصة. ومكابدته في البداية مع الإذاعة وشروطها المتعسفة؛ قصة. وحرصه على التجويد في اختيار النصوص، وإتقان الألحان، والإتقان في أدائها حد التحليق في أعلى درجات الطرب؛ قصة. وعلاقته بأمه؛ قصة هي الأخرى.

علاقة الجابري بأمه؛ السيدة فاطمة الجابري، التي تسمى باسمها، فريدة وضاجة بالإنسانية ونُبل البُنوة، وحنو الأمومة. تحمّلت لأجله وإخوته، مأساة ابتعاد الأب، رجل الدين، لرأيه المتحسس في غناء ولده أحمد محمد عبدالله كُرمنّو، وهو الاسم الحقيقي للفنان أحمد الجابري. فعملت السيدة فاطمة الجابري، لأجل تربية أبنائها "دلاّليّة" تبيع الريحة، والأواني، والطواقي، والحمام.

وكان أحمد الجابري أكثر أبنائها محبةً وقربًا بها. يتفق المقربون منه بأنه كان يصنع طعامها بيده، طيلة الثلاثة عقود الأخيرة من حياتها. ولأجل تلك العلاقة، كان مفجوعًا برحيلها، حتى أعادته أغنية الصادق إلياس "حكاية ملام" للحياة مرةً أخرى.

بدأت تجربة الجابري، بنُضج في حي العرب الأم درماني، يوم أنْ وفّرت له المصادفات السُكنى مجاورًا لثلاثة أسماء لامعة في دنيا الكتابة الشعرية، والأداء المتفرّد: الشاعرين: عبدالرحمن الريح، وسيف الدين الدسوقي. والمغني: إبراهيم عوض. وكان التأثير واضحًا منذ البدء في تجربة الجابري بهذه الأسماء. وتعدى التأثير للتعاون الأول، حيث تغنى للشاعر عبدالرحمن الريح بأغنيته الأولى لهما: "الزهور بسمتْ لينا". ومن كلام الدسوقي بأغنيته الأولى بينهما أيضًا: "مافي حتى رسالة واحدة". ومنذها انفجرتْ أسماع الناس وانقادتْ إلى صوتٍ طروب متمكّن في الأداء، واضح القسمات، وممتلئ بالوسامة، اسمه: أحمد الجابري.

تتبدّى في ألحان أغنيات الجابري، تأثرهُ الباكر بالأغنيات التي تبثها سينما أم درمان، التي كان حريصًا على ارتيادها. وتظهر المقامات الشرقية في لحونه، بل وفي تقليده حتى لعدد من مطربي ذاك الجيل من المصرييين، أمثال: فريد الأطرش، الذي كثيرًا ما أدى أغنيته: "عطشان يا صبايا/دلوني على السبيل". عبقريته في هذه النقطة أنّه غنى هذه السلالم الموسيقية الشرقية، بما لا يُنفّر آذان غالب السودانيين؛ المتعوّدة على إيقاعٍ وسُلم واحد.

بل لم يقف الجابري، فقط على ما يُمكن تسميته حُسن تقديم الأغنيات المصرية والشرقية إجمالًا للأذن السودانية. فالشاهدُ أنّ الجابري نفسه، عكف على عددٍ من أغنيات الحقيبة، فأعمل فيها صوته، وطريقته التي تخصه في الأداء، وفي العزف على العود، فقدّمها بطريقته هو. وتقف على ذلك ثلاثة أغنيات تنتمي إلى فترة الحقيبة الغنائية: "يا رشا يا كحيل". "يا حليف الصون". و"سألتو عن فؤادي".

اقرأ/ي أيضًا: إعلان حالة الطوارئ الفنية.. وميثاق لحماية الفن والفنانين

تجول الجابري، طوال حياته الغنائية، في التعامل مع أكثر من (20) شاعرًا، أنتج خلالها أكثر من (50) أغنية، كل واحدةٍ منهن لا تقل على الأخريات من حيث سبك المفردة، وجزالة اللحن، وحُسن الأداء. يقف على قائمة هؤلاء بجانب عبدالرحمن الريح، وسيف الدين الدسوقي، كلٌ من: عوض جبريل، إسحق الحلنقي، محمد علي أبوقطاطي، والصادق إلياس.

في ذكراه الـ(14)، نتذكّرُ تجربةً وصوتًا، عصيّ على التكرار والاستنساخ

في ذكراه الـ(14)، نتذكّرُ تجربةً وصوتًا، عصيّ على التكرار والاستنساخ. ونتذكّر مغنيًا اسمه الجابري، صنع للسودانيين الكثير من المتعة والإلهام والشغف، واستحق معها أنْ يُسمى على واحدة من أغنياته: سيد الاسم.

اقرأ/ي أيضًا

تيريزا نيانكول مثيانغ.. أيقونة الغناء الثوري في جنوب السودان

بروفايل الوداع.. وردة ماركيز تُحلِّق إلى الأبدية