"خلوة" البكري.. اتهامات بالتعذيب والتجويع.. والشيخ ينكر

أصفاد للأرجل مشابهة للنوع المستخدم في الخلوة (Shelly ru)

في العام 2009 أسس الشيخ "البكري محمد عمر" مدرسة دينية تقليدية، "خلوة" أو "مسيد" بغرض تحفيظ القرآن الكريم في مدينة الجنينة "حي الجبل" وبعد توافد الناس عليها لدراسة العلوم الدينية توسع الشيخ عمر في نشاطه، وصار يدعي علاج المرضى وتقويم الأفراد مقابل أجر مادي. تحولت الخلوة لمركز يدعي تقديم الخدمات التربوية والإصلاحية ومعجزات شفائية لعلاج الأمراض. مع ذلك اكتسب المكان سمعة سيئة في أوساط الناشطين الحقوقيين والمهتمين بقضايا حقوق الإنسان في المنطقة! فلماذا؟ ما الذي يحدث داخل هذه الخلوة؟ ما هو الأسلوب الذي تدار به؟ أسئلة عديدة طرحها "الترا سودان" على سكان المنطقة والناشطين وشاهد عيان كان يقيم داخل هذه الخلوة، وخرجنا بالحقائق التالية لنملكها للقارئ.

ناشط حقوقي: رصدنا أكثر من (13) حالة وفاة داخل الخلوة خلال الأعوام الماضية، يتم دفنها سرًا ولا تعرض على المشرحة

تاريخ خلوة الشيخ البكري

للشيخ بحسب سكان المنطقة نفوذ واسع وعلاقات مع بقايا النظام البائد وأملاك متفرقة من منازل وغيرها، ويمكن ليده أن تطال أي فرد لذلك تحدث إلينا "عمار" باسم مستعار عن مسيرة تحول الخلوة منذ افتتاحها وحتى الوقت الراهن قائلًا "قبل أربعة أعوام كان طالب العلم الديني والمريض إذا التحقا بالخلوة يدفع كل منهما مبلغ (55) ألف جنيه سوداني ومعها مواد غذائية مثل زيت الطعام وجوالات الذرة والطحين والبصل. الآن يتحصل الشيخ عمر على ضعف هذا المبلغ مقابل الاحتفاظ بالمريض لمدة عام".

اقرأ/ي أيضًا: حادثة تفجير "الغرانيد".. الغموض سيد الموقف

لا زالت المحررة تتساءل حول ماهية هذا الشيخ؟ يجيب "عمار" بأن الشيخ رجل يبلغ من العمر (50) عامًا، لا يعرف أهل البلد شيئًا عن مؤهلاته العلمية وأين درس وتعلم القرآن الكريم وطرق علاج المرضى، ولم يتمكن عمار من تحديد ملامح حياته الشخصية لأن الرجل كثير الزواج والطلاق، ويمتلك منازل كثيرة داخل مدينة الجنينة، يتحرك في المناسبات الاجتماعية بأريحية ويتبرع للناس بمبالغ مالية لا يعرف أحد مصدرها. يؤكد عمار أنه خلال عام 2017 كلما أقام احتفالًا داخل الخلوة أو خارجها يحضره رجال النظام القديم ممن يمسكون زمام الأمور بالولاية. يقوب "عمار: "وزارة الرعاية الاجتماعية غرب دارفور-الجنينة- تتحصل كل عام على مبالغ مالية لإنفاقها في رعاية المشردين والمرضى والمشردين، لكنها تدفع للشيخ جزء من هذا المال مقابل رعايتهم ولا نعرف كمهتمين ماذا يحدث لبقية المبلغ المالي؟ لم نر مشاريع أو دور إيواء أو خدمات تقدمها الوزارة لهذه الفئة".


الشيخ "البكري محمد عمر"

ضرب وحرمان من الطعام وموت

من جانبه، أيضًا اختار الناشط الحقوقي "أواب" التحدث باسم مستعار تجنبًا للأذى الذي يمكن أن يطاله من نفوذ الشيخ وداعميه من رموز النظام البائد، يقول شارحًا وصنوف التعذيب الممارس داخل الخلوة: "يستخدم الشيخ الضرب للعلاج وفي تعليم القرآن الكريم يستخدم عصا "الخيزرانة" لضرب طلاب العلم، يتم تصفيد المرضى بقيود مجنزرة من الحديد لمنعهم من الحركة. توجد ثلاث زنازين طولها "مترين" وعرضها "متر" عبارة عن أرض مغطاة بالرمل بدون شبابيك ومسقوفة بالحديد. بجوارها مباشرة أربع مراحيض تصل رائحتها حتى الزنازين. يحرم الشيخ المرضى من تناول السكر واللحم والملح، والطعام عبارة "فتريتة" وهي ذرة حمراء تستخدم في إقليم دارفور لإطعام الحيوانات وتعطى أحيانًا للمساجين وتعرف أيضًا بـ"المدماك" تقدم للمرضى النفسيين المساجين دون إضافة ملح أو زيت أو بهارات".


مسجون مصفد في مسيد الشيخ البكري

يوجد في الخلوة ما يقارب (400) تلميذ من حفظة القرآن الكريم منهم (140) تحت سن الخامسة عشر، يستخدم الشيخ الضرب لتعليمهم وتحفيظهم القرآن.

اقرأ/ي أيضًا: في ليلة التمرد.. كيف تحول فرح أسرة سودانية إلى مأتم؟

يؤكد "أواب" وجود إداريين مساعدين للشيخ "عمر" تقارب أعمارهم العشرين عامًا يعملون في إدارة الخلوة والزنازين، تعليمهم دون الثانوي. ينحدرون من طبقات فقيرة. هم من يعاقبون المرضى وحفظة القرآن الكريم. يتناولون طعامًا يختلف عما يقدم للطلاب والمرضى النفسيين. قال "أواب": "وظيفة الإداريين كتابة الإقرار عند استلام مريض، فيه يتعهد الأهل حال توفي الشخص بأن الشيخ غير مسؤول".

أسباب عدم رصد وتسجيل حالات الموت لنزلاء الخلوة هو أن الشيخ لديه إقرارًا مكتوبًا من أسرة النزيل مضمونه أن الشيخ يفعل بالمريض ما يشاء وإن قادت الأفعال إلى الموت

هل حدثت حالات وفاة؟

بحسب "أواب فإن متابعات الناشطين تفيد بوفاة ستة أفراد خلال العام 2013 وتقدر عدد الحالات التي تم رصدها في السنوات الأخيرة بـ(13) حالة وفاة.

يشرح "أواب" أسباب عدم رصد وتسجيل حالات الموت لنزلاء الخلوة قائلًا: "عند الشيخ إقرار مكتوب من أسرة النزيل أو الطالب مضمونه أن الشيخ يفعل بالمريض ما يشاء وإن قادت الأفعال إلى الموت. ويتم دفن الجثث دون عرضها على المشرحة لأن للشيخ علاقات مع الشرطة حيث يوجد موظفين من البوليس الرسمي يقومون بحراسة الخلوة مقابل أجر مادي يدفعه الشيخ. كلها أسباب أعاقت الناشطين من متابعة ورصد حالات الموت".

زيارة ميدانية

زارت الناشطة "سعاد" خلوة البكري وأفادتنا بالقول: "أول إصابة كوليرا ظهرت في مدينة الجنينة العام الماضي كانت في خلوة الشيخ البكري، حيث تنساب مياه الصرف الصحي وسط ساحة الخلوة ولا توجد أنابيب صرف صحي". تصف سعاد الفئات التي تتلقى العلاج هناك بأنهم أما مدمنين أو لديهم مشاكل مع ذويهم وآخرين مرضى نفسيين ومشردين.

تجيب سعاد على السؤال الملح هنا، وهو لماذا يقصد الناس هذا المكان؟ "فشل الأسر في التربية وضعف ثقافة تلقي الخدمات من مقدمي الرعاية النفسية والاجتماعية. يجعل الشيخ يسيطر على عقول ضحاياه من الأسر مستخدمًا القرآن الكريم ومستغلًا جهل الناس".

حادثة الغرانيد

في 4 كانون الأول/ديسمبر 2019 كان المواطن "عبدالرازق" (26) عامًا متعاطيًا سابقًا للحشيش وسبق له تلقي العلاج في خلوة الشيخ البكري. أدخلته أسرته مرة أخرى للخلوة ليقلع عن تعاطي الحشيش، وعند مجيئهم للاطمئنان عليه ومع اقترابهم من المكان شاهدوا مجموعة من الإداريين وتعرفوا عليهم، يحاولوا تقييده بالقوة فما كان منه إلا أن فجر قنبلة يدوية "غرانيد" كانت بحوزته. مات عبدالرازق فورًا وثلاثة آخرين.

شاهد عيان: "أنقذوا الأطفال"

دخل "محمد أحمد جدو" الخلوة عام 2017 بغرض تلقي العلاج واقتيد بواسطة أفراد يتبعون للشرطة. يؤكد "جدو" أن المريض يقيد بأصفاد حديدية موصلة بجنزير مثبت بإحكام إلى قواعد موجودة في الجدار، يربط بشكل أسوأ من "الحمار" ويسمح له بالتحرك في مساحة السلسلة داخل المراحيض. يصف حالة الأطفال والتعذيب قائلًا: "يتعرض الأطفال لانتهاكات جسدية وجنسية بمختلف أشكالها من تحرش واغتصاب واستغلال جنسي ويتعاطى بعضهم المواد المخدرة. ورصدت تسع حالات انتحار. أما الموت عن طريق الضرب وكتم الأنفاس في "حوض غسل أواني الطعام" فكثير ولم أتمكن من رصد عدد الحالات. المشكلة أن التعذيب والإهانات تتم بشكل يومي".

أكد "جدو" أن عمليات تهريب تتم للمرضى بمساعدة الإداريين مقابل مبلغ مالي. قال لـ"الترا سودان" أن الضحايا الهاربين من الخلوة لا يستطيعون التجول في المدينة بحرية لأن أيدي الشيخ ستطالهم لذلك يلتحقون فورًا بالقوات النظامية والمليشيات المنتشرة في دارفور للخدمة بعيدًا عن الخلوة.

الجهل وخشية العار

عزا الطبيب "الشفيع عباس" أن أسباب تمسك الأهالي بالشيوخ في مداوة المرضى يعود للجهل بالأمراض النفسية وطرق علاجها، والثقافة الشعبية التي تحتسب المريض شهيدًا إذا مات على أثر تعذيب شيخ يدعي علاجه، فلا يذهب الأهل للمشرحة. يؤكد "عباس" أن خوف المجتمع من العار وصفة الجنون والنبذ الاجتماعي كلها أسباب تقف وراء التمسك بكل من يدعي العلاج بالقرآن الكريم.

ناشطون: نطالب بتكوين لجنة تقصي حقائق وإغلاق فوري لخلوة الشيخ البكري وتقديمه لمحاكمة

لجنة لتقصي الحقائق

اتفق كل المتحدثين في التحقيق على مطالب محددة، يسردها الناشط "أواب" بالقول: "نطالب الجهات الرسمية بتكوين لجنة لتقصي الحقائق تتكون من المحامين الديمقراطيين ووزارة الداخلية ومبعوثين من النائب العام ووزارة الرعاية الاجتماعية والمنظمات الحقوقية، للتحقيق في شأن هذه الخلوة. إذا تم إثبات وقائع التعذيب نطالب بإغلاق الخلوة ومحاكمة الشيخ البكري، وعلاج الضحايا وتعويضهم بما ينص عليه القانون".

نفي وإثبات

نفى الشيخ "البكري" في حديثه لـ"الترا سودان" معظم الاتهامات التي ذكرت وقال: "لا توجد حالات وفاة بهذا العدد المذكور دون أن يتحدث عنها الناس والإعلام" في ذات الوقت، أكد على حقيقة كتابة التعهد من قبل أهل المريض بإخلاء مسؤوليته إذا توفى المريض لأن المرضى أحيانا ربما ينتحرون لمعاناتهم من أزمات نفسية حادة لن يكون مسؤولًا عنها بحسب تعبيره. وقال: "لا وجود للشرطة أو حملة السلاح بغرض حفظ الأمن".

وأقر الشيخ "البكري" بأن الخلوة مفتوحة لمن يريد تعلم القرآن الكريم وللمشردين والمرضى النفسيين والمدمنين، قال: "يوجد طلابًا في الصف الثامن أساس والمرحلة الثانوية نساعدهم على إكمال المراحل التعليمية ودراسة الجامعة. ولا يتعرض الأطفال لأي مضايقات جنسية، وإذا دخل الخلوة شخص فاحش فإنه يتوب، كما أن الخلوة مكشوفة للجميع ويصعب ممارسة أفعال فاضحة في السر".

وأكد البكري لـ"الترا سودان" وجود حالات تقييد بالجنازير والأصفاد لأن حالتها تستدعي ذلك، ويتم فك القيد حالما هدأت حالة المريض. أما الأجر الذي يتلاقاه هو فيكون حسب مقدرة الأهل، أحيانًا يتم دفع مبلغ (55) ألف جنيه وأحيانًا أخرى مجانًا.

من ناحية أخرى، أكد الشيخ البكري وقوع حادثة مفجر الغرانيد. وقال أن الخلوة نظيفة وهناك أطباء يتم اللجوء إليهم عند الضرورة.

 

اقرأ/ي أيضًا

ذوو الإعاقة بالسودان.. طَرْقٌ مستمر على القضايا وآمال في استجابة الحكومة

البعيدون عن القلب والعين.. قضايا الإعاقة في عهد السلطة المدنية