"كاروشي".. الموت تحت ضغط العمل في اليابان

(Getty)

يعاني الإنسان المعاصر من العديد من الأزمات الصحية النفسية والجسدية بسبب المتطلبات العالية للحياة الحديثة والسعي المحموم لتوفير لقمة العيش، ما يدفع العديد من الناس للعمل في أكثر من وظيفة وزيادة ساعات العمل لضمان الاستقرار الوظيفي في ظل اقتصاد عالمي في وضع حرج بسبب جائحة كورونا.

ومنذ أواخر سبعينات القرن الماضي، كان لدى اليابانيين كلمة للإشارة إلى ذلك السعي المحموم الذي يدفع الناس إلى الموت نتيجة للإرهاق والضغط النفسي والجسدي للعمل المتواصل، حيث يسمونه بالـ"كاروشي"، وهي الكلمة التي يمكن ترجمتها حرفيًا بـ"الموت من الإرهاق".

مصطلح كاروشي الياباني يصف الموت الفجائي للموظفين الذين يعانون من ضغط العمل أو نتيجة للقلق الشديد

ومصطلح كاروشي الياباني يصف الموت الفجائي للموظفين الذين يعانون من ضغط العمل، أو نتيجة للقلق الشديد المتعلق بالعمل، واعتبر الكاروشي مرضًا مهنيًا في اليابان منذ العام 1970.

اقرأ/ي أيضًا: "مسكرم".. رأس سنة جديدة في إثيوبيا

وبحسب (Business Insider)، كانت آخر حالة وفاة بالـ"كاروشي" لقيت اهتمامًا إعلاميًا كبيرًا هي وفاة الصحفية "ميوا سادو" البالغة من العمر (31) عامًا. ويقال إنها سجلت (159) ساعة من العمل الإضافي في شهر واحد، وذلك قبل أن تموت بسبب قصور في القلب في تموز/يوليو 2013، حيث تم تحديد أنها توفيت بالكاروشي في العام 2017.

والدة الصحفية ميوا سادو
والدة الصحفية "ميوا سادو"

قبل ذلك تناول الإعلام حالة "ماتسوري تاكاهاشي" البالغة من العمر (24) عامًا، والتي عملت حوالي (105) ساعة من العمل الإضافي في شهر واحد في وكالة الإعلانات اليابانية "دينتسو"، حيث قفزت تاكاهاشي من سطح مخدِّمها في يوم عيد الميلاد في العام 2015، ما تسبب في استقالة رئيس الوكالة ومديرها التنفيذي "تاداشي إيشي"، بعد شهر من الحادثة.

ويمكن تتبع مفهوم "كاروشي" الياباني إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. حيث بدأ العمال اليابانيون بالانتحار والإصابة بالسكتات الدماغية وقصور القلب بسبب أعباء العمل لساعات طويلة والإجهاد والحرمان من النوم.

(Getty) قد لا يجد العامل الياباني وقتًا للراحة إلا في محطة القطارات
قد لا يجد العامل الياباني وقتًا للراحة إلا في محطة القطارات

ووفقًا للباحثين الذين يدرسون تاريخ كاروشي بحسب (Business Insider)، كان المرض في البداية يُعرف باسم "الموت المهني المفاجئ"، لأن الوفيات كانت مرتبطة بشكل أساسي بالعمل. حيث دفع الولاء الشديد للعمال في سعيهم لكسب ثقة رؤسائهم، للعمل حتى الموت.

اقرأ/ي أيضًا: "الكجور".. الأبعاد الروحية لقبائل النوبة

وينطبق هذا على عدد لا يحصى من الموظفين اليابانيين، حيث يعمل الكثير منهم في وظائف "الياقات البيضاء" التي تأتي مع تسلسل هرمي صارم، ولا يُكتسب التقدم فيها إلا من خلال جهود تكسر الظهر. ونادرًا ما يترك الناس وظائفهم، لأن العثور على وظيفة جديدة في اليابان يعني البدء من الصفر، وليس من المستوى الذي تركوه للتو.

كاروشي قد يكون مصطلحًا يابانيًا ولكن ربما نرى تزايدًا في الحالات في جميع أنحاء العالم في الأوضاع الاقتصادية الصعبة في عالم ما بعد جائحة كورونا

الكاروشي قد يكون مرتبطًا بالثقافة اليابانية وثقافة العمل الآسيوية عمومًا، ولكن في عالم اليوم المأزوم بالجوائح والحروب، إلى جانب المتطلبات العالية للحياة والنزعة الاستهلاكية التي اجتاحت العالم، أصبح الطلب على العمل والاجتهاد الشديد للحصول على المزيد من المال بساعات العمل الإضافية، هو الاتجاه السائد بين فئات الشغيلة والموظفين والعمال، ما ينعكس سلبًا على صحتهم الجسدية والعقلية، وربما يفقد البعض حياتهم نتيجة للإجهاد الزائد، بالذات تحت وطأة الاقتصاد العالمي المصاب بجائحة كورونا. ففي عالم اليوم؛ الكاروشي لم يعد مرض يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية لوحدها، وسنرى تزايدًا في الحالات ما لم تولي الحكومات اهتمامًأ أكبر للأوضاع الاقتصادية للشعوب المسحوقة تحت الضغط الهائل لتوفير لقمة العيش والحياة الكريمة.

اقرأ/ي أيضًا

اكتشاف آثار أقدم حرب في التاريخ في السودان

اكتشاف مواقع أثرية جديدة بدارفور