التطبيع.. هل كان بالضرورة؟‎

التطبيع.. هل كان بالضرورة؟‎

البرهان ونتنياهو (شبكة القدس)

ستظل قضية تطبيع السودان مع إسرائيل إحدى القضايا الحساسة، التي من المتوقع أن يكون لها ما بعدها، ليس على المدى القريب فحسب؛ بل البعيد أيضًا، إذ أقدمت الحكومة الانتقالية على هذه الخطوة بعد سويعات من إعلان شروع أمريكا في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مستغلة الفرحة التي صبغت الرأي العام نتيجة لما يعد أول الإنجازات التي تقدمها الحكومة الانتقالية في السودان لشعبها الذي يعيش حالة اقتصادية متردية، ببدء إجراءات حذفه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن ليس لأحد أن يتأكد من مدى المحمولات المستقبلية للقرار الذي فاجأت به الحكومة الجميع، بما فيهم مسؤولون من داخل الحكومة نفسها.

 الجهات التي تسعى للتطبيع مع إسرائيل، بعيدًا عن أي ادعاءات بخصوص المصلحة الوطنية، هي من المكون العسكري في الحكومة

منذ البداية كان من الواضح أن الجهات التي تسعى للتطبيع مع إسرائيل، بعيدًا عن أي ادعاءات بخصوص المصلحة الوطنية، هي من المكون العسكري في الحكومة، الذي اشتاط غضبًا ممثله الأبرز، رئيس المجلس السيادي الانتقالي، عبدالفتاح البرهان، طالبًا التفويض من الشعب السوداني للقوات المسلحة، في تلك الأيام التي علت فيها الأصوات المدنية الرافضة للتطبيع أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، والتي أبلغه فيها رئيس الوزراء عبدالله حمدوك عدم قدرة الحكومة الحالية في البت في مسألة بحجم التطبيع مع الدولة الخلافية "إسرائيل".

اقرأ/ي أيضًا: تطبيع السودان أم الدعم السريع؟

السؤال هنا؛ إن كان الشق العسكري بحاجة ماسة للتطبيع مع إسرائيل، من أجل بلوغ رضا شعبي، أو الحصول على ضمانات دولية، أو ترك "إنجاز" يمكّنه من كسر الصورة الرتيبة للعسكريين في عقول السودانيين، فما الذي يدفع الشق المدني للانخراط في علاقة مع دولة خلافية كإسرائيل؟ بالذات وأن تيارًا عريضًا من القوى السياسية الفاعلة في السودان ترفض التطبيع لسبب أو لآخر؟ ثم ألم تخش القوى المدنية من اهتزاز صورتها أمام قاعدتها الجماهيرية وهي التي كانت قد قطعت بعدم البت في هذه القضية إلا عبر حكومة منتخبة؟ ثم ما شأن هذا التراضي بين الطرفين العسكري والمدني، هل يصلح كإشارات لتحالفات بعيدة المدى ما بين أطراف الحكومة الحالية، قد تعطل سلاسة أي تحول ديمقراطي قادم؟

اقرأ/ي أيضًا: إثيوبيا.. مرجلٌ يغلي

وبالرغم من أن وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين، وقد كان من أبرز المعارضين للتطبيع، صرح مؤخرًا في أعقاب التطبيع، أن ما حدث حتى الآن لا يعدو سوى كونه "اتفاق" على التطبيع، وأن الأمر متروك للبت فيه عبر المجلس التشريعي المزمع تكوينه، إلا أن ذلك لا يعد إلا مراوغة لفظية سياسية، فقد صورت الحكومة أن هذا الأمر سيتم البت فيه عبر حكومة "منتخبة" في حين أن المجلس التشريعي المنتظر تكوينه سيتم تشكيله بالتراضي السياسي، وسيضم كتلة كبيرة من النواب التابعين لقوى سياسية داعمة مسبقًا للتطبيع، خصوصًا وأن قوى سياسية خرجت من الحكومة الحالية، آخرها كان الحزب الشيوعي المعارض للتطبيع.

مع الضائقة المستفحلة، والأحلام الوردية لدعاة التطبيع، يتم دس رشفة من الأمل في الأفواه الجائعة

أمر آخر يجعل من التطبيع خطوة مريبة، فرغم أن حمدوك قال إن التطبيع هو شرط أمريكي، إلا أن المراقبين كانوا يرون أن أمريكا ستضطر لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بحكم التغيرّات التي أفرزتها الثورة، إضافةً إلى أن هناك تيارات أخرى داخل الحكومة الأمريكية تقول بضرورة إزالة السودان عن القائمة، كون ذلك يعد الضامن الوحيد لنجاح الفترة الانتقالية، ما يعده بعض المسؤولين الأمريكيين حملًا لا يودون تحمل تبعاته السياسية. بحسب ما أشار كامرون هدسون، السياسي وموظف الاستخبارات الأمريكية السابق، في مقال له نشر في وقت سابق قبل إعلان التطبيع ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

التوقيت الذي أعلن فيه التطبيع يأتي ليعمل مزدوجًا لصالح الطرفين الأمريكي والسوداني، فبالنسبة للرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب، جاء التطبيع في الوقت الذي كادت فيه الانتخابات الأمريكية على البدء، متماشيًا مع أمانيه بدعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والذي يلعب دورًا بارزًا في المشهد السياسي الأمريكي، وبالنسبة للجانب السوداني، فتأخر التطبيع لأشهر، بعد مفاوضات بدأت منذ زيارة البرهان لعنتيبي ولقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، يجيء في الوقت الذي تهيأ له الرأي الشعبي لقبوله، فمع الضائقة المستفحلة، والأحلام الوردية لدعاة التطبيع، يتم دس رشفة من الأمل في الأفواه الجائعة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، هو إذا ما كانت أي أسباب حقيقية تدفع السودان للتطبيع مع إسرائيل، رغم وجود الأصوات المعارضة داخل الحكومة في شقها المدني، ومع وجود تيار سياسي واجتماعي وشعبي معتبر يمانع التطبيع؛ إضافةً إلى أن الحكومة نفسها كانت قد رفضت البت في مسألة خلافية عالميًا وإقليميًا ومحليًا، مرجئةً ذلك إلى حكومة منتخبة.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا بعد مواكب 21 أكتوبر؟

حتى الآن، لم يتضح الثمن الذي ستدفعه إسرائيل نظير التطبيع مع السودان، عدا بعض الوعود على الانفتاح والتعاون المشترك في المستقبل، في وقت وصف فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق مع السودان والدول العربية الأخرى المنضمة للتطبيع قائلًا: "اتفاقات السلام مع دولة الإمارات والبحرين والسودان حتى الآن، جيدة (للأمن والقلب والجيب)". كما يشكك البعض بأن الخطوة ربما تزيد من أزمات السودان، بحسب آراء دبلوماسيين وصحفيين.

تم تمرير خطوة التطبيع في الأجواء التي صاحبت الإعلان عن وصول السودان لاتفاق حول رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب

إضافة إلى ذلك، فكما أشرنا مسبقًا، تم تمرير خطوة التطبيع في الأجواء التي صاحبت الإعلان عن وصول السودان لاتفاق حول رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما خفف الصدمة بالنسبة للمتلقين الذين ربما يستعيدون بأثر رجعي القرار التي اتخذته الحكومة منفردة، وستسوء آثار القرار مستقبلًا كلما لم يلامس المواطن حلولًا حقيقية لأزمته الاقتصادية الخانقة على أرض الواقع.

اقرأ/ي أيضًا

السلام وديمقراطية لوردات الحرب!

حين تكون الدولة هي العدو!