"عائشة الفلاّتية".. صوت الوعي الوطني والتمرّد في أغنية السودانيين

عائشة موسى أحمد يحي "الفلاتية" (الترا سودان)

(غير جاهزة للنشر، بانتظار صورة جديدة) 

لو قُدّر للسودانيين أنْ يسترجعوا لحظتين مهمتين في تاريخ "عائشة الفلاتية"، لأمكن لهم ملاحظة مشاعر مختلطةٍ من العجب والسُخط والفكاك المتدلية من الدهشة. ولربما سمعوا اللّعنات السودانية الساخطة. ولربما بعض الاحتفاءات القليلة النادرة.

لحظتانِ في أقصى الأهمية، كونهما وضعتا أقدام "عائشة موسى أحمد يحيى"، الشهيرة بـ"عشة الفلاتية" على طريقٍ آثارهُ ما تزال بيّنة. مهّدتْ الطريق لكثيرات أتين من بعدها

اللحظة الأولى، كانت سنة 1936، وصوت عائشة الفلاتية، ينبعثُ من أسطوانتها الأولى التي أنتجتها شركة "ميشيان"، وهي تدور على أجهزة الفُونوغراف العتيقة، على المقاهي، وصوتها يشدو بـ"يا حَنُوني وعليك بَزيد في جُنوني".

 

 

اللحظة الثانية، كانت سنة 1940، بعد أربع سنوات من تاريخ اللحظة الأولى، وصوت الفلاتية أيضًا ينبعثُ على الهواء مباشرةً، عبر الإذاعة السودانية، وهي تُقدّم أول أغنياتها، باعتبارها أوّل صوتٍ نسائي: "أذكريني، وبيني، حرام عليك تنسيني".

اقرأ/ي أيضًا: الموسيقى التقليدية.. ترويح الرعاة وإعلام للسلاطين

لحظتانِ في أقصى الأهمية، كونهما وضعا أقدام "عائشة موسى أحمد يحيى"، الشهيرة بـ"عشة الفلاتية" على طريقٍ آثارهُ ما تزال بيّنة. مهّدتْ الطريق لكثيرات أتين من بعدها. بعد أنْ تحملت عنهن مشقة فتح الباب المسدود بمفاهيم عتيدة، وعتيقة، وعنيفةٍ، بجِدّةِ التجربة. وهي مفاهيم مجتمعٍ كان يضع المغنين الرجال في عبارات الاتهام المعلّبةِ، فيصفهم بالصعاليك والصِيّع، فما بالك بالمرأة؟

تاريخُ غناء السودانيات، لا يبدأ بالفلاتية. لكنّه يبدأ بها. فكيف ذلك؟ صحيح أنّ عائشة ليست أول مغنيةٍ سودانية هكذا مطلقًا. فقد سبقتها العديدات، كان ذلك قبل أنْ يعرف السودانيين الإذاعة: "فاطمة خميس"، "مهلة العباديّة"، و"أم الحسن الشايقية"، و"تومات كوستي" "أم بشاير وأم جباير"، اللتان يرجع لهما الصيت والذكر في إيقاع التُم تُم، والذي أفادتْ منه عائشة فيما بعد كثيرًا، فنسجت منه قماشاتٍ لحنية لعديد أغنياتها.

 

 

لكن بإجابة ثانية فإنّ تاريخ غناء السودانيات يبدأ بعائشة الفلاتية. كونها أول صوت نسائي سوداني يخرج عبر أثير الإذاعة. وكونها نجحت في نقل غناء السودانيات من السباتة، وغناء الحفلات على طريقة سودان العشرينيات والثلاثينيات، أو غناء الإماء لأسيادهن، وفي جغرافيا اجتماعية خانقة، إلى ما يُمكن وضعه في تصانيف الأغنية الحديثة.

صحيح أنّ رواية سيرتها الذاتية تثبت أنّ تاريخ رحيلها، كان في 23 شباط/فبراير، سنة 1974، بعد صراعٍ أسيفٍ مع مرض السكري، أضطرّ الأطباء معه إلى بتر يدها ورجلها اليُمنييْنِ، إلا أنّ تاريخ ميلادها بمدينة أم درمان متضاربٌ حتى عندها هي. لكن الأكثر رجحانًا أنّها وُلدت سنة 1922. لأب يُدرّس القرآن، جذورهُ تعود إلى نيجيريا التي أتى منها ليُمارسُ التجارة بالسودان، ولاحقًا اتخذه موطنًا.

 

 

وعلى ذكر والدها مُدرّس القرآن، فإنّ الفلاتية، بدأت بمواجهة والدها، في سبيل الانتصار لحُلمها في الغناء. تقول الفلاتية: "لم أسافر إلى القاهرةِ، إلا بعد علقةٍ ساخنةٍ. لم يكن مسموحًا للمرأةِ الخروج من المنزل إلا لفرحٍ، أو لعزاء في مأتمٍ. وقد وجدتُ مشقاتٍ كثيرة من ناحية أمي وأبي".

لم تكن مواجهةً كما يُعتقد، لكن أمكنها في النهاية بعد الاستعانة بعددٍ من الحيل كالخروج من شِباك الوالد الرافضة، ثم فيما بعد تفرّغت لعدد من الشِباك والحبائل المجتمعية.

شِباك عدم تقبّل غناء الفتيات، إلا إنْ كُنّ من خلفياتٍ اجتماعية وضيعةٍ ومسترقّة. وشِباك انكفاء المغنيات في ترديد أغنيات السباتة. وشِباك عدم تقدير المجتمع لهن. وشِباك الإذاعة وحبائلها الملتفّة. بل شِباك حتى عدم تقبّل الفنانين من رجال ذلك الوقت أنْ تُنافسهم امرأة. وفيما يُروى أنّ الحاج "محمد أحمد سرور"، والذي تُشير الفلاتية أنّها استفادتْ وتأثرتْ في بداياتها بأغنياته، لم يتقبّل أنْ يكون بالإذاعةِ مغنيةً. للدرجة التي هدّد فيها بترك الإذاعة، وعدم دخولها، مشترطًا عدم دخول عائشة لها. لكنها لم تتوقّف، ولم ترضخ لاشتراطاته، ومضتْ قُدمًا في مشروعها الذي آمنتْ به، وانتصرتْ في نهاية الشوط.

لكن، رويدًا رويدًا، خرج صوت الفلاتيّة مغردًا بالعاطفة الدفيقة، وتحشيد الجيوش وتحميسها، ومشجعًا للبناء والعمل، ومحتفيًا بالاستقلال، وقيم الوطنية.

 

 

ثلاثة أمور مهمة في مسيرة عائشة الفلاتية، تُصوّر جوانب من حياتها، لها أبعاد تدلُ على معرفتها أين تضع خُطوتها، ورسائل كثيرة مضمّنة، وعلاقتها بأسرتها وتجربتها. الأول ارتباطها بالثوب السوداني. وتمسكّها الوافر به، حتى في زياراتها خارج السودان، إلى مصر تحديدًا، حين تمضي أجازاتها، أو لإحياء حفلاتها هناك. أو حتى لتسجيل أغنياتها عبر الأسطوانات، أو في إذاعة القاهرة.

الثاني عدم نسيانها لتُراث وأغنيات أهلها الهوسا. حيث لم تتوقّف عن ترديدها حتى عندما ذاع صيتها في الحفلات العامة، أو عبر تسجيلات الإذاعة. أما الأمر الثالث فهو علاقتها بشقيقتها جدّاوية، والتي لعبتْ دورًا كبيرًا مساندًا لتجربتها، عبر المشاركة بالعزف على العُود، حيث عُرفتْ مُجيدةً لآلة العُود، بل شاركتْ عازفةً ضمن فرقة الإذاعة السودانية لسنوات. وأيضًا كان لها دور السند لتجربة شقيقتها عائشة، والوقوف خلفها.

 

 

يأتي على صدارةِ إنتاج عائشة الفلاتية، أغنيات زاهياتٍ وسيمةٍ، لم تضع العتبة التي وقفتْ عليها المغنيات اللائي أتينَ فيما بعد فقط ورددنها، وإنّما ما تزال بذات طزاجتها الأولى

وخلّفت عائشة الفلاتية، أكثر من 70 أغنيةٍ مسجّلة بالإذاعة السودانية، والعشرات الأخرى المسجّلة بإذاعة القاهرة. وتنوّعت في غنائها، متنقلةً بين شعراء وملحنين كُثر، يأتي في مقدمتهم: علي محمود التنقاري، بشير مُحسن، إسماعيل عبد المعين، عبد الرحمن الريح، جعفر فضل المولى وآخرين. يأتي على صدارةِ إنتاج عائشة الفلاتية، أغنيات زاهياتٍ وسيمةٍ، لم تضع العتبة التي وقفتْ عليها المغنيات اللائي أتينَ فيما بعد فقط ورددنها، وإنّما ما تزال بذات طزاجتها الأولى. أغنيات على تنويعات: "عنّي مالم؟"، "من دار الإذاعة"، "بلاّل تزورني مرّة"، "يا حَنُوني"، "يجو عايدين"، "ليه يا مرادي، تخلف ميعادي". وغيرهن الكثير الكثير.

اقرأ/ي أيضًا

فتحي باردوس.. براءة "الأبيض والأسود" تلوح بالوداع

قيمة "الكابلي" الفنية.. حين تعود الطيور لأوطانها فلا شيء أجمل من الغناء