عرض مفصل لكتاب

عرض مفصل لكتاب "أحمد أبوشوك" المعنون: "الثورة السودانية"

كتاب "أبوشوك" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في شباط/فبراير 2021، كتاب البروفيسور السوداني "أحمد إبراهيم أبوشوك" بعنوان: "الثورة السودانية (2018-2019).. مقاربة تحليلية توثيقية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها"، ويأتي الكتاب ضمن مشروع التحول الديمقراطي ومراحل الانتقال بالوطن العربي، -الذي دشنه المركز في العام 2016، ويهتم المشروع ببحث حالات التحول الديمقراطي في البلدان العربية وتحليل إشكالياتها المختلفة النظرية والسوسيولوجية والسياسية، فضلًا عن قضايا الحكم الرشيد، وإدارة شؤون الدولة والمجتمع، وقضايا المواطنة والمشاركة السياسية، والتطور الدستوري، والقضايا المتعلقة بأدوار الفاعلين السياسيين، والتنمية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي، وتأثير العوامل الإقليمية والخارجية. ويقول المركز العربي عن سلسلة دراسات التحول الديمقراطي التي صدر ضمنها الكتاب إنها تعمل على: "اجتذاب البحوث النظرية والتطبيقية التي تطرح رؤى لفهم مسارات التحول الديمقراطي بمقاربات مقارنة وبالاستفادة من التجربة العربية".

يقع الكتاب المصدر بإهداء لشهداء وجرحي الثورة والمشاركين فيها من النساء والرجال، في (629) صفحة، ويتكون من سبعة فصول، يسبقها تقديم ضافٍ بقلم المفكر العربي "عزمي بشارة"

تقديم للكتاب وتنظير

يقع كتاب أبوشوك الذي يصدره بإهداء لشهداء وجرحي الثورة والمشاركين فيها من النساء والرجال، في (629) صفحة من القطع الكبير، ويتكون من سبعة فصول، يسبقها تقديم ضافٍ بقلم المفكر العربي "عزمي بشارة" حمل التقديم عنوان: "تحديات بحجم السودان وثورته" ويقع التقديم في (12) صفحة، يشير فيه مدير الركز العربي للأبحاث الدكتور عزمي بشارة، إلى ما أسماه افتتاح السودان الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، حيث تبعتها ثورتي الجزائر ولبنان اللتان اندلعتا بعدها ورافقها الحراك الثوري ضد ما يصفه بشارة بـ"نظام المحاصصة الطائفية والفساد في العراق".

اقرأ/ي أيضًا: غياب المجلس التشريعي ومخاوف تعثر الديمقراطية في السودان

ويشير "عزمي بشارة" إلى أن المؤلف لم يرد للتقديم أن يكون عرضًا للكتاب كعادة تقديمات الكتب، وقال إن أبوشوك أصر أن يكون التقديم بمثابة طرح وتقديم أفكار عن الثورة السودانية مآلاتها في المرحلة الراهنة.

ويصف التقديم عملية التوثيق للثورة السودانية بأنها ليست عملًا سهلًا وإنما تتطلب وجود حوافز إضافية بخلاف متطلبات العمل البحثي العادي، أهمها بحسب كلمات عزمي بشارة انتماء الكاتب إلى ما يكتب عنه، لا كمنتم للشعب وقضيته العادلة فحسب، بل وبانتماء المؤرخ بحرفيته في الكتابة عن وقائع ما تزال تتشكل ولم تنضج أو تظهر نتائجها بعد، واصفًا العمل الذي قام به أبوشوك بأنه في غاية الأهمية، مع الاعتراف بأنه غير مكتمل كأي عمل أكاديمي آخر.

ويذكر عزمي بشارة أن الموجة الثانية من ثورات الشعوب العربية التي افتتحتها ثورة ديسمبر المجيدة اتسمت بعاملي السلمية والانضباط بالرغم من حالة القمع غير المسبوقة خصوصًا لثوار السودان والعراق، واصفًا الثورة السودانية بأنها امتازت بالتنظيم الفائق وحظيت بوجود قيادة سياسية مجربة تولت قيادتها والتحدث باسمها منذ بداية شهرها الثاني. مذكرًا بمحاولة الشعب السوداني الانخراط في الموجة الأولى للربيع العربي إلا أن القمع الشديد الذي واجه به نظام البشير محاولة الانتفاض الأولى أدى إلى إطفاءها في مهدها، ويذهب بشارة إلى أن ثورة ديسمبر استطاعت أن تجاوزت محاولة الانتفاض السياسي والاجتماعي الأولى وتحولت إلى ثورة شاملة. ملخصًا مهام ثورة ديسمبر في ثلاث نقاط انجز منها اثنان هما إطاحة البشير وفرض الوثيقة الدستورية على المكون العسكري لتتبقى المهمة الثالثة والأكثر تعقيدًا وهي انجاز التحول الديمقراطي. مذكرًا بفشل الجارة مصر في انجاز هذه المهمة الثالثة.

عزمي بشارة: تعتبر تونس من البلدان غير ذات الأهمية الاستراتيجية، ما أنجح عملية الانتقال فيها، بينما السودان من بين الدول ذات الأهمية الاستراتيجية في الإقليم

وفي معرض تناوله لتجارب الثورات العربية يعدد عزمي بشارة نقاطًا غاية في الأهمية بإمكانها إنجاح أو أفشال الانتقال الديمقراطي، أهمها حالة وجود طموح للجيش في الحكم –حالة مصر- وعكسها عدم وجود طومح للجيش في الحكم والتزامه بأهداف الثورة –حالة تونس- والذي ساهم في إنجاح الانتقال، كذلك يشير عزمي بشارة إلى نقطة حاسمة في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي، وهي الأهمية الاستراتيجية للدولة، إذا تعتبر تونس من البلدان غير ذات الأهمية الاستراتيجية، ما أنجح عملية الانتقال فيها، بينما السودان من بين الدول ذات الأهمية الاستراتيجية في الإقليم، ما يعني صعوبة عملية الانتقال نسبة لتعدد وتضارب مصالح الأطراف الإقليمية والدولية في البلاد.

ويتناول عزمي بشارة أحد أهم التحديات التي تواجه الانتقال الديمقراطي في السودان، وهو تحدي الثورة المضادة ومحاولات بعض الأطراف الإقليمية –مصر والخليج- لشراء الولاءات والإعلام وتكثيف نشر الشائعات في الفترة الانتقالية ومحاولة إعاقة مسار الانتقال بتقوية التوجهات المضادة للثورة وأهدافها باستخدام جهات مدنية أو عسكرية، وفي حالة السودان يبرز دور قيادات الجيش وعلاقتها مع بعض دول الخليج وما ينجم عن هذه التداخلات من قرارات مثل استمرار تورط القوات السودانية في حرب اليمن ومجزرة فض الاعتصام وغيرها.

خلاصات نظرية في الانتقال الديمقراطي

ويعدد عزمي بشارة تعميمات وخلاصات نظرية من علم السياسة المقارنة اثبتت تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم صحتها لحد كبير، أهمها: "لا يمكن تحقيق انتقال ديمقراطي إذا كان الجيش معارضًا فاعلًا و/أو إذا كان يحتفظ بطموح سياسي للحكم". وهو أمر يبدو واضحًا في حالة الجيش السوداني بينما يعول العديد من المراقبين للحالة السودانية، في تخفيف حدة تأثير هذا العامل في إفشال التحول الديمقراطي، على ما ورد في الوثيقة الدستورية بخصوص هيكلة وإصلاح القطاعين العسكري والأمني للبلاد، مركزين على ما يمكن أن تقدمه البعثة الأممية الخاصة بدعم الانتقال في السودان "يونيتامس" بما لها من تفويض من مجلس الأمن لتيسير ومراقبة إصلاح هذين القطاعين الحساسين في مستقبل الانتقال الديمقراطي، الخلاصة الثانية هي "لا يمكن إنجاح الانتقال الديمقراطي إذا لم يكن لدى النخب المؤثرة الرئيسة، ثقافة سياسية على الأقل في حدود القدرة على المساومة والاتفاق على إجراءات ديمقراطية والالتزام بالإجراءات المتفق عليها". وهو لسوء حظ السودانيين، أمر يلاحظ غيابه بشكل كبير في النخب الحالية. الخلاصة النظرية الثالثة التي يوردها عزمي بشارة هي: "لا تحكم بلد في مرحلة انتقال بأغلبية انتخابية ضئيلة، ولا سيما قبل ضمان وجهاز الدولة للديمقراطية، وقبل نشوء ثقافة ديمقراطية ّ تسلم بداهة بحكم بالأغلبية". وهنا تحضرنا الأصوات التي تطالب بتوسعة التحالف الحاكم ليشمل العديد من المكونات السياسية التي تتبنى النهج الديمقراطي، وقد تكون حالة السعي لتوقيع اتفاق سلام مع الحركات المسلحة هو أمر يصب في اتجاه تحقيق هذا الشرط، لكن كذلك خروج عدد من المكونات السياسية من ائتلاف الحرية والتغيير أو اعتراضها على آليات اتخاذ القرار داخله، أو انفراد مكونات محددة واختطافها اتخاذ القرار فيه، يعتبر أحد المشكلات أمام تحقق هذا الشرط اللازم لإنجاح التحول الديمقراطي. أما الشرط الرابع فيعتبره عزمي بشارة كونيًا وهو "عدم إمكانية تحقيق الانتقال الديمقراطي من دون وجود إجماع على شرعية الدولة من طرف القوى السياسية والاجتماعية بالدولة". معددًا ذلك في تطبيق مبدأ المواطنة وترميم الشروخ الاجتماعية في جسد الأمة.

وبحسب عزمي بشارة فإن الإصلاحات من الأعلى تأتي في الأهمية مقدمة على الثورة، وبحسب هذا المنطق فإن النظام غير الديمقراطي يمكن أن يصبح ديمقراطيًا بابتدار إصلاحات تقوم بها قيادته من الأعلى، لكن الثورة دون إصلاحات من الأعلى تتبعها فيمكن أن ترتد إلى نظام استبدادي جديد، لذلك ينبه التقديم إلى ضرورة القيام بالإصلاحات السياسية اللازمة للتحول الديمقراطي، ويشدد الكاتب على ضرورة النجاح في إدارة التنوع الذي يزخر به السودان، كشرط لتحقيق التحول الديمقراطي.

عزمي بشارة: الجيش لا يقوم بالانقلاب لكي تحكم الأحزاب، بل ليحكم هو، وأن ضباطه ليسوا فقط لديهم طموح للحكم، وإنما يعتقدون أنهم أصحاب المؤسسة الأكبر والأكثر حداثة وانضباطًا في الدولة

وفي معرض تناوله للأنظمة السياسية التي حكمت السودان، يتناول عزمي بشارة الإرث الواسع للأحزاب السياسية السودانية في التخطيط للانقلابات العسكرية وإغواء المغامرين من ضباط الجيش بتولي الحكم، مذكرًا بأن جميع تلك المحاولات انتهت إلى تخلص القادة العسكريين للجيش من الأحزاب التي ساعدتهم في الوصول للحكم، ليتفرغوا إلى تصفية الخلافات بينهم كقادة عسكريين حتى يخلص الحكم إلى أحدهم، منوهًا إلى خلاصة نظرية مفادها "أن الجيش لا يقوم بالانقلاب لكي تحكم الأحزاب، بل لكي يحكم هو، وأن ضباطه ليسوا فقط لديهم طموح للحكم، وإنما يعتقدون أنهم أصحاب المؤسسة الأكبر والأكثر حداثة وانضباطًا في الدولة" وهذه الخلاصة النظرية التي يوردها الكاتب تنطبق لدرجة كبيرة على حالة الجيش السوداني.

وينبه بشارة إلى إحدى العقبات التي تواجه الانتقال الديمقراطي في السودان، وهي أن ضغط الثورة على اللجنة الأمنية للبشير بتطهير الجيش من العناصر المنتمية للنظام البائد، ما أدى إلى نتيجة لا تقل خطورة من بقاء أولئك، وهي أن الخطوة دفعت إلى قيادة الجيش بعناصر موالية لقوى الثورة المضادة، مما عزز باستمرار من رغبتها في الاحتفاظ بالحكم وارتهانها إلى المحاور المعادية للديمقراطية والشعوب في المنطقة، ويضرب المثل باندفاع المكون العسكري للتطبيع مع إسرائيل دون مشاورة الشق المدني، وفي خرق واضح للوثيقة الدستورية، مذكرًا بأن إسرائيل لا ترغب في وجود ديمقراطية في المنطقة وأنها تفضل التعامل مع النظم العسكرية التي تعمل بما يناقض رغبات شعوبها.

ويخلص عزمي بشارة إلى أن "الضمان لإلزام الجيش باحترام الإجراءات الديمقراطية المتفق عليها في الوثيقة الدستورية هو وحدة القوى السياسية السودانية الرئيسة في دعم الديمقراطية ورفض التدخل الأجنبي الذي يراهن على الجيش".

أحمد أبوشوك: مهمة البحث عن إطار نظري لمفهوم الثورة في الأدبيات يجب أن تضع في الحسبان تعدد التعريفات وفقًا للخلفيات الفكرية للباحثين وزوايا نظرهم المعرفية للمصطلح

مقدمة المؤلف؛ اشتباك نظري

يخصص البروفيسور "أحمد أبوشوك" مقدمة كتابه الذي يؤرخ لثورة ديسمبر المجيدة للاشتباك نظريًا للتفريق وتجلية الاختلاف بين مصطلحي الثورة والانتفاضة، في الأدبيات التي تناولت الثورات والانتفاضات السودانية، والأدبيات الأجنبية التي استخدمت المصطلحين في سياقات تجارب أخرى، ويتساءل: "هل استخدم الأكاديميون والباحثون السودانيون هذين المصطلحين بوعي مفاهيمي لوصف الحالات المعنية؟"، يقصد في السياق السوداني ثورة 1924 وثورة أكتوبر 1964 وانتهاءً بثورة مارس- أبريل 1985، "أم أن هذه المصطلحات وردت في دراساتهم بشكل عفوي دون التركيز على عمقها المفاهيمي ودلالاتها المصطلحية؟"، ويرجح المؤلف الافتراض الثاني، مدللًا بأن "خالد الكد" رفض استخدام مصطلح ثورة على أحداث 1924، محتجًا بأن السودانيين استخدموه لفرط إعجابهم بجمعية اللواء الأبيض التي قادت الواقعة. ويذكر الكاتب بأن وصف خالد الكد حالة إطلاق تسمية ثورة على أحداث 1924 بأنه وهم روماني نابع من حالة اليأس التي كانت تكتنف واقع المتعلمين السودانيين حينها.

وينتقل المؤلف لمناقشة آراء باحثين آخرين من ثورة 1964، موردًا رأي "حسن عابدين" الذي يرفض تسميتها ثورة ويصر على مصطلح انتفاضة، لأن الثورة بحسب رأيه يجب أن تنتج تغييرًا لنظام الحكم وحركة المجتمع والثقافة والاقتصاد والدولة، وهو ما يرى أنه لم تقم به ثورة 1964. ويخلص المؤلف إلى أن أكتوبر كانت "ثورة شعبية عفوية، وجدت استجابة واسعة في أوساط قطاعات المجتمع السوداني؛ إلا أنها افتقرت إلى التخطيط المسبق والوعاء السياسي الجامع لتطلعات الثوار، والمدرك لفاعلية آليات تحقيقها على أرض الواقع".

وينبه "أحمد أبوشوك" إلى أن مهمة البحث عن إطار نظري لمفهوم الثورة في الأدبيات يجب أن تضع في الحسبان تعدد التعريفات وفقًا للخلفيات الفكرية للباحثين وزوايا نظرهم المعرفية للمصطلح. مقترحًا النظر لكل حالة على حدة ووفقًا لخصوصيتها. ويناقش المؤلف أدبيات المدارس الماركسية في تعريف الثورة وينتقل لأدبيات المدرسة الوظيفية ومن ثم المدرسة السلوكية، وينتقل أخيرًا لتناول أدبيات مدخل العمل التنظيمي التي فسرت الحركات الاحتجاجية ودور أدوات التعبئة الجماهيرية، ويقول المؤلف إن العرض النظري للمداخل السابقة يقود إلى "أن أي حركة احتجاجية توصف بأنها ثورة يجب أن تحدث تغييرًا في بنى المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية" منبهًا إلى أن هذا التغيير ليس بالضرورة أن يحدث بين عشية وضحاها، وربما أمتد عبر مراحل متعددة، تكون خلاصة غاياتها إحداث قطيعة بين إرث النظام القديم ومؤسسات النظام الجديد التي تنشد الإصلاح والتغيير.

ويستعرض المؤلف محاولة المفكر العربي "عزمي بشارة" في الجمع بين شرطي الإجماع الجماهيري ورفع شعار تغير النظام، حيث عرف الثورة بأنها "تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة، أو خارج الشرعية، يتمثل هدفه في تغيير نظام الحكم القائم في الدولة". واصفًا الثورة بهذا المعنى بأنها هي حركة تغيير لشرعية سياسية قائمة لا تعترف بها، واستبدلها بشرعية جديدة" وهو تعريف يميز الثورة عن الانقلاب العسكري.

أحمد أبوشوك: ثورتي أبريل 1985 وديسمبر 2018 استوفتا الشروط المطلوبة؛ لنطلق على كل منها مصطلح ثورة في تاريخ السودان المعاصر

ويخلص المؤلف إلى أن "ثورة 1985 توافرت لها شروط السند الجماهيري والدعوة لإسقاط النظام لكن المؤسسة العسكرية تدخلت في اللحظة الحاسمة ً وأصبحت شريكًا في التغيير". وتكرر المشهد نفسه في ثورة ديسمبر 2018، مؤكدًا أن ديسمبر بهذا الوصف يصح أن يطلق عليها مصطلح ثورة. ويقول: "ومن هذه الزاوية يمكن القول إن احتجاجات آذار/مارس - نيسان/أبريل 1985 واحتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2018 - نيسان/أبريل 2019 استوفت الشروط المطلوبة؛ لنطلق على كل منها مصطلح ثورة في تاريخ السودان المعاصر".

ويقول المؤلف أن الكتاب معني بالإجابة على أسئلة أهمها دوافع وأسباب ثورة ديسمبر، وتبيان مراحلها ولماذا انحازت لجنة البشير الأمنية للثورة، وكيف تم التوصل للوثيقة الدستورية ماهي أهم التحديات التي تواجه الفترة الانتقالية.

النظام المباد ومن اقتلعوه

في الفصل الأول من الكتاب ويحمل عنوان "الإنقاذ والثورة الفاعلون الثوريون" يتناول المؤلف ضمن مقاربة تحليلية حكومة الإنقاذ التي تولت الحكم منذ 1989 وحتى 2019 والمرتكزات الفكرية والسياسية التي استندت إليها ومن ثم ينتقل لتعداد الأسباب غير المباشرة التي أدت إلى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة ودور الفاعل الثوري وآليات النضال السلمي التي اتبعها الثوار ضد النظام البائد.

ويخلص المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى أن دوافع وأسباب الثورة التي تناولها أوضحت عجز النظام البائد في التصدي للثورة أو إحكام قبضته على الشارع العام كما درج أن يفعل سابقًا، ويشير المؤلف إلى حالة تصاعد حالة السخط العام التي عمت البلاد بصورة لم يسبق لها مثيل طوال عمر النظام البائد، ويفسر الكاتب استشراء حالة السخط العام المشار إليها بأنها أكدت أن الحرمان النسبي ماديًا ومعنويًا شكلت القاسم المشترك بين قوى الثورة. مؤكدًا أن الحرمان النسبي هو ما وحد الثوار خلف قيادة تجمع المهنيين السودانيين، حول برنامج ثوري جسده الشعار "تسقط بس".

ويخصص المؤلف الفصل الثاني والذي حمل عنوان "يوميات الثورة.. لحظة الاندلاع وتداعياتها" لتناول أحداث الثورة السودانية منذ انطلاق شرارتها الأولى في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، في 13 كانون الأول/ديسمبر 2018 وحتى نهاية الشهر نفسه الذي يصفه "أبوشوك" بأنه "شكل خطًا فاصلًا بين الاحتجاجات العفوية للثورة وإعلان قوى الحرية والتغيير" في الأول من كانون الثاني/يناير 2019.

من خلاصات الفصل الثالث: استخفاف النظام البائد الحاكم بعقول ومطالب الجماهير، وتقديم وعود زائفة، واستدرار العاطفة الدينية ووصف الثوار من قبل النظام وأنصاره بالخونة والمرتزقة والمندسين والمخربين كانت من بين أسباب نجاح الثورة

ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن الاستبداد والظلم والفساد وحده لا ينتج ثورة، لكن الوعي بهذه المظالم والمصحوب بالشعور بالحرمان النسبي والسخط العام ضد النظام هو ما يصنع الثورة وينظمها ويوجهها في مسار تحقيق مطالب قوى الثورة، ويقول المؤلف: "يتنامى مثل هذا الوعي عندما يعجز أهل السلطة الحاكمة عن تقديم أي طروحات موضوعية لحل المشكلات الآنية المتعلقة بضرورات الحياة الإنسانية الكريمة". ويسجل المؤلف كذلك أسباب تمكن من تبلور أهداف الثورة من بينها استخفاف النظام البائد الحاكم بعقول ومطالب الجماهير، وتقديم وعود زائفة، واستدرار العاطفة الدينية للجماهير ووصف الثوار من قبل النظام وأنصاره بالخونة والمرتزقة والمندسين والمخربين.

درب الآلام الطويل نحو الحرية

يتناول الكتاب في الفصل الثالث المعنون "الثورة وخطاب السلطة" وقائع ثورة ديسمبر وخطاب السلطة منذ صدور إعلان الحرية والتغيير في 1 كانون الثاني/يناير 2019 إلى 6 نيسان/أبريل 2019 وبداية الاعتصام الذي أفضى إلى إسقاط نظام البشير في 11 نيسان/ أبريل 2019.

ويخلص "أبوشوك" في هذا الفصل إلى أن الأساليب المتعددة للتعبير السلمي التي استخدمها الثوار، والمشاركة الواسعة للشباب من الجنسين في الثورة إلى جانب طرح تجمع المهنيين لشعارات جذبت اهتمام شرائح الشباب، كانت جميعها عوامل عززت من عجز النظام عن قمع الاحتجاجات وجعلتها تتصاعد، على الرغم من استخدام النظام أجهزة الإعلام الرسمية لتشويه صورة الثورة، إلا أن الخطاب الرسمي الذي حمل النظرة الأمنية للنظام تجاه الثوار ومطالبهم، فشل في مهمته، كما يتطرق المؤلف إلى الموقف السلبي للقنوات الإقليمية "الجزيرة، الحدث، العربية" من الثورة، نسبة لتوجهات بلدانها، إلى أن أجبرتهم عزيمة وانتصارات الثوار، على نقل تطورات الثورة بجدية.

يوتوبيا "في جحر الأفاعي السامة"

أما الفصل الرابع المعنون "الاعتصام أمام القيادة العامة.. المشهد والتحدي" فهو عبارة عن مقاربة تحليلية لتحول "موكب السودان الوطن الواحد" في 6 نيسان/أبريل 2019 إلى اعتصام ثوري أمام مقر القيادة العام لقوات الشعب المسلحة، بهدف إزاحة البشير من الحكم دون شرط أو قيد، وينوه الكاتب إلى أن هذا الفصل يجيب عن عدة أسئلة أساسية هي: كيف تحول الموكب إلى اعتصام؟ وما هي الأجندة السياسية الجديدة التي طرحها المعتصمون؟ وما التحديات التي واجهت المعتصمين في الميدان؟ وما القيم السياسية والاجتماعية التي أرساها أدب الاعتصام على أرض الواقع؟ وما هي مظاهر الحياة اليومية والأنشطة المصاحبة لها داخل أرض الاعتصام؟ وما المسوغات التي دفعت المجلس العسكري الحاكم آنذاك إلى فض الاعتصام بالقوة، قبل يومين من عيد الفطر، أي في 3 حزيران/يونيو 2019؟.

من خلاصات الفصل الرابع: قضية فض اعتصام القيادة العامة صارت مثل قميص عثمان بيد الحرية والتغيير، ترفعها في وجه العسكر كلما أرادت الضغط عليهم

يخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن اعتصام القيادة العامة شكل نقطة تحول في مسيرة ثورة ديسمبر، معتبرًا إصرار المخلوع البشير على فض الاعتصام حتى لو أدى الأمر إلى قتل ثلثي المعتصمين، هو ما دفع أنصار المخلوع في اللجنة الأمنية للتضحية به، والانقلاب عليه، ويعزي "أبوشوك" تردد المجلس العسكري في تسليم السلطة للمدنيين إلى ثقل التركة التي خلفها ارتباط مصالح أعضاء المجلس الانقلابي مع النظام البائد، وخشيتهم من المحاسبة على جرائم ارتكبوها منذ مجيئ الإنقاذ وحتى لحظة نهاية الاعتصام، ويؤكد المؤلف على أن اعتصام القيادة العامة الذي شكل تحديًا للنظام البائد ودفع إلى إطاحته، ظل كذلك تحديًا للمجلس العسكري إلى أن قرر فضه، إلا أن موكب 30 يونيو 2019 غير توازن القوى لصالح الحرية والتغيير، ويشير المؤلف إلى دور الولايات المتحدة الأمريكية في الضغط على المجلس العسكري لتقديم تنازلات وجهود الاتحاد الإفريقي في التوصل إلى اتفاق سياسي بين الحرية والتغيير والعسكر، ملمحًا إلى أن قضية فض اعتصام القيادة العامة صارت مثل قميص عثمان بيد الحرية والتغيير، ترفعها في وجه العسكر كلما أرادت الضغط عليهم.

في البحث عن حل

يخصص المؤلف الفصل الخامس المعنون "المبادرات والمفاوضات.. أين يكمن الحل" للمبادرات التي قدمتها شخصيات وكيانات سياسية ومهنية قبل إسقاط نظام حكومة الإنقاذ، ومن ثم يتناول خلفياتها السياسية والمهنية بالتحليل كما يتناول ما يجمع بينها من مشتركات لجهة محتواها وغاياتها السياسية، والتحديات التي واجهت إمكان صوغها في مبادرة واحدة، والصعوبات التي اكتنفت تطبيقها على أرض الواقع. كما يتناول هذا الفصل أيضًا مسار المفاوضات والصعوبات التي واجهتها وحتى تاريخ فض الاعتصام بعد إسقاط النظام.

ويصل المؤلف في هذا الفصل إلى خلاصة مفادها أن المبادرات المختلفة لم تستطع الأطراف توحيدها في مبادرة واحدة ولم تنجح أيٍ منها لوجود اختلافات أيديولوجية بين من يقفون خلفها، ما رجح كفة قوى الحرية والتغيير، ويشير الكاتب إلى أن فشل المبادرات جعل المعادلة الصفرية بين النظام والحرية والتغيير قائمة حيث تطرح الحكومة عدم التنحي والذهاب لانتخابات بينما تطرح الحرية والتغيير شعار "تسقط بس"، إلى أن غير اعتصام الثوار أمام القيادة العامة هذه المعادلة لصالح قوى الثورة.

بداية تحدي الانتقال

ويتناول الفصل السابع المعنون "الحكومة الانتقالية وتحديات الانتقال الديمقراطي" مسار التفاوض بعد أحداث فض الاعتصام ودور ممثل الاتحاد الإفريقي في تقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، وجهوده لإعادتهم من جديد إلى طاولة المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، ثم تأسيس هياكل السلطة الانتقالية واختصاصاتها.

ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن النظر للوثيقة الدستورية يجب أن يستصحب حقيقة أن صياغتها "تأثرت بأجندة طرفي التفاوض والمناخ السياسي المحيط علمًا بأن المجلس العسكري كان يميل إلى إصلاح وقائي لمؤسسات الدولة العميقة ومؤسسات النظام الموازية لها، وكانت قوى إعلان الحرية تنشد تفكيك دولة التمكين".

يتطرق الفصل السابع بالشرح والتحليل إلى أجهزة الحكومة الانتقالية واختصاصاتها وسلطاتها، وفقًا لما نصت عليه الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية.

يشير المؤلف في خلاصة هذا الفصل للاسترشاد بالشروط التي وضعها كل من الفريد ستيبان وخوان لينز، لضمان نجاح عملية التحول الديمقراطي في السودان، ولخص هذه الشروط في، "1_ قناعة النخب السياسية بفشل تجارب الحكم السابقة والالتزام بحماية التحول الديمقراطي، 2_ التأهيل المؤسسي لكل القوى السياسية الفاعلة خلال الفترة الانتقالية، من دون إقصاء أي منها، لإشعار الجميع بأنهم شركاء في عملية التحول الديمقراطي، 3_ منح العسكر محفزات تشعرهم بأن ثمن بقائهم في عملية التحول الديمقراطي أكثر قيمة من ثمن إبعادهم عنها، 4_ وأن تكون عملية التنافس على الأغلبية الانتخابية مشاعة بالتساوي بين الكينونات السياسية التي نشأت في ظل الانتقال الديمقراطي، إضافة إلى تشجيع التسويات السياسية والتعاون بين الجماعات المتخاصمة، 5_ يضاف إلى ذلك، وجود تاريخ مشترك للتفاوض ومد الجسور بين القوى المتخاصمة ليشعرها بأهمية التحول الديمقراطي".

ويخصص المؤلف خاتمة الكتاب لمقارنة ملامح الفترة الانتقالية الحالية (2019-2022) بالفترتين السابقتين لها (1964-1965 و1985-1986) وأوجه الشبه والاختلاف بينها، ويطرح "أبوشوك" عدة تساؤلات غاية في الأهمية ويحاول الإجابة عنها، ويلخص هذه الأسئلة في الآتي: كيفية الإفادة من أخطاء التجارب السابقة وتوظيفها في تجاوز تحديات الفترة الانتقالية الماثلة، وكذلك طبيعة التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية؟ وكيف يمكن تجاوزها لتحقيق وضع أفضل في سبيل التحول الديمقراطي المستدام؟ وتتناول خاتمة الكتاب كذلك أداء الحكومة الانتقالية بعد تشكيل مؤسساتها الدستورية مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وينتهي الكتاب زمنيًا مع نهاية عام 2019.

يقدم الكتاب توثيقًا وتحليلًا مميزًا لثورة ديسمبر ومراحلها الحاسمة إلى جانب تتبع مراحل تطور الثورة وتصاعدها والإشارة إلى عوامل نجاحها، ما يجعله جديرًا بالقراءة خصوصًا من جانب الباحثين والأكاديميين المهتمين بحقل دراسة الثورة والحركات الاجتماعية

ويعتبر الكتاب هو الأول من نوعه الذي تناول ثورة ديسمبر المجيدة، إذ لم تسبقه حتى لحظة صدوره أي دراسات سابقة، ويقدم الكتاب توثيقًا وتحليلًا مميزًا لثورة ديسمبر ومراحلها الحاسمة إلى جانب تتبع مراحل تطور الثورة وتصاعدها والإشارة إلى عوامل نجاحها، ما يجعله جديرًا بالقراءة خصوصًا من جانب الباحثين والأكاديميين المهتمين بحقل دراسة الثورات والحركات الاجتماعية.

اقرأ/ي أيضًا

لجان المقاومة بالجريف شرق ترفع اعتصامها نسبة لحدوث "تفلتات"

نتائج أولية لتشريح الشهيد "ودعكر" تثبت تعرضه للتعذيب