البحر الأحمر.. فردوس السودان المهمل

البحر الأحمر.. فردوس السودان المهمل

ميناء بورتسودان (Suna)

اسرة العقارات في السودان يمكنهم حسم أي جدال حول السعر مع المشتري بهذه الكلمة السحرية (ناصية) والتي تعني في العامية السودانية أن العقار يطل على شارع رئيسي.

اطلالة السودان على البحر الاحمر تجعل منه أحد أهم المواقع الاستراتيجية في القارة

ولو أنك أردت أن تستعرض مميزات السودان كوطن فلن يفوتك أن تذكر أنه (ناصية) وإطلالة السودان على البحر الأحمر تجعل منه أحد أهم المواقع الاستراتيجية في القارة، فالساحل السوداني الذي يبلغ طوله ما يتجاوز 800 كيلو متر مع العديد من المناطق الصالحة لإقامة موانئ عليها، يجعل من شرق السودان فردوسًا مهملًا.

اقرأ/ي أيضًا: هل عادت التعاملات المصرفية بين السودان ودول العالم؟

لنعرف كيف تدار الأمور في البحر الأحمر دعونا نذهب بعيدًا أقصى شمال البحر، حيث تمتلك دولة إسرائيل منفذًا بحريًا في خليج العقبة، ومن المعلوم أن القانون الدولي يتيح لكل دولة ساحلية مياهًا إقليمية  تعتبر رسميًا ضمن سيادتها، تبلغ حوالي 12  ميلًا بحرًيا أي ما يساوي 22  كيلو متر، وفي حالة وجود جزر يتم إحتساب المياه الإقليمية من النقطة بعد الجزر لا من الساحل.

كانت السفن الاسرائيلية فيما مضى تعبر وفق تفاهمات واتفاقات مع مصر، لأن سيادتها على  جزيرة تيران تجعل  مسار عبور السفن الاسرائيلية ضمن المياه الاقليمية المصرية. أما الآن وبعد تبعية الجزيرة للسعودية يصبح مسار السفن الاسرائيلية  ضمن المياه الدولية. وتبحث الدول عن ما يحقق لها حرية العبور، ويحفظ أمنها القومي والعبارة المناسبة للوصف هنا هي (ما يجعلها بعيدة عن الاختناق) هكذا تدار الأمور في بحر القلزم الذي صار يعرف لاحقًا بالبحر الأحمر.

لماذا يكتسب البحر الأحمر هذه الأهمية؟

الأمر وباختصار هو أنك لو وضعت خريطة العالم وتابعت مسارات تجارة النفط ستجد أن معظمها يمر عن طريق البحر الاحمر، وللك أن تتخيل الآن لو أنك  وضعت اصبعك على الخارطة مغلقًا الطريق ماذا سيحدث للعالم. بعدها ستتضح لك أهمية البحر الاحمر في الأمن العالمي، فحتى موعد اكتشاف بدائل أخرى للطاقة، سيظل النفط والغاز سلعة يمكنها أن تبدأ الحروب ولأجلها تحرك الأساطيل.

اقرأ/ي أيضًا: عربونها 80 مليون يورو..ألمانيا تعرض على السودان شراكة استراتيجية

الأهمية الأخرى هي التجارة العالمية. فمنذ افتتاح قناة السويس نسي العالم طريق رأس الرجاء الصالح. مرة أخرى، انظر للخريطة وتخيل أن فرنسا مثلًا لديها منتج تود إرساله للسعودية أو العكس دون أن تمر بقناة السويس والبحر الحمر يجب على سفينتها هذه أن  تكمل دورة كاملة حول افريقيا كلها لتصل وجهتها.

 ضع في الاعتبار حسابات التكلفة والزمن وسيتضح لك أهمية البحر الأحمر التجارية التي تجعل منه أرض معركة كبرى تدور في صمت، وبضجيج عالي أحيانًا أخرى، فلا يمكن قراءة النزاع الخليجي والحصار القطري بعيدًا عن ميناء حمد، أو بعيدًا عن حرب الموانئ هذه بصفة عامة فالدول في المنطقة تضع نصب أعينها أن الموارد النفطية في تناقص، لذا عليها أن تنوع من اقتصادياتها، وأكبر مورد متاح لها هو التجارة البحرية، مثلًا في العام  2018 أعلنت شركة موانئ دبي أن صافي أرباحها قد قارب الـ 1,27 مليار دولار، فميناء حمد  الذي تم انشاؤه  كان سيخصم من الكعكة التي تتغذى عليها الإمارات الآن، والصين تنزل بثقلها في المنطقة في جيبوتي، وتواجه  اليمن حربًا شرسة، فإن كانت عدن المدينة تسمى الجنة، فميناء عدن هو جنة موانئ المنطقة.

السودان والبحر الأحمر

الأن مجددًا عليك بالرجوع إلى الخارطة، أرسم هلالًا وهميًا حول ميناء بورتسودان ثم أجعله يكبر تدريجيًا ليصبح أكبر من مساحة السودان في الخريطة، سيشمل الهلال هذا دول تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان ويلامس إثيوبيا. هذه الدول بلا موانئ يمكن ببساطة أن يصبح ميناء بورتتسودان أو الموانيء السودانية عمومًا هي خيارها الأفضل، فقط سيحتاج مشغل الميناء إلى منطقة تجارة حرة ، وإلى إعادة تأهيل الميناء وربما إنشاء موانئ جديدة على طول الساحل ،أو بعث الموانئ المهجورة مثل ميناء أوسيف مع ربط الميناء بطرق وسكك حديد قارية.

والخيارات متاحة أمام السودان في كيفية تمويل مشروع مثل هذا سواء عن طريق نظام البوت أو عن طريق صيغة جديدة من الشراكات والمساهمة العامة، لكن المؤكد أنه بعيدًا عن فرص العمل التي سيوفرها مشروع مشابه، فإن العائد الاقتصادي المتوقع سنويًا من المشروع سيغطي تكاليف الإنشاء في أقل من عشرسنوات ، وربما لو سارت الأمور جيدًا، في ظل إستقرار سياسي، سيصبح من الممكن أن نرى علم السودان يخفق على السفن في أعالي البحار مجددًا.

كانت سفن الناقل البحري السوداني تشق أعالي البحار قبل بيعها في أحد أكبر عمليات فساد نظام البشير

إن توفرت رؤية استراتيجية للتنمية، لن تجد صادرات السودان مثل الكركدي والصمغ العربي والحبوب الزيتية والثروة الحيوانية والقطن، وبقية المنتجات الزراعية والصناعات التحويلية، لن تجد شريكًا أفضل من الناقل البحري الوطني، الذي كانت سفنه تشق عباب البحار قبل بيعها في واحدة من  أكبر عمليات فساد نظام البشير، ليصبح بعدها مبناها القديم في مدينة بورتسودان معلمًا، يستخدم لوصف أماكن أخرى بالإحالة إليه بعبارة (محل كانت سودان لاين)

ربما حان الوقت ليعود عمال الشحن والتفريغ في الموانئ السودانية لترديد أهازيجهم التي تعينهم على العمل، وأن يسمع صرير التروس في الرافعات الجسرية، وتنطلق صافرات السفن السودانية.

اقرأ/ي أيضًا:

 كبرى الشركات الحكومية تقر بتراجع إنتاج الذهب ومديرها يكشف التفاصيل

صفقة ميناء السودان الشرقي الغامضة.. تسلل إماراتي في البحر الأحمر