الأيقونات الثوريّة.. جدليّة الرمز وصاحبه

الأيقونات الثوريّة.. جدليّة الرمز وصاحبه

أيقونات ثورية (اختيار وتنفيذ مليحة ملسلمان)

بعد طوفان الثورات التي قامت بها الشعوب العربية خلال العقد الأخير، كان من المتوقع  ظهور شخصيات بدأت بالترسّخ في الوعي الجمعي كأيقونات دالّة على الفعل الثوري، وعلى مطالب الشعوب في العدالة والتحرر. وكما يتمركز جيفارا في الذاكرة الإنسانية كأيقونة ثورية تختزل معاني النضال من أجل الحرية، أفرزت الثورات العربية كذلك رموزها وأيقوناتها، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، محمد البوعزيزي من تونس، وأحمد حرارة وعماد عفت ومينا دانيال من مصر، وآلاء صالح من السودان، والطفل حمزة الخطيب وعبد الباسط الساروت من سوريا، وغيرهم ما لا يسع المجال لذكر أسمائهم.

الرمز أو الأيقونة هو مثل علم الدولة، أينما شوهد يشير إليها

معنى الرمز/الأيقونة

تطلق مصطلحات عدة على الشخصية التي تبرز كدالّ على ثورة أو انتفاضة شعبية ما، ومن أبرزها كلمتا "أيقونة" و"رمز"؛ تشير كلمة "الرمز" إلى علامة ما أو فعل من نوع ما يستعمل في نقل معنى معين لفرد ما استنادًا إلى مجموعة من المعايير أو الممارسات العرفية المعتادة العامة. إنه مثل علم الدولة، أينما شوهد يشير إليها. على سبيل المثال، تشير رموز، مثل خارطة فلسطين وحنظلة والكوفيّة وغيرها، إلى القضية الفلسطينية ومسيرة الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال. وهكذا يمكن أن يكون الرمز شخصًا ينضم إلى مجموع الرموز الأخرى التي تفرزها قضية ما لتشير إليها.

اقرأ/ي أيضًا: النخب الإسلاموية في السودان.. الظالمون المتظلمون

أما مصطلح "أيقونة" Icon، فهي كلمة يونانية تعني "صورة"، وقد استعير اجتماعيًا من مجاله الديني الكنسي، إذ هو بالاصطلاح الديني يعني "صورة دينية مدشّنة ومخصّصة"؛ و"تُستخدم الأيقونة أيضًا، في الثقافة المعاصرة، في الفهم العام للرمز مثل الاسم، الوجه، الصورة، الصرح أو حتى شخص معروف عنه تجسيده لصفات معينة. والأيقونة قد تحتوي رسمًا أو تصويرًا، يمثل شيئًا آخر ذا أهمية أكبر من خلال المعني الحرفي أو التصويري، وعادة ما تقترن بموقف ديني أو ثقافي أو سياسي أو اقتصادي".

هكذا فإنه حين يقال عن شخصية ما في سياق ما إنها "رمز" أو "أيقونة"، فإن ذلك يعني أن هذه الشخصية قامت، في سياق اجتماعي أو سياسي ما، بتجسيد صفات أو أفعال وضعتها في مرتبة كونها رمزًا للقضية ذات العلاقة.

كيف يتشكّل الرمز؟

تلعب عدة عوامل، تاريخية وسياسية، واجتماعية واقتصادية، ونفسية جمعية، دورها في تشكيل رموز ثورة أو قضية ما. من بينها أفعال وصفات الشخصية التي نالت لقب الرمز في سياق ظروف تاريخية حرجة. إذ إن الفعل وحده لا يكفي لبروز الرمز إن لم يتوفر شرط هام، وهو الظرف أو اللحظة التاريخية كحاضنة لتَشكّله.

لا يهمّ كذلك المدى الزمني لأفعال الشخصية؛ لنأخذ حالتين للتوضيح: عمر المختار كرمز للتحرر من الاستعمار والملقّب بشيخ الشهداء وشيخ المجاهدين وأسد الصحراء، ومحمد البوعزيزي كأيقونة للثورات العربية. وبطبيعة الحال هناك خصوصية لرمزية كل منهما، لكن يحضران هنا كمثال لتوضيح الفارق الكبير بين المدى الزمني للفعل ونوع الفعل لكل من الرمزين؛ خاض المختار مسيرة كفاح لسنوات طويلة ضد الاستعمار انتهت باستشهاده، أما البوعزيزي، فقد خاض أيضًا منذ كان طفلًا، يتيمًا وفقيرًا، مسيرة شاقة ولكن مختلفة، هدفها إعالة أسرته والعيش بكرامة، غير أن لحظة زمنية واحدة، حرجة ومصيرية، كانت كفيلة بجعله رمزًا، وهي اللحظة التي قرر فيها إضرام النار في جسده، احتجاجًا على سوء الأوضاع وعلى إهانته على يد قوات الشرطة.

 إضافة إلى الفرق بين المدى الزمني للفعل في الحالتين، هناك الفارق بين الفعلين "الاستشهاد والانتحار"، وبمعنى أدقّ، الفارق بين مكانة كل منهما في الوعي الجمعي. ومع ذلك، وعلى الرغم من ثقافة تكفير المنتحر السائدة إلا أن البوعزيزي نال لقب الأيقونة، بل ويعتبر مُفجّر الثورات العربية، رغم أنه رحل قبل اندلاع أي منها، ولكنه كان سببًا مباشرًا في اندلاع أولاها، ثورة تونس، ومن ثم اندلعت الثورات الأخرى تِباعًا. في السياق ذاته ينطبق القول على خالد سعيد من مصر كمفجّر لثورة 25 كانون الثاني/يناير رغم أنه استشهد، جراء الضرب على يد قوات الشرطة، قبل أشهر من اندلاعها.

اقرأ/ي أيضًا: الثورة السودانية.. حراكُ مستلهٌم من إرثٍ تليد

بالتأكيد هناك الكثيرون مثل عمر المختار الذين ناضلوا ضد الاستعمار واستشهدوا، وهناك الكثير من أمثال البوعزيزي الذين قتلهم الذل وقهر الحال والفقر، ومنهم من قاموا بالانتحار احتجاجًا على سوء الأوضاع، وهناك كثير مثل خالد سعيد الذين استشهدوا تحت التعذيب في السجون المصرية والعربية، إذًا ما الذي يجعل من شخصيات معينة رموزًا وأيقونات، بينما يبقى أمثالهم من شهداء ومعتقلين ومناضلين في الظل؟

إن الإجابة على هذا السؤال تحتاج بحق إلى بحث معمق لتعيين وتحليل أسباب وظروف تشكّل الرمز المركّبة والمتداخلة، لكن يمكن القول إن عامل الشهرة يلعب دورًا كبيرًا في إبراز شخصية معينة دون غيرها، وليس بالضرورة أبدًا أن يكون الشخص مشهورًا قبل قيامه بالفعل أو دخوله في الحدث الذي جعل منه رمزًا، ولكن المقصود هنا حجم اشتهار الحدث وتفاعل الناس معه وتناقلهم له بعد حصوله.

الشهرة بدورها تتدخل في حدوثها عوامل كثيرة ومتشابكة؛ أبرزها الظروف السياسية والاجتماعية -ومدى بلوغها ذروتها- كحاضنة للحدث، وزمان ومكان وقوع الحدث، وطريقة وقوعه، ومدى تفاعل وسائل الإعلام معه. هناك أيضًا دور الأحزاب والتنظيمات السياسية، والمثقفين والفنانين والناشطين ومواقع التواصل الاجتماعي، ودور مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية والإعلامية في ترسيخ رموز معينة في وعي الأجيال (مثل القادة ورموز التحرر من الاستعمار). يأتي كذلك دور المصورين الهامّ خلال الثورات العربية إذ نقلوا صورًا من ميادينها رسخت في المخيّلة الجمعية.

الرمز بين التقديس والتشكيك

يحيط بالرمز أو الأيقونة جدلٌ لا يمكن أن يتوقف، فالاختلاف حقيقة سارية في الموجودات وطبيعة للأشياء، إذ لا يمكن أن يتفق الجميع على شيء واحد وبشكل مطلق. وتتعرض الغالبية العظمى من الرموز التي أفرزتها الثورات وقضايا الشعوب على مر التاريخ للنقد بل والتشكيك. هذا الجدل تبرزه أسباب وإشكاليات عديدة تتعلق بالشخص صاحب الرمز، وبمفهوم الرمز في الوعي الجمعي، وبطريقة تلقّي الجماعات المختلفة لحدثِ تشكّلِ الرمز.

من بين هذه الإشكاليات أن الرمز، كما ذُكر سابقًا، غالبًا ما لا يكون معروفًا أو مشهورًا قبل تشكّله كرمز، ولكن حدثًا بحجم الثورة يؤدي بطبيعة الحال إلى ظهور شخصيات غير معروفة مسبقًا وفجأة إلى المشهدية البصرية للثورات العربية. وعلى الرغم من قوة الظهور وقوة الصورة وحساسية اللحظة الزمنية، كما في حالة آلاء صالح من السودان على سبيل المثال، إلا أن الكثيرين يجدون صعوبة في تقبّل المكانة الرمزية التي حصل عليه صاحب الأيقونة، فتظهر أسئلة من قبيل: من هو، وما هو تاريخه، وكيف أصبح فجأة أيقونة ولماذا، وما الذي فعله ليصبح أيقونة، وكيف سيكون أداؤه في المستقبل بعد أن أصبح رمزًا، وغيرها من الأسئلة ذات الطبيعة الاستنكارية والتشكيكية.

اقرأ/ي أيضًا: نظام التعليم بالسودان وترسيخ التفاوتات الاجتماعية

تكمن الإشكالية الأكثر حساسية في الاعتقاد السائد بأن الرمز-والشخص صاحبه أيضًا- قد دخلا دائرة القداسة، ما يثير حساسية شديدة في النقاش لدى طرفيْ الجدل، المؤيدين للرمز والمعارضين له أو المشككين فيه. يتم إضفاء هالة القداسة على الرموز التي تظهر في الثورات خاصة، ويصبح التقديس سلوكًا أكثر تركيزًا ووضوحًا في حال استشهاد الرمز. هنا يصبح نقده أو التشكيك فيه، بالنسبة لمحبّيه ومؤيديه، فعلًا يقترب من الخيانة. هكذا يتسبب الاعتقاد الخفيّ بالقداسة في احتدام الجدل بشكل حاد؛ ففي حين أن المؤيدين يجدون من الصعب تقبّل أي نقد لرمزهم أو التشكيك فيه، يبالغ المعارضون في التشكيك محاولين ليس فقط نزع هالة القداسة عنه، وإنما تحطيم إطار الرمزية الذي دخل فيه.

هناك عوامل أخرى تلعب دورها في زيادة حدة الجدل، منها وفاة أو استمرار حياة صاحب الرمز، فالجدل يكون أكثر ظهورًا وحدّة في حالة الرموز التي تستمر في البقاء على  قيد الحياة، بينما يوضع من استشهد أو توفي منهم في مكانة تقترب من التقديس. يزداد الجدل في حالة ممارسة صاحب الرمز للفعل السياسي بالموازاة مع الفعل الثوري أو بعده؛ يبرز ياسر عرفات كمثال جيد في هذا السياق، وهو الذي غالبًا ما يستخدم كثير من الفلسطينيين اسمه مسبوقًا بلقب "القائد الرمز"، غير أن دخوله في "عملية السلام" يجعله موضوع جدل يستمر إلى يومنا هنا.

من بين العوامل التي تتسبب في إثارة الجدل حول صاحب الرمز، جنسه، فالجدل يكون أكثر حدة في حال كانت صاحبة الرمز أنثى، وهذا أمر متوقع في ظل الصورة النمطية التي تبقى المرأة أسيرتها

من بين العوامل التي تتسبب في إثارة الجدل حول صاحب الرمز، جنسه، فالجدل يكون أكثر حدة في حال كانت صاحبة الرمز أنثى، وهذا أمر متوقع في ظل الصورة النمطية التي تبقى المرأة أسيرة لها. وليس بالضرورة أن يثار الجدل بسبب كونها أنثى فقط، ولكن كونها أنثى يشكل عاملًا إضافيًا لاحتدام هذا الجدل. ومن العوامل الأخرى، الشكل، واللون، والطبقة الاجتماعية، والمسار الذي يتخذه صاحب الرمز الذي يظل حيًا بعد الحدث الذي جعل منه رمزًا.

يذكر أيضًا أن الأنظمة في حالة الثورات، وسلطات الاحتلال في الحالات الاستعمارية، تدعم بشكل مباشر وغير مباشر عمليات تشويه الرموز، فتحطيم وهزم ثورة أو قضية ما يتطلب بالضرورة نسف مكانة رموزها في الوعي الجمعي.

الرمز وصاحبه

أخيرًا، يجدر القول إنه لا يمكن أن لا تؤثر مسيرة ومواقف صاحب الرمز، التي اتخذها بعد حدث أو عملية تشكّله كرمز، على رمزيته وحضوره كأيقونة في الوعي الجمعي، لكن وفي المقابل من الصعوبة بمكان انتزاع هذه الرمزية أو نفيها. إن حلّ الإشكاليات المحيطة بالجدل حول الرموز والأيقونات يكمن أولًا في تنحية القداسة، إذ لا شيء مقدسًا بما في ذلك الرموز، ومن الممكن، بل ومن الضروري في كثير من الأحيان، تناول الرموز بمختلف أشكالها ودلالاتها، سواء كانت سياسة أو ثقافية أو دينية، للتحليل والنقد.

هناك ثانيًا مسألة الفصل "النسبيّ" بين الرمز وصاحبه، إذ إن هذا الفصل حاصلٌ في الوعي الجمعي وبشكل غير مرئيّ؛ إن الرمز يصبح ذا حضور مستقل عن الشخص صاحبه، وهو ملك للجميع لا لصاحبه، له صور بصرية ومعرفيّة ذات دلالات ومعاني، وهو أي الرمز، يتعلق بسياق وقضية وذاكرة هي ملك للجميع. هذا "الجميع" لا يعرف عن الشخص صاحب الرمز سوى الصور والمواقف التي رسخت وشكّلته أيقونةً، بينما للشخص حياة مستقلة وخاصة وصور أخرى، بل قد يكون لحضوره كرمز وأيقونة تأثير شديد على مسار حياته وشخصيته. وبمعنى آخر، إن الرمز أقوى من صاحبه، إنه يرسخ ويبقى بوضوح، في حين قد تستمر حياة الشخص في الظلّ.   

 

اقرأ/ي أيضًا

لنستعِد فلسطين كما استعادت ثورتنا "كولمبيا"

رفقاً بـ"حمدوك".. نُخب فاشلة أم بُناة دولة؟