حرب جنوب طوكر.. ذاكرة الدم الحرام

حرب جنوب طوكر.. ذاكرة الدم الحرام

تعبيرية (الجزيرة نت)

في ليلة الثلاثاء من مارس/آذار 1997، أحس سكّان مدينة "قرورة" في أقصى الحدود الشرقية مع إريتريا، أن وضعًا غير طبيعي يحصل في أطرافها، مع معلومات متواترة مقلقة حملها الرعاة وهم يسيرون خلف أغنامهم إلى داخل المدينة وتسبق خطواتهم خفقات قلوبهم، وحينما أسدل الليل ستائره السوداء على سماء المدينة، كان السكّان المحليون يحبسون أنفاسهم وهم ينتظرون الصبح. هذا الهدوء الذي لم تعتاده المدينة ينبئ بشيءٍ ما، ربما شرًا مستطيرًا.

في ظلام ليل الثلاثاء وصبيحة يوم الأربعاء 26 مارس/آذار 1997، اقتحمت المدينة قوات عسكرية مدججة بالسلاح

وفي ظلام ليل الثلاثاء وصبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرون من مارس/آذار 1997، اقتحمت المدينة الوادعة قوات عسكرية مدججة بالسلاح ونشرت فيها الرعب، وصحا من نام من المواطنين؛ على صوت الرصاص والمفرقعات ودوي القنابل، وجفلت البهائم وسكت نباح الكلاب واختبأ الناس في بيوتهم لا تُسمع منهم إلا أصوات أنفاسهم.

اقرأ/ي أيضًا: هل تُفلح جهود نهضة "دينمو" الانتقال الديمقراطي في السودان؟

كانت الشوارع خالية إلا من أناس غرباء بزي عسكري بألوان وأحذية مختلفة عن ما عهدوه، يعبرونها بهلع ممزوج بروح انتصار زائفة ورعب داخلي يطل من أعينهم الغارقة في أحجارها.

يقول الخبر الذي ينتشر سرًا بين البيوت، إن المعارضة السودانية المسلحة دخلت مدينة قرورة وحررتها، واستمر بعض الجنود في طريقهم إلى تحرير مدن وقرى أخرى. 

مواطن بسيط التقط كلمة تحرير من فم أحد الجنود الغزاة ونقلها للناس، وكلما سقطت مدينة أو قرية يقول الجميع: تم تحرير المنطقة التالية لمنطقتنا.

يقول شاهد عيان وهو أحد الجنود الذين هاجمتهم المعارضة السودانية مدعومة بقوة الدفاع الإريترية: "هوجمنا وقت الفجر -أي مع توقيت صلاة الفجر، تقريبًا ما بين الساعة الخامسة والخامسة والنصف صباحًا"، كان ذلك بتاريخ 16 نيسان/أبريل 1997.

الجنود المشاة كانوا أغلبهم من المعارضة السودانية "قوات التجمع الوطني"، والتي تتكون من تحالف قوات المعارضة السودانية التي كانت تتخذ من العاصمة الإريترية أسمرة مقرًا لقياداتها وأيضًا كانت معهم قوات إريترية، وكان يتم فرزهم عن قوات المعارضة السودانية بالتسليح الشخصي، وكذلك عبر بعض المواطنين الذين التقوا بهم . أما قوى الإسناد، والتي كانت تتسلح بالدبابات والمدافع المقطورة متوسطة المدى، فهي كانت تابعة لقوات الجيش الإريتري، وكانت خلف القوى المهاجمة. 

يكمل الشاهد حديثه ويقول: "إنني أتحدث هنا بالتحديد عن منطقة "مرافيت" والتي وقعت بها آخر المعارك التي دارت في تلك الفترة، لما يقارب فترة (20) يومًا أو مايزيد بقليل.

اقرأ/ي أيضًا: متوقعةً إعلانًا مرتقبًا للتطبيع.. 14 حزبًا ومنظمة يحذرون من الخطوة

القوى المهاجمة لم تتمركز في منطقة مرافيت، بعد الهجوم والمقاومة التي واجهتها تراجعت للخلف، أي صوب منطقة "عين" والتي كانت نقطة الانطلاقة للتحرك صوب مرافيت".

كانت قرورة أول منطقة هاجمتها قوات المعارضة السودانية المسلحة المدعومة من طرف الجيش الإريتري

بالعودة إلى قرورة، وهي أول منطقة هاجمتها قوات المعارضة السودانية المسلحة المدعومة من طرف الجيش الإريتري؛ فإن الفظائع والجرائم التي حدثت فيها تفوق تصور عقل الإنسان، فقد تم استباحة المدينة وأهلها ودمائهم وأرواحهم بالكامل، فتم قتل الشيوخ كبار السن وسحلهم ورمي أجسادهم في العراء، ومما يلاحظ هنا أن الجيوش الغازية سواء كانت معارضة سودانية أو جيوش إريترية؛ فهي دخلت وفي معيتها قائمة من الأسماء، وبالفعل هذه الأسماء كانوا الضحايا الأولى لعمليات الإعدام العلنية.

وبعد اكتساح كامل منطقة قرورة وإعلانها منطقة محررة تقع تحت سلطة المعارضة السودانية، تم تجميع المواطنين بالقوة حيث خاطبهم محمد عثمان الميرغني، وقال لهم: "لن نرحم كل من يتعامل مع الجبهجية"، في إشارة إلى سلطة الخرطوم، ثم كانت المجزرة، وراح ضحيتها الشهداء الآتية أسماؤهم:

  1.  الشيخ الثمانيني محمد أحمد قمع. 

  2.  الممرض بكري محمد أحمد قمع. 

  3.  مساعد طبي حسن آدم أكد.

  4. حامد إدريس آيتلي، أحد أعيان ووجهاء المدينة.

اقرأ/ي أيضًا: جامعة أفريقيا العالمية.. خلافات اللجنة وعودة التمكين

وثلة من المعلمين نذكر منهم:

  1. حامد محمد علي ود الشيخ.

  2. عثمان محمد عثمان أكد.

  3. إدريس محمد سعيد أبو رقاد.

  4. صالح محمد علي ندل.

جندي سابق في الجيش الإريتري: أعدمت القوات الإريترية عددًا كبيرًا من الجنود السودانيين على شاطئ البحر

ويقدم الجندي السابق في قوات الدفاع الإريترية محمد سعيد إبراهيم -وهو اسم مستعار لحمايته من الاستهداف- الشهادة التالية:

"كنت أتبع للفرقة (271)، والتي كان يقودها الجنرال وجو والجنرال عبدو رمج، وكانت وحدتنا اللواء الثاني بقيادة القيادي العقيد في الفرقة شيبة، وتتكون من ثلاث كتائب مشاة وكتيبة رابعة للمدفعية الثقيلة، وكان مقرنا في منطقة "أم هميمي"، وكان ذلك في  نهاية العام 1997، حيث جاءتنا تعليمات عسكرية  بالتحرك دون أن نعلم وجهتنا، لنكتشف في الطريق بعدما  تجاوزنا قرورة الإريترية ودخلنا قرورة السودانية؛ إننا متوجهون وداخلون في حرب في بلد مجاور وهو السودان. تجاوزنا كامل قرورة، وواصلنا في  طريقنا إلى "عدارت"، حيث استقرت إدارة الكتيبة هناك. وواصلت السرايا طريقها وصولًا إلى "عقيق"  و"كسرة عقيق" والدفاعات التي كانت بالقرب من مرافيت".

يواصل الجندي السابق في جيش الدفاع الإريتري شهادته، ويقول: "لم نجد الكثير من السكان في عدارت، عكس قرورة التي كان فيها عدد السكان أفضل نوعًا ما، أما ما كان يوجد من السكان في أطراف القرية تم طردهم من قبل قائد الكتيبة وبقية الإداريين".

ويضيف في شهادته لـ"الترا سودان":

"استقرت  الوحدات القتالية في الدفاع، حيث كانت تدور المعارك هناك، وكنت أتردد على الدفاعات لإيصال المؤن والذخيرة كل يومين أو ثلاثة. لم نمكث فترة طويلة هناك لأن وحدتنا كانت وحدة دعم الوحدات التي سبقتنا، لا اذكر الفترة بالتحديد، لكنها لم تتجاوز الشهر ونصف أو شهرين عندما جاءنا أمر بالتحرك وإخلاء كل المناطق السودانية مع نهاية العام، وتحركنا منها بعد أن سلمناها لقوات المعارضة السودانية. وأذكر أنني التقيت في عدارت أحد قادة المعارضة، واسمه عبدالله كنة".

ويوضح: "أذكر أن أحد زملائي من  الجنود الذين كانوا قبلنا قد حكى لنا كيف أنهم فاجؤوا قيادات القوات السودانية في ثكناتهم على ضفاف البحر الأحمر في عقيق، وحاصروهم فكان طريق البحر هو المنفذ الوحيد لفرارهم، لكنهم عادوا واستسلموا، لكنَّا لم نرحمهم، فأطلقنا عليهم الرصاص وهم على شاطئ البحر، حيث ماتوا هناك".

اقرأ/ي أيضًا: حوار| مريم الطيب: التلفزيون بأكمله يحتاج لثورة لا تقل أهمية عن ثورة ديسمبر

يكمل الجندي السابق في القوات الإريترية شهادته ويقول: 

"إن القوات الإريترية كانت خلف المعارضة السودانية، وكلما هُزموا وتراجعوا إلى الوراء؛ كان تدخل قواتنا الإريترية لتحرير المنطقة ومن ثم تسليمها لهم. فعلت قواتنا هذا على طول مناطق جنوب طوكر حتى تخوم مدينة طوكر، ثم تم سحبنا من كامل التراب السوداني بتوجيهات عسكرية واضحة من أجل المشاركة في صد الجيش الإثيوبي الذي  كان يهاجم منطقة بادمي الإريترية في الحدود مع إثيوبيا".

تحالف المعارضة الذي يشكل الحكومة حاليًا والنظام البائد والحكومة الإريترية مسؤولون عن كل هؤلاء الضحايا الذين ما زالت تحصدهم مخلفات الحرب

أما قوات المعارضة السودانية، فقد كانت متوزعة على طول خط الحدود الذي يربط بين السودان وإريتريا من بدايته في قرورة وانتهاء بمنطقة "أبو قمل" المتاخمة للحدود الإريترية مع كسلا عبر قرية "الماريا"، وكذلك بين أم هميمي وقرروة الإريترية وقرورة السودانية. 

كل هذا التواجد لقوات المعارضة السودانية المسلحة سابقًا والتي شكلت الحكومة الحالية، بجانب النظام البائد في الخرطوم وسلطات أسمرة القائمة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم -يضعهم جميعًا الغريم الأول في أرواح ودم الضحايا من المواطنين العزل، المنسيون في دفاتر التاريخ، والذين ما زالت مخلفات الحرب وألغامها تحصدهم حتى اليوم.

اقرأ/ي أيضًا

الرسائل السياسية في بروتوكولات الزيارات الرسمية بين السودان ومصر وإثيوبيا

"هيومن رايتس ووتش": على الحكومة الانتقالية في السودان ردع قوات الدعم السريع