"ذئاب القروض" في السودان.. تقرير دولي يفضح فساد ابن البشير بالتبنّي

ذا سنتري (يوتيوب)

نشر فريق ذا سنتري "The Sentry" الاستقصائي التابع لمؤسسة جورج كلوني للعدالة المعني بالتحقيق في الأموال القذرة المرتبطة بأمراء الحرب في أفريقيا والمتربحين الإقليميين من الحروب في المنطقة -نشر تقريرًا استقصائيًا جديدًا يكشف فيه تورط مجموعة شركات "بدر أوفرسيز" المملوكة لابن الرئيس المعزول عمر البشير بالتبني، وأيمن المأمون، المحبوس في دولة الإمارات بتهم تتعلق بالأمن القومي وشريكه حازم مصطفى، بالإضافة لرجال أعمال آخرين ووسطاء خليجيين، في ممارسات وعمليات فساد تركت عبئًا من الديون على الخزينة السودانية يقارب المليار دولار، وساهمت بتضخم فوائدها وأرباحها بطرقها الفاسدة في تدمير الاقتصاد السوداني في عهد النظام البائد. الأمر الذي ما زال وسيظل يعاني منه السودان لسنوات طويلة قادمة.

أيمن المأمون ووجدي ميرغني تربحوا من تضخيم أسعار الشحن والأرباح الخاصة بهم في العقود التي يحصلون عليها بصورة شبه احتكارية فاسدة من الحكومة

وكانت مجموعة شركات بدر أوفرسيز المرتبطة بالرئيس المعزول وأسرته وشخصيات مهمة في النظام البائد قد نشطت منذ العام 2012 وعلى مدى ست سنوات في استيراد السلع الاستهلاكية الأساسية والأسمدة والمنتجات النفطية للسودان عن طريق صفقات ممولة من قروض تسهيلات ائتمانية بلغت مئات الملايين من الدولارات حصل عليها السودان من بنك التجارة والتنمية لدول شرق وجنوب أفريقيا، الذراع المالي للسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) والتي تضم تسع دول إفريقية من ضمنها السودان.

اقرأ/ي أيضًا: تورط به رجال أعمال ووزير سابق.. "الترا سودان" يكشف عن فتح ملف فساد جديد

فساد الوسطاء في التسهيلات الائتمانية

تعد واحدة من أكبر الممارسات الفاسدة المربحة لرموز النظام البائد والمرتبطين به هي قيام شركاتهم بالعمل كوسطاء في التزويد بالسلع الاستراتيجية الممولة عبر القروض المقدمة لحكومة السودان من البنوك أو الدول. حيث يتربحون من تضخيم أسعار الشحن والأرباح الخاصة بهم في العقود التي يحصلون عليها بصورة شبه احتكارية فاسدة تسمح لهم بالتلاعب في الأسعار بلا منافسة حقيقية تقلل من سعر الشراء على الحكومة.

يتتبع تقرير "ذا سنتري" ممارسات فساد شبيهة قامت بها مجموعة شركات بدر أوفرسيز. بدأت هذه الممارسات في العام 2012 حيث كان قد وافق بنك التجارة والتنمية على منح تسهيلات ائتمانية لحكومة السودان. وصلت القيمة الكلية لهذه التسهيلات حينها حوالي (340) مليون يورو وكان الغرض منها استيراد السلع الاستراتيجية. وبطبيعة الحال في مثل هذه العقود تقوم الحكومة باختيار أو تعيين الشركة المنفذة ليقوم البنك بصرف قيمة التسهيلات الائتمانية لها على ضمان حكومة السودان بالسداد في فترة لا تتعدى عامًا واحدًا.

تسهيلات استيراد السلع الاستراتيجية للأسمدة

في تموز/يوليو من العام 2012 تنازلت شركة الثورة الخضراء الحكومية التابعة للبنك الزراعي السوداني عن عقود ائتمان بقيمة (78) مليون دولار مقدمة من بنك التجارة والتنمية لحكومة السودان لصالح شركة بدر أوفرسيز وذلك بدون أن تطرح الحكومة العقود للمناقصة العامة. وقد ذكر أشخاصًا على دراية بالصفقة إنه قد تم إنشاء هذه الشركة في نفس وقت توقيع الصفقة. وقامت الشركة بتنفيذ العقود واستيراد الأسمدة عن طريق الشراكة مع رجل الأعمال المرتبط أيضًا بالنظام السابق وجدي ميرغني محجوب.

وأظهرت الفواتير التي راجعها فريق ذا سنتري زيادة ظاهرة مبالغ فيها تكاد تصل الضعف عن الأسعار السائدة في الأسواق الدولية في فواتير العقود التي نفذها الشركاء. الأمر الذي يدلل على الفساد للتربح الشخصي على حساب القروض والديون التي يدفع قيمتها الشعب السوداني.

اقرأ/ي أيضًا: المناضل إدوارد لينو: وأغمض النسر جفنيه "مشبعًا بالرضى"

الجائزة الكبرى: التسهيلات الائتمانية المتجددة في السودان

كانت صفقة الأسمدة هي البداية فقط، ففي العام 2013 كان بنك التجارة والتنمية قد وافق على تسهيلات ائتمانية جديدة للسودان بقيمة تقترب من المليار دولار. ووفقًا لمصادر ذا سنتري فقد أصدر وزير المالية السوداني آنذاك، بدرالدين محمود عباس، في خطاب موجه لبنك التجارة والتنمية توجيهات بتعيين بدر أوفرسيز كمورد وحيد للسلع. ضخمت الشركة تكاليف شراء السلع الأساسية لزيادة أرباحها الأمر الذي أرغم الحكومة للتخلف عن السداد بعد عام من تاريخ الشراء. وعلى الرغم من تراكم الديون التي بلغت مئات الملايين من الدولارات، يظهر من تفاصيل المراسلات بين الحكومة السودانية وأيمن مأمون معرفة كبار المسؤولين في نظام البشير وتغاضيهم عن فساد بدر أوفرسيز وشركائها.

من أدلة استشراء الفساد في النظام علم مدير بنك التنمية لدى زيارته للسودان إخفاء وزير المالية الأسبق التزاماته وتوجيهاته التي أقامها معهم عن بنك السودان

زيارة مدير البنك للسودان

بلغت مديونية السودان حوالي (22)% من محفظة قروض البنك، وبدأ البنك في العام 2017 محاولات جادة لتحصيل مستحقاته من حكومة السودان، حيث قام رئيس البنك ومديره التنفيذي، أدماسو تاديسي، بزيارة للسودان للضغط على الحكومة لتسديد الديون المستحقة. وكان من أدلة استشراء الفساد في مفاصل النظام علم البنك من خلال اجتماعاته مع كبار المسؤولين إخفاء وزير المالية الأسبق التزاماته وتوجيهاته التي أقامها مع البنك عن وزارة المالية.

استشرى الفساد في حكومة النظام البائد لدرجة إنه حتى مع سعيها لإيجاد وسائل لدفع استحقاقات البنك المتأخرة، قامت السلطات بإدخال شركات بدر أوفرسيز مرة أخرى في هذه العملية عبر ذراعها النفطي هذه المرة "شركة تجارة النفط" وذلك عن طريق التوجيه بالتنسيق معها في احتكارات على شراء المنتجات الزراعية والذهب في السودان والذي ابتدرته وزارة المالية لدفع ديون البنك.

الجدير بالذكر إنه في الخطاب الرسمي الصادر من رئاسة الجمهورية والذي يوجه وزارة المالية بسداد مديونية البنك كان قد ورد إن الدين قيمته حوالي مليار دولار، في حين أن وثائق البنك المتاحة للجمهور تنص على أن المديونية أقل من ذلك، وهو ما يؤكد توغل الفساد في مؤسسة الرئاسة السودانية إبان عهد النظام البائد.

التدقيق المكثف

مثل العديد من الأفراد والكيانات المتورطة في قضية بنك التنمية والتجارة، تخضع شركة وجدي ميرغني المسجلة في المملكة المتحدة التي شاركت بدر أوفرسيز في صفقة 2012  لتدقيق مكثف من الحكومة البريطانية.

كان الهدف من تلك القروض هو الدفع بعجلة التنمية في السودان. ولكن إساءة استخدامها نتج عنه مضاعفة أزمات البلاد الاقتصادية عبر الديون المتراكمة

اليوم، يقضي أيمن مأمون عقوبة بالسجن مدى الحياة في دولة الإمارات نتيجة لتورطه في عملية تجسس لكشف حسابات طه عثمان الحسين المدير الأسبق لمكتب رئيس الجمهورية في البنوك الإماراتية. ولكن استمر شريكه حازم مصطفى بتزويد الحكومة السودانية بالسلع الأساسية عبر بدر أوفرسيز مواصلًا جني الأرباح المهولة.

تسببت بدر أوفرسيز ومثيلاتها والفساد المستشري على أعلى المستويات في النظام البائد في تدمير الاقتصاد السوداني ونهب مقدرات البلاد. كان الغرض من تلك القروض هو الدفع بعجلة التنمية في السودان. ولكن إساءة استخدامها نتج عنه مضاعفة أزمات البلاد الاقتصادية عبر الديون المتراكمة. وعلى الرغم من انكشاف أنشطة بدر أوفرسيز الشنيعة، إلا أن شركائها ما زالوا غير معروفين ويجب ملاحقتهم ومحاسبتهم واسترداد أموال الشعب السوداني واستئصال مثل هذه الممارسات؛ فالسبيل الوحيد لدعم فرص التنمية الاقتصادية المستدامة والتقدم الديمقراطي في السودان هو استئصال هذه الممارسات الفاسدة مرة واحدة وإلى الأبد.

اقرأ/ي أيضًا

"الترا سودان" يكشف أسرار إعادة صادر المواشي للسودان والوزارة تتحمل المسؤولية

احتمالية انهيار سد النهضة.. خبراء يتحدثون لـ"الترا سودان"