12-نوفمبر-2023
جسر شمبات

في ولاية الخرطوم 9 جسور على النيل بالإضافة إلى جسر شمبات (Getty)

عقب إعلان نتيجتي في الشهادة الثانويَّة، في بداية التسعينات، اقترح عليّ أحد أصدقائي أن ألتحق بـ"الجيش". لم يضيع زمنًا ذلك الصديق، فتحرك بنفسه وأحضر لي أورنيك التقديم إلى الكلية الحربية، وأخبرني بأن له قريبًا من الرتب العليا في القوات المسلحة، وأنه سيخبره بأمري ليكون "واسطتي"، فالأمر مضمون. لم أكن أعرف ذلك القريب شخصيًا، ولم ألتقه يومًا في حياتي، ولم يكن "الجيش" ضمن خططي، إلا إن حسَبنا أحلام الطفولة المشتركة ضمن هذه الخطط.

في "جسر شمبات" وخلال المشي الطويل رفقة قريبي الصحافي المثقف، تنازلت طواعية عن فكرة الالتحاق بالقوات المسلحة

المهم، بعد أن استلمت الأورنيك، طلب مني صديقي وقريبي أن أرفع قليلًا من معدل لياقتي البدنيَّة، لأن اختبارات الكليَّة شاقة، وقد لا يحتملها جسدي النحيل. كنت وقتها أسكن قريبًا من "جسر شمبات" من جهة بحري، وكنت أبصر باستمرار أعددًا كبيرة من الرياضيين والرياضيّات والمواطنين وهم يركضون عابرين الجسر؛ منظر بديع يغري بالتريّض، لا سيما في الصباح الباكر، أو في الأمسيات لطيفة الأجواء. إذن، أتتني الفرصة لممارسة الركض على الجسر، عليّ أن أرفع من معدل لياقتي البدنية وأدخل هذه التجربة: عبور الجسر على قدميك ذهابًا وإيابًا ومن حولك يطوف العشاق في مسراهم السري، قريبًا من "جناين شمبات" المخضرة.

أكذوبة الطرق والكباري

كل من خرج من السودان إلى أقرب دولة مجاورة خلال فترة حكم "الإنقاذ" اكتشف تلك الكذبة التي كان يروج لها الإنقاذيون، أنهم اشتغلوا بجديَّة على البنية التحتيَّة للسودان –يعنون الخرطوم– وأنهم شيدوا مئات الطرق وعشرات الجسور على النيل الرئيس ورافديه الأزرق والأبيض، وخارج الخرطوم في مختلف الولايات. ستكتشف إن زرت العاصمة السعودية الرياض مثلًا، أن ما يسميه الإنقاذيون "الطرق والجسور" لا تعدو أن تكون وسيلة من وسائلهم الفاسدة لتجنيب الأموال ونهبها عبر عصاباتهم المتعددة التي تسمى "شركات"، وتنتشر كالسرطان في كل مجال حيوي، لتفسد وتخرب و"تلهط" ملايين الدولارات باسم التنمية.

https://t.me/ultrasudan

طوال (30) عامًا لم تحدث حكومات المؤتمر الوطني المختلفة أي تغيير حقيقي على مستوى البنى التحتية، ولم يلمس السودانيون أي تقدم حضاري يرتقي بحياتهم إلى حال أفضل مما كانوا عليه قبل "الإنقاذ" المزعوم. طيلة هذه السنين الثلاثين البئيسة، ظل السودانيون يواجهون الخريف في كل عام وهم على خوف ووجل من السيول والفيضانات؛ فالمدن بلا تصريف هندسي أو متابعة طوارئ حقيقيَّة، والقرى والبوادي متروكة لرحمة السماء، هطل المطر غزيرًا أم لم يهطل. أما تلك الشوارع التي كان يباهي بها الإنقاذيون، فقد تحولت في غضون سنوات قلائل إلى طرفة ونكتة بأفواه المواطنين المساكين، فـ"حكومة الشوارع" وهبتهم شوارع "مضروبة"، الإسفلت فيها من الدرجة الثالثة –وقتها السودان دولة نفطية– مشغولة بأقل درجات الأمان والجودة، أما الجسور فتلك المأساة بعينها، وعودة سريعة إلى أخبار نهاية حكم الإنقاذيين ستوضح ذلك؛ فأطفال المدارس عند النيل في الشمال كانوا يموتون غرقًا في رحلة ذهابهم إلى المدارس، لأن وسيلة نقلهم هي "المراكب الشراعيَّة"، فلا جسور شيدت لعبورهم وأمانهم، ولا يحزنون.

الأبقار تعبر الجسر

إذا صادف وتأخرت يومًا في عبور "جسر شمبات" في الاتجاهين إلى أن يليل الليل ويقترب الفجر، فتأكد أنك لن تعبر بسهولة، وستتأخر دقائق ربما تمتد إلى ساعة، فالوقت لعبور الأبقار! مئات الأبقار والثيران تعبر يوميًا الجسر من جهة مدينة أم درمان باتجاه مدينة بحري، تعبر متمهلة غير عجلى، تتحرك في نظام وهدوء، والرعاة النحيلون النشيطون ينتشرون من أمامها وورائها ومن على يمينها وشمالها، يوجهونها لتمضي في الطريق المرسوم نحو "الإنتاج الحيواني" في "حلة كوكو"، وإلى مسالخ "الكدرو"، وإلى مصيرها الاقتصادي المحتوم في التصدير إلى دول الخليج ومصر وبلدان أخرى. ملايين الدولارات ذات الخوار الجميل تمضي متمهلة لتقطع الجسر، والقليل من الناس المتأخرين في ذلك الليل يقفون في انتظار عبورها يتأملون هذا الثراء المقدس.

بعد أن تعبر الجسر والموانئ والبحار، إلى أين كانت تمضي عوائد ثروتنا الحيوانية؟

عليّ وعلى أعدائي

تسابق يوم أمس السبت –11 تشرين الثاني/نوفمبر 2023– كل من إعلام القوات المسلحة والدعم السريع في إصدار البيانات المنددة باستهداف "جسر شمبات" وضربه بالمتفجرات وتكسيره وهدمه. وبالطبع حمّلت بيانات الإدانة من كل طرف، الطرف الآخر مسؤوليَّة ضرب الجسر: "في إطار مشروعها التدميري لمقدرات البلاد (..) قامت المليشيا المتمردة فجر اليوم السبت بتدمير كبري شمبات الرابط بين مدينتي أم درمان وبحري"، مثلما جاء في بيان القوات المسلحة، وإن "مؤيدي النظام المعزول ظلوا يطالبون قائد الجيش بتدمير جسر شمبات وإنه لبى اليوم مطالبهم بدلًا من اعتقال قادتهم الذين أطلق سراحهم من السجون لقيادة حرب الـ 15 من أبريل التي أشعلوها من أجل العودة إلى الحكم"، حسب ما ذكر بيان الدعم السريع. لكن من المستفيد حقيقةً من ضرب الجسر وتدميره؟

جسر شمبات بعد تدميره جزئيًا
جسر شمبات بعد تدميره جزئيًا

قبل شهرين أو ثلاثة، انتشرت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب الجيش بضرب "جسر شمبات" لعزل قوات الدعم السريع المتمركزة في مدينة بحري عن قواتها الأخرى المتمركزة في أم درمان، والأهم عزلها عن طرق الإمداد التي تربط قوات أم درمان بالقوات الأخرى المتمركزة في معسكرات دارفور أو كردفان، أي أن ضرب الجسر –حسب رؤيتهم– سيعجل بهزيمة القوة الرئيسة الموجودة في بحري، وهي قوة ضاربة، تمثل العمود الفقري لقوات الدعم السريع المنتشرة في ولاية الخرطوم. فهل استجاب الجيش لهذه الدعوات ونفذ "العمليَّة"، لا سيما أنه تعرض خلال الفترة الأخيرة لهزائم كبيرة في دارفور وكردفان والخرطوم نفسها، أشدها وقعًا سقوط حامية نيالا، أم أن الدعم السريع هو من نفذ "العمليَّة" حسب ادعاء الجيش، وهنا سيكون مبرره الإستراتيجي الوحيد هو توريط الجيش –الأقرب إلى التنفيذ– وإدانته أمام العالم وأمام السودانيين قبلهم، لتقول: "ها هي القوات المسلحة تخرب في السودان وتدمره وليس نحن، وإلا فما هي مصلحتنا في تدمير جسر يخدم المواطن المسكين". إذن، يبدو الأمر من الجهتين –الجيش والدعم السريع– وكأنه استعادة هزليَّة لمقولة شمشون: "عليّ وعلى أعدائي".. ليقع الجسر وليحدث ما يحدث!

الركض في جسر العشاق

ربما لشهر أو أكثر، مارست الركض اليومي في "كبري شمبات". وفي مرات كثيرة كنت أعبر الجسر برفقة قريب يعمل صحافيًا، صارحته برغبتي في الالتحاق بالقوات المسلحة. كنت خلال الركض خفيف الوقع أنتظر تلك اللحظة التي تحدث عنها كولن ولسون في كتابه السيري "رحلة نحو البداية"؛ تلك اللحظة التي تحس فيها أن تيارًا لطيفًا ومنعشًا من الهواء يضرب صفحة وجهك؛ وهي اللحظة نفسها التي ستحس فيها أن جسدك صار خفيفًا مثل ريشة، وأن بإمكانك الآن أن تركض إلى نهاية العالم، بل إلى ما لا نهاية من دون أن تحس بالتعب أو اليأس، إنها لحظة "التحقق" التي عناها كولن ولسون وهو يتحدث عن عبوره المبكر جسر الشهرة وتموقعه وسط كبار الكتاب وفلاسفة ذلك الأوان الستيني العظيم.. أوان بناء "جسر شمبات" المغتال.

في الجسر، خلال المشي الطويل رفقة قريبي الصحافي المثقف، تنازلت طواعية عن فكرة الالتحاق بالقوات المسلحة. كنا نتحاور كثيرًا ونضحك كثيرًا –خلال عبور الجسر– ونحن نرسم السيناريوهات في حال تخرجي ضابطًا في الجيش. يقول قريبي مدعيًا الجديَّة: "الأفضل منذ الآن تجهز بيانك الأول!". ثم يضيف: "لا فائدة من الالتحاق بالجيش إن لم تقد انقلابًا.. الجيش للانقلابات". وبرفقته –خلال المشي المتمهل– تلونا بيانات وبيانات، ساخرة وضاحكة ومحزنة: "أيها الشعب السوداني البطل.. إن الثورة...".