نظرة إلى المستقبل من شرفة الماضي

نظرة إلى المستقبل من شرفة الماضي

(تويتر)

كيف ننهض بأمَّتنا؟ سؤال الأرِق المهموم المكبَّل بالشعور بالعجز والرهق؛ سؤال الإقرار بالسقوط، بل بالانهيار! لكن الأرَق لا يمنح أذهاننا صفاء يعين على الجواب، بل السؤال يقود إلى سؤال: من (نحن) المتدثرون بالضمير (نا)، نشد ألفه غطاء، ونتَّخِذ نونه وسادة؟ لم أجد اسمًا يجمعنا غير ضمير المتكلمين المتجرِّد من العِرق والدِّين والجغرافيا، ذلك الضمير ممتلئ بالاتحاد، المتعاظم بالتَّاريخ. فأنا من إفريقيا السمراء، من عمق خط الاستواء، وبلدي عربي اللسان بأغلبية مسلمة محافظة على المذهب المالكي، وزميلي الكازخستاني شيعيُّ المذهب يرى أنه ضمن (نحن) هذه بملامحه المختلفة جدًا عن ملامحي وعن ملامح زميلتنا البحرينية السُّنية -الداخلة تحت الضمير (نحن)، نحن الثلاثة لنا صديق من نجد يتحدث عربية لا تشبه عربيتنا، وصديقنا اليمني المسيحي له عادات تذكرنا بفروسية امرئ القيس، ولنا صديقة مغاربية شجاعة مصادمة عربيتها تمتزج بالفرنسية مُعجما وتنغيمًا وثقافة.

لنعرف عن أي إسلام نتحدث، وحتى لا ندخل في تعقيدات الإسلام السياسي، نعود بالذاكرة إلى الإسلام منذ بعثة محمد وحتى الدولة العباسية الأولى

من "نحن"؟ نحن الذين -على تباين لهجاتنا، وأحيانًا لغاتنا، وعلى تباين عقائدنا ومذاهبنا، وعلى تباين ألواننا وملامحنا، واتفاق أزيائنا تارة واختلافها تارات، وعلى اختلاف جغرافيَّة مناطقنا جبالًا وسهولًا، صحارٍ وغابات، سواحل بحار ومحيطات، وطمي أنهار وفيضانات- احتضنت أجدادنا ذات يوم دولة راشدة تحت راية الإسلام. عن أي إسلام أتحدَّث؟ كي لا أدخل في تعقيدات الإسلام السياسي، أعود بذاكرة القارئ إلى الإسلام منذ بعثة رسوله الكريم حتى الدولة العباسية الأولى.

اقرأ/ي أيضًا: إثيوبيا.. حرب أهلية أم إقليمية؟

تعال معي لنعبُر بوابة الزمن، لنترك ضجيج المدن الشرسة، والشاشات الذكية، الآن لنعد إلى سماء صافية، نهارًا تضيئوها الشمس، وليلًا يهتدي القوم بنجومها، يتبادلون السمر، والنكات الذكية، أدمغتهم مدربة على سرعة البديهة، وأجسادهم تجيد مراوغة الموت، وربما هناك سراج منير في مكان ما، ونار الشواء أشد منه نورًا.

في تلك البدائية، أنشأ الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم دولة المدينة المدنيّة، أرسى قواعد الحكم الإسلامي الرشيد، الذي وسِع الجميع ذات يوم. الإسلام ليس دين فرائض على معتنقيه وعقوبات على مخالفيه، الإسلام -في رأيي الشخصي- ليس طقوسا لكنه معتقد قائم على احترام الإنسان، وحفظ حقوقه الفردية، مع ضمان التكامل والتضامن الاجتماعي.

في دولة المدينة حُطِّمت العنصرية، فبلال الحبشي مؤذن النبي العربي (للأفارقة أصوات نديِّة- وإني أعزي أهلي في السودان وسائر أهل القرآن في القارئ الشيخ نورين وصحبه الكرام، رحمهم الله)، وسلمان الفارسي مستشار النبي العربي (الفُرس أهل دراية بالحرب والسياسة) وزينب بنت جحش زوجة لزيد بن ثابت ولها حق في خلعه، والخزرجي له أخ أوسي، وكل هؤلاء يحترمون جارهم غير المسلم، يبتاعون منه ويستدينون. هذا النموذج هو الذي جعل ثقافة الإسلام تبسط نفوذها على أكثر بلاد الدنيا، إنها ثقافة احترام الآخر لا التوحُّد معه. أما التضامن فكان في أن للفقير نصيبًا من مال الغني يحميه من الجوع والمرض ويعينه على الحياة، وعلى غير المسلمين ضريبة مقابل الحماية والأمن لضمان حقهم في المواطنة، وفي حال فقرهم لهم من بيت مال المسلمين ما للفقير المسلم (قاس ذلك سيدنا عمر بن الخطاب، قائلا إنّ الجزية تؤخذ منهم عند قدرتهم عليها، ويُنفق عليهم من بيت مال المسلمين حال عجزهم لمرض أو فقر)، أليس هذا التضامن الاجتماعي الذي تحاوله الآن دول العالم الأول؟

هنا أعود لسؤال الأرق الأول، كيف ننهض؟ كيف نتَّحد؟ كيف نعيد أمجاد أجدادنا؟ شِقُّ الإجابة النظري، أن نقرأ تاريخنا، ليس الأمر سهلا فكُتب التاريخ مليئة بالأساطير والأكاذيب، لذا علينا أن نقرأها بتفحُّص وذكاء وبروح تبحث عن الحقيقة. ثم نبدأ في دراسة معطيات واقعنا لنعد رؤية واضحة لمستقبل أمتنا، فالمستقبل ابن الماضي، والحاضر ماضٍ في القريب.

أما شقّ الإجابة العملي، فله عدة جوانب، منها الجانب الأخلاقي للحاكم والمحكوم، كلٌّ على حدة، ثم في إطار العلاقة بينهما، الكلمة المحمدية غاية في الدقة "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"؛ إذ الرعاية هي العناية والحماية، كلنا مسؤول، عن نفسه، وعن إتقانه عمله، عن حفظه لحقوق غيره، عن تربية أبنائه، ومراعاة حق إخوانه، كلنا راع مسؤول عن بناء جزء من الوطن، حتى لو لم يتعدَ هذا الجزء نفسه، فليصلحها ويرعاها حتى لا تفسد بناء البقية.

وهناك جانب آخر، وهو متصل بالمبدأ العام للاتحاد؛ إنّ مفهوم الاتّحاد قائم على الاتفاق مع مراعاة الاختلاف، لذلك –في رؤيتي المتواضعة- أرى أن الاتحاد الذي سيجمع لغاتنا وأعراقنا وثقافاتنا المجتمعية المختلفة لا بد أن يكون اتحادًا فدراليًا، شبيهًا بنموذج الاتحاد الأوربي مع معالجة علّاته والنظر إلى خصوصية حالاتنا.

أخيرًا لا بد من التنبُّه إلى صعوبة التعويل على النُّخب السياسية المتصارعة مثل تلك التي في السودان واليمن والصومال وليبيا والعراق وسوريا.. إلخ، إذ هي نخب- أثبتت فشلها وعقمها وعجزها عن التفكير والخروج بدويلاتها ومجتمعاتها من مستنقعات الحرب والفقر، بل وأهدرت موارد طبيعية وبشرية لا يمكن أن تتكرر، وما زلت أنتظر أن تكشف المحن المتوالية والمصائب المتعاقبة على أوطاننا عن نُخب قيادية سياسية جديدة ربما يعوَّل عليها في فكرة الاتحاد التاريخي المشتهَى.

نهوض الأمم يتطلب التخلص من الاختلالات الأخلاقية التي ولدت الفقر والظلم والحروب التي أهدرت الأرواح والثروات

تفشل الأمم إذا أصابها خلل أخلاقي يجعل القوي يستحل مال الضعيف ودمه، فيعمَّ الفقر والذل والظلم، وتبدأ الحرب في حصد الأرواح وإهدار الثروات، لكي ننهض لا بد أن نتخلص من هذه الأمراض التي أوهنت جسد أمتنا.

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

اقرأ/ي أيضًا

التطبيع.. هل كان بالضرورة؟

الحرية والتغيير.. حاضنة أم حارقة سياسية