الفترة الانتقالية والسياسات الثقافية.. تحديات إدارة التنوع في السودان

الفترة الانتقالية والسياسات الثقافية.. تحديات إدارة التنوع في السودان

جدارية من ساحة اعتصام القيادة العامة (BBC)

يعيش السودان مرحلة انتقال وعبور بعد سنوات من العزلة عن العالم، والمفارقة أن العزلة السودانية لم تكن خارجية فقط وإنما داخلية أيضًا، حيث عانت البلاد لسنواتٍ طويلة من السياسة الثقافية الأحادية التي فرضها النظام المُباد. وعكست وسائل الإعلام ومؤسسات الثقافة لعدة عقود ثقافات إثنيات محددة، دون الالتفات للتنوع الكبير الذي تعيشه الشعوب السودانية.

وفي ساحة اعتصام القيادة العامة، عكس السودانيون تنوعًا ثقافيًا واجتماعيًا أبهر شعوب العالم، وفي أرض الاعتصام تآخى المسلمون والأقباط في مشهد من التعاون والترابط الديني والثقافي. وتوافد إلى أرض الاعتصام الأفراد بسحناتٍ ولهجات محلية مختلفة، وقدمت كل منطقة في السودان ما يميزها من حيث الثقافة الغذائية المحلية.

السياسة الثقافية للدول تختلف بحسب التوجهات والأفكار العامة للشعوب، وتتغير وفق آيديولوجيات السلطة الحاكمة والمستجدات في الساحة الثقافية

وتضع التحولات الثقافية لثورة ديسمبر المجيدة المسؤولين أمام تحديات كبرى في بناء سياسات ثقافية تمازج التنوع الثقافي في السودان. وفي التقرير التالي نتساءل عن أبرز ملامح السياسة الثقافية خلال الفترة الانتقالية.

نقاش ثقافي

تعرف السياسة الثقافية بأنها مجموع الآراء والتوجهات التي تربط بين مجتمع ما والسلطة السياسية الحاكمة، وتتميز عن ضروب الثقافة الأخرى بالاستمرارية والتحول الدائم، فالسياسة الثقافية للدول تختلف بحسب التوجهات والأفكار العامة للشعوب، وتتغير وفق آيديولوجيات السلطة الحاكمة والمستجدات في الساحة الثقافية العامة.

اقرأ/ي أيضًا: الثقافة والإعلام تُقر بوجود تمكين للإسلاميين عطل المسرح والسينما

ويرى الناقد والمترجم عزالدين ميرغني، أن السياسة الثقافية من جانب الحكومة يجب أن تكون مدروسة من خبراء في المجال الثقافي، لأن الموظف الثقافي العادي ربما لا يكون مبدعًا. 

ودعا عزالدين ميرغني لتكوين مجلس ثقافي استشاري يضع سياسات ثقافية لمدة طويلة. وقال لـ"الترا سودان" إن على الدولة أن تقيم البنى الأساسية للثقافة من مسارح وغاليريهات ومهرجانات، لأن منظمات المجتمع المدني لا تملك المال حتى في الدول الغنية.

وطالب الناقد والمترجم عزالدين الدولة بإتاحة إمكانيات النشر، بإعفاء مدخلات الطباعة من الرسوم الجمركية قائلًا: "نشر الكتب من أهم مقومات الثقافة"، وتابع حديثه "أما تدوير الثقافة اليومي فدور منظمات المجتمع المدني، ممثلة في الجمعيات والاتحادات الثقافية، وبعيدًا عن الجهوية وإقصاء الآخر".

الثقافة أولًا وثانيًا

يشمل مدلول كلمة "ثقافة" كل أوجه الحياة اليومية للفرد، بما في ذلك المأكل والملبس والذوق الموسيقي وصولًا للسياسة العامة بمؤسسات الدولة الثقافية.

من اعتصام القيادة العامة (مواقع التواصل)
من اعتصام القيادة العامة (مواقع التواصل)

 ومع تزايد عدد السكان، والتحولات الثقافية التي يشهدها العالم، تتباين الثقافة العامة من فردٍ إلى آخر، ومن جماعة إثنية وجغرافية إلى أخرى. فكيف تنجح السياسة الثقافية العامة للدولة في عكس هذا التنوع والتباين الجمالي والثقافي؟

للإجابة على هذا السؤال يقول الموسيقار كمال يوسف، إن الدولة في السودان تضع الثقافة في المرتبة الثانية بعد السياسة، في حين أن الكثير من الحلول تتواجد عند المثقفين، وعلل حديثه بالقول: "الفنان لا يملك أغراضًا ذاتية سوى جني النجاح من المنتوج الفني".

ويعرف كمال يوسف النجاح بأنه الممارسات اليومية الجمالية في حياة الناس. ويضرب أمثلة بصنع "الطواقي" وطقوس شرب الشاي عند البرامكة. وحذر من اندثار بعض الثقافات مثل استخدام "العنقريب والبنابر" واستبدالها بالأسرة الخشبية.

ولخلق توازن ثقافي سوداني يطالب كمال يوسف، بإتاحة الفرص الثقافية للجميع، وقيام مهرجات في مناطق السودان المختلفة لخلق تنمية ثقافية واقتصادية، وتفعيل مشاركة المجتمعات المحلية في الفعل الثقافي.

الثقافة والديمقراطية

تاريخيًا جاءت فكرة السياسة الثقافية من منظمة "اليونسكو" في ستينات القرن الماضي، بأن تضع الدول تشريعات وقوانين لحماية ودعم الثقافات وبناء المتاحف والدور الثقافية، لتنمية المنتوج والإرث الجمالي والثقافي.

اقرأ/ي أيضًا: في وداع "الوسيم القلبي رادو"

ويقسم الأستاذ بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم علي الضوء، السياسة الثقافية إلى نوعين واحدة منفتحة كليًا وأخرى  منغلقة تسيطر عليها الدولة وفق الآيديولوجيا الحاكمة، ونوع ثالث هجين بين النوعين المشار إليهما. وعرف السياسة الثقافية بأنها قوانين تفرضها الدولة، بحيث تجد كل إثنية تمثيلًا في مؤسسات الدولة الرسمية.

علي الضوء: الثقافة تتطلب وعيًا لجعل الآيديولوجيا تلائم الواقع وتجنب خلق عدائيات

ويقول علي الضوء إن الثقافة تتطلب وعيًا لجعل الآيديولوجيا تلائم الواقع وتجنب خلق عدائيات، ووضعها في أفضل مواعين ثقافية تتماشى مع الناس. ويضيف أن مفهوم التنوع متواجد على مستوى الفرد الواحد، والمطلوب أن يعكس الناس الثقافة وفقًا للبيئة. 

ويشير علي الضوء إلى أن الديمقراطية لا تعني فقط التصويت في الانتخابات البرلمانية، وإنما حرية الاختيار في إدارة الحياة الفردية، الذي يعد حقًاأاصيلًا من حقوق الفرد، بشرط عدم ارتكاب الأخطاء والتمييز بين الناس، بحسب ما أوضح علي الضوء في حديثه لـ"الترا سودان".

وبناءً على ما تقدم، يبدو أن التخطيط للثقافة أكثر صعوبة مما يبدو عليه، فالسياسة الثقافية لدولة تعبر عن جموع أفرادها، اختلافهم، وتنوعهم الجمالي. وتبقى الإجابة عن سؤال كيف يدار السودان ثقافيًا؟ مفتوحة أمام عموم الشعب السوداني.

اقرأ/ي أيضًا

"الكتابة النسائية".. أداة تغيير وصوت مقاومة

المرأة في الدراما السودانية.. الأمل في الحرية