صالح الضي.. الجميل الحلو

صالح الضي.. الجميل الحلو

صالح الضي

انصرمت خمسٌ وثلاثون سنة منذ أن أغمض المغني الأثير صالح الضي عيونه لآخر مرةٍ، وودع الدنيا في السادس والعشرين من تموز/يوليو 1985. مخلفًا وراءه سيرةً فيها من العجب الكثير، ومن الأفانين الأكثر. لكن فوق ذلك، وقبله، ما تزال أغنياته تتردد بصوته وبأصوات الكثيرين، بذات طزاجتها وطراوتها الأولى وكأنها بنت هذه الأيام، ولم تكتب وتنتشر منذ مطالع ستينات القرن الماضي، أي ما يقترب من سبعين سنة.

أربع مدنٍ كان لها الأثر الكبير في تجربة صالح الضي المتفردة، ثلاثٌ منها في السودان وهي: بارا، أم درمان، بورتسودان. أما الرابعة فهي العاصمة المصرية القاهرة

العارفون بتجربة صالح الضي المتفردة، يشيرون إلى أربع مدنٍ كان لها الأثر الكبير في تجربته، ثلاثٌ منها في السودان وهي: بارا، أم درمان، بورتسودان. أما الرابعة فهي العاصمة المصرية القاهرة. وأما بارا، فهي محل مولده في العام 1936، ونشأته الأولى وصباه. حيث ولد ونشأ صالح، في بيئةٍ خصبةٍ للموسيقى والفنون. فوالده كان عازفًا على آلة البوق ضمن موسيقى الشرطة، للدرجة التي كان يلقب فيها بالبروجي.

اقرأ/ي أيضًا: مكاتيب التعذيب الإنقاذي

وشقيقه الأكبر محمد، كان عازفًا ماهرًا -وهو صبي- على آلة الزمبارة. قبل أن يتفنن في عزف آلة الكمان، في مقبل الأيام، ويحجز كرسيه بالعزف خلف فنانين معروفين وكبار في وقتهم: إبراهيم عوض، أحمد المصطفى، وعبد المنعم حسيب

 

 



أما أم درمان، فهي التي جاء إليها من بارا والأبيض، حيث ابتدأ رحلة البحث عن آذانٍ تسمع موهبته الأولى في كتابة الغناء، وتلحينه، وأدائه. وابتدأ فيها حرفة نجارة الموبيليا، حيث عرف بيده الحريفة في إبداع الخشب وتحويله إلى أثاثٍ يضارع المستورد، للدرجة التي اتفقت فيها شركة "أجيب" –بعد ذلك بسنوات- مع ورشته الصغيرة للموبيليا لإنتاج أثاثاتها من الكراسي والمناضد وغيرها.

وفي أم درمان التقى العديد من أصدقائه الفنانين، وأقام معه في سكنه الصغير القريب من منزل الزعيم إسماعيل الأزهري، عددٌ منهم. أبرزهم خليل إسماعيل، وأبو عركي البخيت. كان ذلك قبل دخولهم الإذاعة، وتعرف الناس على أصواتهم وأغنياتهم التي شدت الأسماع فيما بعد.

من أم درمان سافر صالح الضي آدم رمضان، وهو إسمه الحقيقي، إلى بورتسودان، للبحث عن أراضٍ جديدة يقف عليها  للغناء، بعد أن أعيته المشاوير من وإلى الإذاعة السودانية ليجيز صوته أولًا، ثم إلى تسجيل عددٍ من أغنياته الجديدة. وهي تجربةٌ أبرز ما فيها وقوف لجنة إجازة النصوص عقبة كؤود أمام السماح له لتسجيل أغنياته، بمبرراتٍ عديدة، لكنها كلها لم تكن مقنعةً بالنسبة لصالح الضي.

انتقل صالح إلى بورتسودان، وانطلق في تأسيس ورشة الموبيليا. وفي التأسيس بشكلٍ مختلفٍ لمشروعه الغنائي. وهناك ابتدأ صوته في اللعلعة بأغنياته الأولى: "يا جميل يا حلو"، "أوعك تخلف الميعاد"، "يا عيني". من تأليفه وألحانه. وغيرها من الأغنيات التي استقبلتها عددٌ من مدن شرق السودان بالبهج والاحتفاء. وابتدأت شهرته في الذيوع وتعرف الناس فيها على صوتٍ طروبٍ ورائق.

اقرأ/ي أيضًا: مترجم| سيلفيا بلاث: لا تحاول أبدًا خداعي بقبلة

ذات عبقرية صناعة الموبيليا، هي ذات عبقرية صالح الضي في الغناء. كان صالح الضي يستهلك نهاره في الطرق على الترابيز، وكراسي الجلوس. أما المساءات فهي مخصصةٌ في تجريب صوته، وتطويعه، مرددًا أغنياته الأولى التي كتبها بنفسه، ولحنها بنفسه.

 

قدم صالح في القاهرة العديد من الأغنيات الجديدة، وساهم في تسجيلها في إذاعة وادي النيل، التي قدم فيها برنامجًا عن الموسيقى والغناء في السودان

 

أما المدينة الأخيرة، فهي القاهرة، والتي التجأ إليها بعد معاناةٍ طويلةٍ ومعاركٍ مع الجميع. مع مجتمعه الصغير، وصراعاته مع الإذاعة ولجنة نصوصها المتعسفة، وأسرته الصغيرة التي افترقت عنها. لكن صالح الضي لم يركن إلى كل هذه المعاناة، بل اندغم في المجتمع القاهري أول وصوله في اليوم الذي نفذ فيه جعفر نميري انقلابه العسكري 25 أيار/مايو 1969. قدم صالح في القاهرة العديد من الأغنيات الجديدة، وساهم في تسجيلها في إذاعة وادي النيل، التي قدم فيها برنامجًا عن الموسيقى والغناء في السودان. وكان مطربًا مطلوبًا في الحفلات الساهرة. وبالتالي ظل منزله قبلةً للسودانيين من أهل المغنى. يقدم لهم المشورة، والمساعدة، والاستضافات الطويلة.

تتميز أغنيات صالح الضي، بالخفة والسهولة والانسياب، بالدرجة التي لا تحيلها إلى أغنياتٍ عاديةٍ. هذه الصفات جميعها حولتها إلى متكأ لعديد الفنانين الشباب، يقدمون إلى الناس أصواتهم عبر أغنياته، ويتوسلون بها حتى يتقبلهم الناس.

وهو في مدينة بورتسودان، أقتنع صالح الضي بما لديه من موهبة. بعدها أقنع نفسه -أواخر الستينات- لإسماع الناس صوته وموهبته. فكان له أن عاد الى أم درمان وإذاعتها التي حفيت أقدامه وتغبرت من مشاوير مقابلة لجان النصوص، ورفضها المتكرر.

ثم قيض الله له فرصة أن يستمع إليه نفرٌ من أهل الصحافة الفنية، يقودهم الراحل ميرغني البكري ونعمان على الله، فشنوا حملةً شعواء على اللجنة، إذ كيف لها أن ترفض –مع سبق الإصرار- صوتًا في عذوبة، وتطريب صالح الضي؟ وكانت النتيجة أن أجبروا اللجنة في النهاية على سماع صوته، وقبوله مغنيًا في الإذاعة.

أبرز أغنياته التي قدمها فيما بعد: "أوعك تخلف الميعاد"، "بتتغير"، "نحنا ما ناسك"، وبالطبع "يا جميل يا حلو"، باعتبارها أولى أغنياته.

وبمناسبة أغنية "بتتغير"، فقد كان بيتي صالح الضي في أم درمان السودانية والقاهرة المصرية، كانا منتدًى ومأوًى للفنانين. حيث آوى كلًا من: خليل إسماعيل، أبو عركي البخيت، ومحمد الأمين. وتولاهم صالح وغيرهم بالرعاية والعناية. ذلك قبل أن يعرفوا درب الإذاعة وقبل أن يصبحوا ثلاثتهم ملء سمع الغناء وبصره.

اقرأ/ي أيضًا: صورة المرأة في الرواية السودانية.. التمرد وانكشاف الكينونة الأنثوية

وبمناسبة "بتتغير" أيضًا، فقد روي على لسان الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، الذي جمعته صداقة مقربة بصالح الضي، أنه كان يصر على أن تفتتح أية جلسةٍ فنيةٍ أدبيةٍ، بحضور صالح الضي بأغنية "بتتغير".

في 26 تموز/يوليو 1985 انتقلت روح صالح الضي كالنسمة إلى بارئها بالقاهرة وفيها دفن حسب وصيته

بل ويصر الأبنودي أن تختتم الجلسة بذات الأغنية. كان صالح الضي يؤدي الأغنية بآلة العود، التي ما كانت تفارقه، عزفًا باليمين وبالشمال. فقد كانت هذه واحدةٍ من عبقرياته المتعددة.

في واحدة من صباحات 1985، والسودان ما يزال يتنسم عبير انتفاضة نيسان/أبريل، انتقلت روح صالح الضي كالنسمة إلى بارئها بالقاهرة. وفيها دفن حسب وصيته. وهي ذاتها القاهرة التي أقسم فيها على الطير أن يوصل رسائله الى أهله. في أغنيته: "يا طير يا ماشي لي أهلنا/ بسراع وصل رسايلنا".

اقرأ/ي أيضًا

الرويني ودنقل وغيبوبة الموسيقى.. الشيء ونقيضه في لحظة واحدة

في ذكرى المامبو السوداني