(Getty)

تعلَّق الفرح في ذاكرتنا بالعيد، وكذلك الجمال والبهجة؛ فنقول وجهٌ بشوشٌ كصباح العيد، وفرحٌ كفرح الأطفال صباح العيد، ونتذكر عيدًا لا يعرفه أطفالنا الآن، عيدٌ كان يدق فيه فوجٌ من رجال الحي كل الأبواب بفرحٍ وبشاشة، تتسابق فيه قطع الحلوى لتبارك نفسها بين أيديهم، كأنهم ملائكة رحمة، يرتدون الجلابيب والعمم البيضاء، يستقبلهم البخور، لا يجلسون، هم فقط في عجالةٍ يتأكدون من دخول العيد إلى كل البيوت، وكأنهم أمراء الخير، أنا أذكر أصواتهم الجهورة، المفعمة بالمحبة والحياة، لكن هذا العيد الذي تعلَّق بذاكرتي متدثرًا بتلك العمائم، لن يعود، فقد شاخوا، ثم احتضنت الأرض كل تلك البشاشة، وغابوا وما غاب الأثر، رحمة الله عليهم، كم مسحوا على رؤوس اليتامى، وكم سعوا على جبر خاطر الأرامل والأيامى، كانوا أهلنا حين رحل الموتى وطال غياب المسافرين... رحمة الله تغشاهم*.

"تلك مدائنٌ لا يضيع بها محبٌ، ولا يملُّ القلبُ الشوقَ إليها، نورٌ وسلامٌ من سيد الأنام وصحبه الغرّ الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام"

لسنوات بعدهم أصبح العيد يأتي متأخرًا، صلاة عيدٍ على عجلٍ، وتُغلق الأبواب، ينام الناس نهارًا، ثم مساءً ترن الأجراس. قَلَّ تفقُّد الجيران، وأصبحت الأحياء بلا كبار يتفقدون الصغار، وبلا صغار يوقِّرون الكبار، أبوابٌ مغلقة، ومجتمعٌ متحضر، ترنّ فيه الأجراس مساءً بعد موعدٍ مسبق، سلامٌ على عجلٍ أو حديثٌ على مهلٍ؛ كل شيء مرتب، بلا لهفةٍ ولا دهشة، وكثيرٌ من الرسائل المحوَّلة تحمل التهاني عابسةً كسولة كأنها جاءت توقِّع مُرغَمةً على دفتر حضورٍ في صباحٍ شتوي بعد أن أصابت بعض دفء القهوة، أقصد بعض فرح العيد!

اقرأ/ي أيضًا: معارك بعض النساء!!

بينما تُدافِع الذاكرة عن عيد أصحاب العمائم البيضاء، وضجيج ساحات اللعب المفتوحة، ضَحِكًا ومَرَحًا، تتدافع أعياد عَلِقنا فيها غرباء في مدنٍ لا تعرفنا ولا تُميز بين ابتساماتنا ودموعنا، لا تبالي بخوفنا ولا رَهَقِنا، وعَلِقنا في مدنٍ مهما كنت غريبًا تحضنك أرضها كأنها أمك، وتشعر بِقبْلَة شمسها على جبينك عند الشروق ناعمةٌ ولطيفةٌ كقُبَل الأطفال، تلك المدينة المنوّرة مثلًا، أذكر أنه في أول سفرٍ لي تهت صباح العيد في المدينة المنورة، فما شعرت بشيء سوى أني آمنة، وأنه العيد يشرق على القلب فرحًا ومحبة، حتى أني اشتريت علبة حلوى واعتبرت الشارع بيتي، تلك مدائنٌ لا يضيع بها محب، ولا يمل القلبُ الشوقَ إليها، نورٌ وسلامٌ من سيد الأنام وصحبه الغرّ الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام.

وها هو عيدٌ جديدٌ يأتي ليكسر رتابة الأعياد السابقة، يسابقها في الأشواط الأخيرة دون سابق إنذار، كحصانٍ متوحشٍ لم تروِّضه الإنسانية بعد ولم يَأْلفه البشر، ليضع ذكرياته في المقدمة؛ عيدٌ في زمن وباء كوفيد 19، وباءٌ حرمنا التأخر العلمي حتى من تسميته باسمٍ عربي، ظهر عند غيرنا، وذبح الآلاف عقيقة اسمه في بلاد الصين؛ ولكن بسببه ها نحن الآن في عيد لن يرن فيه جرس الباب، وستزيد الرسائل المحوّلة، وأجراس الهواتف، لكنها ستحمل هذه المرة قدر لهفة ودهشة، شوقًا وتقديرًا للنعمة، فَرَحًا بأنك ما زلت تملك من تهنئهم بالعيد، تحمد الله على أن قائمة أصدقائك ما تزال كاملة، ولم يتصيد سهم "كوفيد" أحد أقربائك، أو ربما أنت الآن مذهولٌ لأن هاتفك للأسف لا يتوقف عن الرنين حاملًا أسماء المعزِّين ومزدحما برسائل المواساة.

نحن الآن أمام عيدٍ مفتوحٍ على بوابات الترقب والهلع والحزن، تعجز فيه عن مغادرة بيتك، وأنت موفور العافية مخافة أن تقتل من تحب ذات سلام أو عناق، وقد تعجز عن أداء واجب العزاء أخذًا أو عطاء. نحن أمام عيدٍ يبحث فيه الصغار عن ما اعتادوه مثل مدينة الألعاب، وأموال العيديات من الأجداد والجدات، يبحثون فيه بشوقٍ عن أندادهم من الأقرباء الذين ما كانوا يرونهم إلا في الأعياد، يبحثون عن البالونات والحلوى والضحكات العالية والوجوه الباسمة، فلا يجدون غير #خليك_في_البيت، فنراهم يذوون أمام أعيننا، ويبكون ويصرخون، ويكثرون الطلبات، هم في الواقع لا يكثرونها، هي هي لكن البسطَ غلبَ المقامَ في القسمة بعد أن كان المقام يسع كل من يُحبهم ويقرب لهم، والآن قد بَعُدت الشُّقة وطال الأمد. سيظل هذا العيد عالقًا بذاكرتنا وذاكرة هؤلاء الصغار بمسرة اجتماعهم سويًا، وبمسرة بنائهم ذكريات مشتركة مع والديهم وأشقائهم وقد كادت رحى الحياة تسحقها، فرُبَّ ضارة نافعة.

اقرأ/ي أيضًا: الفيروس النيوليبرالي المُعوَّلم

آلاف منا عَلِقوا في المطارات والمدن الغريبة، وهم أولاء مع مضي الوقت يتعلمون أشياءً جديدة، ويتعرفون على أنفسهم من جديد، ويجدون الوقت للتفكير في ما تبقى من أعمارهم، مع الأيام والشهور تزداد قوة التحمل وتنقص، وينفد الصبر ويتجدد؛ وبقدر ما هي تجربةٌ تشبه فتنة (تنقية) الذهب بالنار، بقدر ما هي تجربة تكاد تكون قاتلة من شدة المشقة على المرضى وكبار السن، ولعل هذه الأيام خير أيامٍ نتذكر فيها أن لابن السبيل حقٌ في مال الزكاة (فرضًا لا منةً ولا تفضلًا) ثم إن له حق الكرم والمروءة وحسن الضيافة، وأن تتذكر الدولة أن من واجبها توفير سكنٍ لائقٍ وعلاج لمن تقطعت بهم السبل، واشتدت عليهم وطأة السفر.

سبحان من جعل، بعد آية فرض الصيام وبشارة رمضان، آيةً كريمةً تستحق عيدًا منفصلًا: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعي إذا دعاني"

مع كل هذا سنتذكر أن لعيد الفطر فرحته، فرحة الصائم بنعمة تمام رمضان، وفرحة المسلم صائمًا كان أو مفطرًا بتعظيم شعائر الله، وهل من رحمة أكبر من أن يجعل الفرح من شعائر عبادته؟! تكبيرات العيد مرتبطةٌ عندي بقوله تعالي: "ولتكبروا الله على ما هداكم"، فالله أكبر من كل هم، والله أكبر من كل عزم، والله أكبر من كل كبير، "ولعلكم تشكرون"، نصوم ونشكر الله على أن هدانا للإسلام ويسَّر لنا الصيام، وغافل من ظنَّ أنه صام بقدرته ورغبته، فما من عبادةٍ تؤديها أو خيرٍ تفعله إلا وأنت مُنازَعٌ بين هوى النفس، وخطوات الشيطان، وتيسير الله، وأمر الله غالب، فنسأله الهداية والوقاية من الفتن. وسبحان من جعل، بعد آية فرض الصيام وبشارة رمضان، آيةً كريمةً تستحق عيدًا منفصلًا: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعي إذا دعاني"، سبحانك ربي ما أكرمك! كبِّر الله واشكر له وسَل تُعطى، على الفور وإلى الأبد... "أجيبُ" فعل مضارعٍ مستمر، الدعاء الذي جاء في أفضاله: أنه مخ العبادة، وأنه لا يَرُد القضاءَ إلا الدعاء، وأن ما من دعوة إلا وهي بين أحوالٍ ثلاثة: تُقضى حالًا، أو ترُدّ قضاءً وتدفع بلاءً، أو تنفع صاحبها يوم القيامة، فسَلْ تُعطى، وإذا سألت فقد سألت كريما، وإذا فوّضت أمرك فقد وكَّلتَ به عليما، لذلك جاء في جواب الذين قالوا: "اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذاب النار" "أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب"؛ فاترك التفاصيل لمدبر الأمر في السماوات والأرض، فهو لطيفٌ خبير... وتذكر قول صاحبنا الأعرابي: "عَرَفْتُ الله بنقضِ العزائم"!

 * إلى روح آبائي الجيران ذوي القربي عم عبد الصادق وعم عبد الجليل.

اقرأ/ي أيضًا

الصادق سمل والصفح.. هل من عدالة؟

تخليص الإبريز في تلخيص باريز.. والكورونا والأفندية