سكك حديد السودان.. بين هيمنة القطاع الخاص وغياب الإرادة الحكومية

سكك حديد السودان.. بين هيمنة القطاع الخاص وغياب الإرادة الحكومية

سيرت عطبرة القطارات لاعتصام القيادة العامة في العام 2019 (المدائن)

اشترى عوض كرار، دراجة هوائية  بخمسة جنيهات فقط قبل (33) عامًا ليتنقل بها بين الورشة الرئيسية للقطارات ومنزله بمدينة عطبرة شمال البلاد، وهي مدينة معروفة بحركة القطارات والسكك الحديدية التي صارت أثرًا بعد عين جراء خصخصة هذا القطاع في عهد الرئيس المعزول وتشريد آلاف العمال.

ويوضح عوض كرار عامل السكك الحديدية بالورشة الرئيسية بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمال البلاد والذي يبلغ من العمر (55) عامًا، -يوضح أنه بعد (33) عامًا من العمل يتقاضى نحو (30) دولارًا، أي ما يعادل (12) ألف جنيه سوداني، مبينًا أن عشرات العمال ممن ينهمكون في أحواض الصيانة لعشرة ساعات يوميًا، يتقاضون أقل من هذا المبلغ.

يتقاضى العامل بالسكة حديد (30) دولارًا شهريًا

في ورشة مكتظة برؤوس قطارات هندية وصينية وأمريكيه، يجلس عشرات العمال لساعات يتابعون حركة طفيفة لقطارات قديمة تتحرك بين بورتسودان وعطبرة والخرطوم بعد تعطل غالبيتها وإدخالها إلى الورش في انتظار خطة حكومية لصيانتها بالاتفاق مع شركات أجنبية.

اقرأ/ي أيضًا: الخارجية السودانية تعرب عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع بالأراضي الفلسطينية

يشير عوض كرار بيده نحو رأس قطار هندي يقف في الورشة الرئيسية تكسوه الأتربة قائلًا: "تعطلت منذ سبع سنوات ولم تغادر موقعها. جاء مسؤولون بعد تشكيل الحكومة الانتقالية بغرض الصيانة وبالفعل جرى نقل بعض الرؤوس إلى مراكز خارجية ننتظر عودتها لتدخل الخدمة". 

"أمر جيد أن ترى القطارات تسير على القضبان وتنقل الركاب والسلع لأن تكلفة النقل تسحق الطبقات الوسطى والأقل"، يضيف كرار.

وحاول النظام البائد ترميم القطارات القديمة وتشغيلها وإحياء السكك الحديدية، لكنه غرق في أزمة مالية خانقة في سنواته الأخيرة شلت قدراته، إلى جانب هيمنة شركات النقل البري الخاصة على قطاع الشحن في البلاد، حيث يمتلك عناصر من النظام البائد غالبيتها.

ويؤكد النقابي الأسبق في السكك الحديدية، علي سيمت، في حديث لـ"الترا سودان"، أنه عندما توسعت شركات النقل البري الخاصة تحطمت السكك الحديدية والقطارات، وفي نفس الوقت باعوا معداتها في عهد المخلوع عبر المزادات العلنية للحصول على الحديد لمصانعهم.. لقد دمروا هذا القطاع بالكامل".

ويواجه القيادي في النظام البائد والبرلماني الأسبق ومحامي المخلوع محمد الحسن الأمين، بلاغًا في نيابة عطبرة بتهمة فصل نحو ثلاثة آلاف عامل من السكك الحديدية، لكن لا تزال الشكوى معطلة حتى الآن.

يرى علي سيمت، أن الحكومة الانتقالية إذا أرادت أن تلعب دورًا في خفض تكلفة المعيشة وتحقيق التنمية؛ فإن المفتاح الرئيسي هي السكك الحديدية التي يجب أن تستحوذ على خدمات النقل، لافتًا إلى أن القطاع الخاص يضع عراقيل أمام السكك الحديدية.

أزمة النقل ترفع التضخم 

ونقلت السكك الحديدية في العام 2020 بحسب إحصائية صادرة من وزارة النقل، نحو (330) ألف طن. فيما استحوذ النقل البري بواسطة الشاحنات على (90)% من عملية نقل السلع في البلاد ما أدى إلى مضاعفة التكاليف وانعكاس ذلك على حياة السكان.

اقرأ/ي أيضًا: إضراب مفتوح لعمال وموظفي هيئة الموانئ البحرية

ويقول مدير الإدارة العامة للتخطيط والبحوث بوزارة النقل، عبدالقادر كدام، في تصريحات لـ"الترا سودان" إن القطار الواحد ينقل (1600) طنًا، بينما خمسة شاحنات لا تنقل سوى أقل من (200) طن، وهذا فرق شاسع جدًا.

مقترح بمعادلة أجور العمال "المهرة" بالمهندسين دون شرط المساواة في الدرجة الوظيفية

وأوضح كدام أن وزارة النقل وضعت خطة لرفع الشحن عبر القطارات في العام 2021 إلى (1.2) مليون طن، لكن هذه الخطة بحسب كدام مرهونة باستجابة الأطراف الحكومية لتمويل إجراءات إنعاش السكك الحديدية.

وتعد قضايا تدني الأجور في قطاع الطاقة والسكك الحديدية والموانئ والطرق والكهرباء؛ من ضمن النقاشات التي تُجرى داخل وزارة المالية، خاصة الفئات العمالية، حيث يطرح مسؤولون مقترحًا بمعادلة أجور العمال "المهرة" بالمهندسين دون شرط المساواة في الدرجة الوظيفية.

نقاشات في المالية 

وذكر مصدر مسؤول بوزارة المالية لـ"الترا سودان"، أن الشهور الماضية شهدت احتجاجات عمالية لفئات من الدرجة التاسعة وحتى الدرجة الـ(14) مدخل الخدمة، بسبب تدني الأجور.

وتابع: "طرح بعض المسؤولين من وزارات الطاقة والكهرباء والنقل والبنى التحتية مقترحًا بمعادلة أجور العمال، خاصة من يعملون في الموانئ والكهرباء والطاقة وتشغيل الآليات الثقيلة بأجور المهندسين".

وأردف المصدر: "العامل الماهر لا يقل عن المهندس ويجب أن يتقاضى أجرًا مساويًا دون شرط المساواة في الدرجة العلمية، لأن المهندس يمكنه أن يترقى ليصبح وكيلًا أو وزيرًا او مسؤولًا عن المؤسسة، أما العامل يجب أن يكافأ بالأجر الكبير نظير خدماته".

وزاد المصدر الحكومي بوزارة المالية: "لا يمكن أن يتقاضى عامل بخبرة سنوات وهو سائق قطار أو آلة مناولة في الموانئ أقل من (30) دولارًا شهريًا، بينما تكلف الآلة نحو سبعة ملايين دولار".

وينوه المصدر إلى أن أكثر قضية معقدة في الخدمة المدنية في الوقت الحالي هو تكدس الموظفين في الدرجات العليا، فيما لا يتجاوز عمال الدرجات بين (14) مدخل الخدمة والدرجة التاسعة سوى ثلاثة إلى اثنين من العمال في أي مؤسسة، بينما موظفو الدرجات العليا حوالي (20) موظفًا، والأيدي العاملة المنتجة هي الفئات العمالية.

فيما يرى عامل السكك الحديدية في ورشة عطبرة الرئيسية عوض كرار، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن الأجور متدنية للغاية. ربما تعتقد الحكومة أن العمال هنا بلا أعباء، لكن عليها أن تنفذ تحديثًا شاملًا للسكك الحديدية لترى ما يفعله العمال.

اقرأ/ي أيضًا: وزير النقل يبحث مع شركة ألمانية التعاون في مجالي النقل البحري والنهري

بينما يؤكد مدير الإدارة العامة للتخطيط والبحوث بوزارة النقل عبدالقادر كدام، أن العقودات التي أُبرمت نهاية العام لتحديث السكك الحديدية مع الشركة الصينية لاستيراد رؤوس قطارات ومحركات ومواعين؛ لم تمضِ كما هو مخطط بسبب نقص التمويل.

وأردف: "أن تنتظر تمويل وزارة المالية لمشاريع حيوية ورئيسية هذا أمر يعطلك تمامًا ويشل خططك".

يستغل السودان فقط (50) مليون فدان زراعي ءولا يستطيع الوصول إلى (150) مليون فدان بسبب نقص شبكة النقل

وأضاف كدام: "السودان يستصلح نحو (50) مليون فدان زراعي فقط من جملة (200) مليون فدان عجز عن استصلاحها بسبب صعوبة الوصول إلى تلك المساحات، ولا يمكن الوصول إليها بتوسيع شبكة القطارات".

وعبرت السكك الحديدية بمدينة عطبرة عن الأهمية الاجتماعية والسياسية لهذه الخدمة الحيوية، حيث سيرت سيرت قطارًا في نيسان/أبريل 2019 إلى اعتصام القيادة العامة، نقلت فيه آلاف المتظاهرين دعمًا للاعتصام الذي كان يطالب بنقل السلطة الى القوى المدنية آنذاك.

ويضيف العامل بورشة عطبرة للقطارات عوض كرار: "أنا استقل الدراجة الهوائية بين المنزل والعمل منذ (33) عامًا. يجب أن نرى ثمة تطور في حياة العمال هنا، ولا يمكن تحقيق ذلك ونحن على حالنا".

اقرأ/ي أيضًا

خبير اقتصادي: التضخم المعلن غير واقعي والحكومة تخدع الناس بمؤتمر باريس

انتقادات تلاحق برنامج سلعتي بسبب نقص المواد واضطراب أداء الشركة