نظام التعليم بالسودان وترسيخ التفاوتات الاجتماعية

نظام التعليم بالسودان وترسيخ التفاوتات الاجتماعية

مدخل المكتبة الرئيسية بجامعة الخرطوم (Getty)

لعل تصريحات وزير التعليم السوداني عن امتحانات الشهادة السودانية كانت حجرًا صغيرًا حرك بركة مياة التعليم الراكدة منذ زمنٍ بعيد تحت ركام ادعاءات رسمية وشعبية بجودة نظام التعليم الثانوي العام في البلاد مقارنة بدول الجوار، على الرغم من أن الوقائع والنتائج يثبتان عكس ذلك. ولا يجب أن تفهم تلك الادعاءات التي تدافع عن نظامنا التعليمي إلا بكونها نوع من حيل الدفاع عن ذلك النظام من قبل طبقات وجماعات تتقاطع مصالحها واستمراره بكل سوءاته وأضراره. فمن المعروف أن التعليم هو أحد أهم أدوات الترقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمعات. وفي دولة مثل السودان نشأت على ركام استعماري، اهتم فيه المستعمر بإنتاج "أفندية" يعاونونه على إدارة مؤسسات الحكم؛ فإن السلطة والثروة تباعًا تم توريثها لطبقة الأفندية الأوائل الذي خلفوا المستعمر في جنته. والذين أخفقوا لاحقًا في تحقيق الحد الأدنى من متطلبات النهوض والتقدم بالسودان. بينما نجحوا في توزيع تركة المستعمر بينهم وحولوا البلاد إلى ركام وحرب، مطبقين المثل الشعبي الرائج "دار أبوك كان خربت شيل لك منها عود".

يعود سبب فشل النخب المتعلمة السودانية في قضايا إدارة البلاد وتنميتها إلى ما أسماه صديق أمبدة بالسلوك الريعي، والذي تدعي فيه النخبة استحقاقها دون غيرها للامتيازات المتوارثة

يعود سبب فشل النخبة المتعلمة السودانية في قضايا إدارة البلاد وتنميتها إلى أسماه صديق أمبدة في كتابه "قلم التعليم وبلم المتعلمين" بالسلوك الريعي، والذي تدعي فيه النخبة استحقاقها دون غيرها للامتيازات المتوارثة بحجة أنها اجتهدت لتحصيل تلك الامتيازات؛ بينما كسل الآخرين بالطبع هو ما منعهم من الحصول عليها. تجاوزًا للمصادفة التاريخية التى أفرزت النخبة المتعلمة وتجاوزًا للظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى نتجت عنها الفوارق في نسب الحصول على التعليم بين سكان مناطق السودان المختلفة. يتم تجاهل تلك الظروف عمدًا على الرغم من أن النخبة المتعلمة لعبت دورًا غاية في السلبية في هذا المنحى، بالتواطؤ والتماهي مع استمرار سياسات ونظم السلطة الاستعمارية المضرة بنظام التعليم؛ طالما ظلت امتيازاتها ومصالحها المتوارثة محفوظة لا تمس. ولذا فإن التشوه الذي أصاب نظام التعليم ونراه نحن اليوم قردًا، يبدو غزالًا وسيمًا في أعينهم.

اقرأ/ي أيضًا: كاد يمضي العام.. وثورتنا في طريقها إلى الدولة

كان واضحًا منذ بواكير استقلال البلاد، أن الفوارق التعليمية التى تخلقت نتاج سياسة الاستعمار هي قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت، بل وأنها انفجرت في وجوه آباء الاستقلال أنفسهم، بتمرد توريت في العام 1955؛ بينما كان السودان المستقل يتشكل. كان التعليم عاملًا حاسمًا في أزمة جنوب السودان. فالجنوبيون الذين كانوا يحتجون على نصيبهم الخجول من تركة المستعمر في بلادهم من وظائف دواوينية حكومية، هم كانوا بالأحرى ضحية نظام التعليم الاستعماري الذي تركز في شمال السودان متجاهلًا الجنوب؛ ما خلق فروقًا كبيرة في نسبة المتعلمين القادرين على الحلول مكان الموظفين الإنجليز في جهاز الدولة. فكان أن نال الجنوبيون عدد ستة وظائف فقط من بين (800) وظيفة نتاج تعامل النخبة حينها مع معايير وشروط المستعمر للترقي والاستيعاب في الخدمة المدنية كأمور نهائية غير قابلة للمراجعة والمعالجة، لتتوافق مع السياقات الاجتماعية والظروف السياسية والفروق التنموية التي خلقها المستعمر نفسه، فعملت سياساتهم المجحفة على تعميقها.

تم تجاهل مطالب الجنوبيين لأن النخبة الشمالية النيلية كانت أعلم منهم بشؤونهم، أو هكذا كانت ترى. كانت حجتهم لرفض مطالب الجنوبيين أنها كانت جهوية ومناطقية ولا تعزز الوحدة الوطنية؛ وهي مقاييس تفصلها النخب لتناسبها دون غيرها. لكن التعليم والمعرفة لا يمنعان الظلم والانحياز للمصلحة الشخصية، أو كما يقول المثل الشعبي "البيمسك القلم، ما بيكتب نفسو شقي". والمعرفة أيضًا لم تكن هي السلاح الأوحد في صراعات السلطة والثروة تاريخيًا في السودان، كان السلاح الناري أيضًا عاملًا حاسمًا، لذا لجأ كل من أحس بأن القلم قد ظلمه إلى حمل السلاح. كانت رصاصة توريت الأولى قاسية ومؤلمة ولكنها أيضًا كانت توفر على البلاد فاتورة الحرب، إن اتعظ آباء استقلال السودان أو اهتموا.

بعد أكثر من (60) عامًا من استقلال السودان فإن ولاية الخرطوم الآن تحوز دائما على ما يزيد عن (90%) من نسبة المائة طالب الأوائل في امتحان الشهادة السودانية الثانوية العليا، بينما لا يستطيع أوائل بعض ولايات ومناطق السودان الأخرى تجاوز درجاته التي أحرزها نسبة (85%) وهي نسبة لا توفر لهم خيارات واسعة للالتحاق بالجامعات، دون استثناء. يمنح نظام التعليم السوداني بعض الاستثناءات التي تؤهل بعضًا ممن لا يقعون داخل دائرة الاستحقاق، لتجاوز عقبة الالتحاق بالجامعات - الولايات الأقل نموًا، أبناء العاملين بالتعلم العالي، وأبناء الشهداء...إلخ - يتم توفيرها كامتيازات ممنوحة من الدولة، بينما هي في حقيقة الأمر حيلة للهروب من المسئولية الحكومية تجاه توفير فرص تعلم متساوية وبالتالي منافسة متساوية على فرص التوظيف والحصول على الوظائف والمكاسب والمراكز السياسية المرموقة. أي أنها حيلة لتكريس احتكار امتياز التعليم لطبقة معينة بتضييق معايير الترقي إليها واشتراط الالتحاق بقاطرة التعليم، بتحقيق ما حققته الطبقة التي راكمت الامتيازات تاريخيًا. ولأن لكل قاعدة شواذ. فإن المتسللين من أبناء هوامش السودان إلى قطار امتياز التعليم بفعل الحظ أو المصادفة، سرعان ما يتم احتواؤهم وإعادة إنتاجهم ضمن الحاضنة الاجتماعية للنخبة، وربط ترفعهم بامتثالهم لقوانين شبكة المصالح الاجتماعية السائدة، أما من يتمرد فيهم فعليه أن يستعد لمواجهة سيل من خطابات القمع المعدة مسبقًا.

من المعيب جدًا أن تكون العتبة الأساسية في سبيل الالتحاق بالنظام المدني، مصممة لترسيخ ومراكمة مصالح طبقية اجتماعية معينة

من المعيب جدًا أن تكون العتبة الأساسية في سبيل الالتحاق بالنظام المدني وبالتالي ضمان الترقي الوظيفي والاقتصادي والاجتماعي تباعًا مصممة لترسيخ ومراكمة مصالح طبقية اجتماعية معينة، بدلًا من العمل على توسيعها لتشمل الجميع. فالأقدر على إحراز نسبة عالية وبالتالي الحصول على خيارات مريحة للالتحاق بالجامعة هم الأغنياء القادرون على دفع النفقات المالية الباهظة للكورسات الصيفية والتعليم الخاص والأساتذة الخصوصيين، بينما يصارع أبناء الفقراء في ظروف تعليمية سيئة من أجل الحصول على نفس الفرص فتكون المحصلة النهائية هي اللا شيء.

اقرأ/ي أيضًا: "دهماء" الاقتصاد السوداني وفرص نجاح الانتقال

إن أمر التعليم العام في السودان لا يلزمه إصلاح سطحي يعيد تعبئة نفس الخمر القديمة في قنانٍ جديدة، بل يحتاج إعادة تصميمه من جديد اعتمادًا على دراسات واقعية تكون فيها المجموعات السكانية المكونة للسودان على اختلافها أرضًا للدراسة ومنشأً للحلول، بحيث يحقق نظام التعليم احتياجات المجتمعات المختلفة في سبيل ارتقائها وحصولها على فرص تنافس متساوية في النظام المدني، ويراعي الفوارق الاجتماعية بينها لإزالة التفاوتات.

 

اقرأ/ي أيضًا

لنستعِد فلسطين كما استعادت ثورتنا "كولمبيا"

النخب الإسلاموية في السودان.. الظالمون المتظلمون