14-نوفمبر-2023
وزير التجارة والصناعة السابق مدني عباس مدني

القيادي الثوري ووزير التجارة والصناعة السابق مدني عباس مدني (ألترا سودان)

"الحرب الحالية معقدة، وجذرها الأساسي يفهم صراعًا على السلطة والثروة بامتياز".

"ما حدث من أزمة إنسانية بموجب الحرب أمر غير مسبوق.. والمدخل السياسي ضروري لإحداث اختراق جدي". 

"دور الحركة الإسلامية في إشعال الحرب يقرأ في إطار التناقضات القائمة". 

"القوى المدنية لم تستطع الحفاظ على تماسكها في طور الانتقال".

"تأثير القوى المدنية يظل محدودًا لأنها لا تملك كوادر في مؤسسات الدولة ومنظومتها الأمنية".

"الحرب أنتجت نخبة رثة وأبواق دعاية حربية بامتياز".

"دمغ الاتفاق الإطاري بإشعال الحرب يتماهى مع البروباغندا الإعلامية المضادة للمسار المدني".  

"موقف حميدتي من التحول الديمقراطي تكتيكي بالأساس.. وطموحه الشخصي في السيطرة لا يخفى على ذي نظر".

"قادة الجيش هم من سمحوا بتمدد الدعم السريع ومنحوه قدرًا من استثمارات القوات المسلحة".

"لاحظتُ وجود منافسة حادة بين شركة الجنيد ومنظومة الصناعات الدفاعية".

"تقديرات متطابقة تؤكد أن تهريب الذهب يمر عبر القنوات الرسمية".

"القوى المدنية لا يمكن أن تراهن على الحرب.. ومشروعها في الانتقال لا يتحقق إلا بالأدوات المدنية السلمية".

"الثورة لم تنظّف المجال العمومي من أصحاب الولاءات المشتركة. والقضاء سيحسم روايات البعض بشأن مشاركة عناصر مدنية في انقلاب حميدتي المزعوم".

"هل في مقدور أحد أن يصدق أن الدعم السريع يمكن أن يسلّم القوى المدنية السلطة إن نجح في انقلابه المزعوم؟!".

"قادة الجيش والدعم السريع الحاليين ينبغي أن يكونوا خارج معادلات الحكم في المستقبل".

"هناك اعتراضات قوية داخل القوى المدنية على الاتفاق الإطاري لسماحه بإعادة إنتاج قادة الانقلاب لأنفسهم من جديد".

"ينبغي تجميع المنظومة الأمنية تحت قيادة عسكرية واحدة وخضوعها لقيادة مدنية على الفور".

"لا للحرب هي الموقف الأخلاقي الممكن لحرب قامت في المدينة ولم تراع قواعدها المنظمة".

"المسار السياسي يُناقش مع القوى السياسية.. والمسار الإنساني متأخر جدًا".

"من الضروري تجاوز التعميمات المرتبطة بالجيش المهني إلى تأطيرات إجرائية وعملية".

"الجهد الشعبي في الغوث الإنساني والمطابخ الجماعية لن تصمد أمام تضاؤل المدخرات.. والمدخل الإنساني يمكن أن يفتح كوة للحل الشامل".

حوار صريح مع القيادي الثوري مدني عباس مدني ورؤى مستبصرة في سياق الوصول إلى حلول مرضية للصراع الحالي الذي يسميه "صراع سلطة وثروة بامتياز أخذ منحى اجتماعيًا خطيرًا"

مدني عباس مدني القيادي المدني الثوري ووزير التجارة والصناعة في حكومة الثورة الأولى، فاعل سياسي في سياق معارضة نظام "الإنقاذ" عبر منصة الطلاب المحايدين الذين ترأس رابطتهم أواخر التسعينات بجامعة الخرطوم لينضم إلى التشكيلات المعارضة التي راكمت نضالها في مسار متصاعد انتهى بسقوط البشير في الحادي عشر من نيسان/أبريل 2019. خلال هذه الأحداث عاد مدني إلى صدارة المشهد محمولًا على أدوار التفاوض مع المجلس العسكري الذي انقطع بعملية فض الاعتصام ليستأنف من جديد في أعقاب مظاهرة 30 حزيران/يونيو 2019. وبرز مدني وزيرًا للتجارة والصناعة في حكومة الثورة الأولى برئاسة عبدالله حمدوك.. خرج مدني ضمن كتلته الموصوفة بالتجمع المدني من تحالف الحرية والتغيير منذ بداية العام 2022 .. ويعمل مديرًا عامًا لمنظمة نداء التنمية السودانية (منظمة غير حكومية مقرها الخرطوم) ونال بموجب ذلك عضوية تنسيقية الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية.

التقينا مدني عباس مدني في بحثنا الحثيث في أفق الحل المنشود ومقاربة طبيعة الحرب الدائرة واكتناه أبعادها ومراميها واستكشاف رهناتها الضامرة والمعلنة، فقلبنا معه دواعيها وتداعياتها بعقل نقدي مفتوح ورأي جهير يتوسل الحجاج المنطقي الموضوعي، فكان حصيلة النقاش حوار صريح ورؤى مستبصرة في سياق الوصول إلى حلول مرضية للصراع الحالي الذي يسميه "صراع سلطة وثروة بامتياز أخذ منحًى اجتماعيًا خطيرًا".. فإلى مضابط الحوار:

1. كيف ترى الحرب المشتعلة منذ الخامس عشر من أبريل؟ أهي مسار حتمي لتناقض قوى عنف الدولة؟ أم تآمر مختلق بفعل اختراق عناصر النظام السابق؟ وهل في الإمكان أن تشعل الرصاصة الأولى حربًا ضارية على نحو ما نشهد؟ 

يمكن تصنيف الحرب الحالية بأنها حرب معقدة، والنظر إليها نظرة اختزالية بتغليب عامل على عوامل أخرى لا يفي بالوصول إلى حقيقتها، بيد أن كل المقاربات التي تسعى إلى تفسيرها وتوصيفها لا تخلو من صحة ووجاهة، وهي بكل تأكيد ليست كافية. وفي سياق زوايا النظر المختلفة إليها يمكن أن ننفذ إلى جذرها الأساس، بحسبانها صراع سلطة وثروة، لأن مؤسستي الجيش والدعم السريع ضالعتان وطامحتان إلى السيطرة على السلطة والثروة.. هذا الجذر الأساسي في نظري خلق تناقضًا أفضى إلى ما نعيشه حاليًا من حرب دامية ومدمرة. أمر آخر مرتبط بهذه النقطة أيضًا وهي أن كلا الجيش والدعم السريع يحملان الأهداف نفسها، فالجيش السوداني تاريخيًا ظل يعتمد على القوات الصديقة (المساندة) غير أن التطور الذي جرى لمؤسسة الدعم السريع جعلها لا تقل في عدتها وعتادها وتدريبها عن مؤسسة الجيش، فضلًا عن الطموح الشخصي لقادتها وعلاقاتهم الإقليمية والدولية. إذا اعتبرنا هذه عوامل رئيسة في التحليل فهناك عوامل مساعدة تطورت مع الزمن لتصبح عوامل رئيسة في تحليل الصراع، ومنها مثلًا توظيف الشروخ الإثنية وخطاب الكراهية بين ما يسمى بأولاد البحر وأولاد الغرب، واستدعاء الذاكرة التاريخية المتعلقة به والتي ظلت مستمرة في التاريخ الحديث من لدن قيام جبهة نهضة دارفور في الستينات وصراع جبال النوبة في عقد الثمانينات وحركة بولاد في التسعينات وصولًا إلى ما ألقاه انقسام الحركة الإسلامية ومفاصلتها الشهيرة في مختتم التسعينات، وكيف فرّق صراع السلطة والثروة بين عناصر تنظيم واحد وأضحى أداة للتنصيف والتباين وأخذ منحى الاستقطاب الإقليمي وإعلاء خطاب الهويات الجزئية وما ورد عمومًا في سياق خطاب التهميش وتعميق ما أشرت إليه من واقع الانقسام التاريخي. واضح جدًا أن هذه العوامل التي لم تكن رئيسة في إشعال الصراع بدت مع الزمن وكأنها هي العوامل الرئيسة.. ونستطيع في جملة واحدة أن نصف الحرب الدائرة باعتبارها صراعًا سياسيًا اقتصاديًا أخذ منحًى اجتماعيًا حادًا.

https://t.me/ultrasudan

علاقة الحركة الإسلامية بإشعال الحرب أيضًا واضحة لجهة أن حزب المؤتمر الوطني كان لديه دور تخريبي لمسار الانتقال الديمقراطي. وبرز هذا الدور وتجلى في انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021. وأظهرت محطة الانقلاب نفسها حجم التناقض الداخلي بين طموحات قادة كلٍّ من الجيش والحركة الإسلامية والدعم السريع، وما نجم عنه من صراع إرادات عمّق من شأن التناقض القائم أصلًا.

هناك أمر آخر متعلق باتساع مخاوف الدعم السريع من أن تقود صلاته مع روسيا إلى إدانته ودمغه ومحاولة إعاقته مما أضطره إلى عمل انعطافة في تبني مواقف مرضية للجانب الغربي، وهو ما جعله على مستوى الخطاب السياسي يبدو وكأنه يساند التحول الديمقراطي.

https://t.me/ultrapalestine

مرةً أخرى، أستطيع تأكيد أن دور الإسلاميين أساسي، لكنه لا يمكن أن يقرأ إلا في ظل التناقضات القائمة أصلًا والتي لو لم تكن قائمة بذات الدرجة لتعذر عليهم القيام بما قاموا به على ذات النحو.

مقاطعًا: أين الاتفاق الإطاري مما جرى، لا سيما أن الجنرال "حميدتي" نفسه قال أنه لم يكن مختلفًا مع البرهان قبل الاتفاق الإطاري؟

رغم أنني جزء من المجتمع المدني الذي خرج من الحرية والتغيير منذ بداية العام 2022، لكن الحق يجعلني أقول إن الاتفاق الإطاري هو أحد محاولات القوى السياسية لاستعادة المسار الديمقراطي علاوة على أنه طرح لأول مرة حلول –غض النظر عن تقييمها– بشأن مسألة الإصلاح الأمني والعسكري ومسألة الدمج بخلاف الوثائق السابقة بما فيها الوثيقة الدستورية التي لم تتطرق إلى هذا الموضوع المهم والمفصلي تطرقًا مباشرًا واضحًا ولا سيما الدمج. ليس من شك في أن حميدتي دعم الاتفاق الإطاري لحساباته وتقديراته هو، وليس لإيمانه بالتحول الديمقراطي، وواضح أن دعمه تكتيكي لأن أيما شخص سعى في تضخيم موارده المالية والبشرية فهو بلا جدال يطمح إلى الهيمنة. أما المؤتمر الوطني فحساباته في تقويض الاتفاق مبنية على قطع الطريق أمام ما بُذل، للعودة من جديد، وبلغ الذروة مع انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021. ربما تبرز تساؤلات بخصوص موقف الدعم السريع من التحول الديمقراطي إذا ما تم التوقيع على الاتفاق الإطاري، وهي تساؤلات مشروعة جدًا غير أن تعليق الاتهام عليه –أعني الاتفاق الإطاري– بأنه ما أشعل الحرب يبدو كلامًا غير دقيق وغير صحيح بالمرة، وهو يتماهى مع الدعاية السياسية والبروباغندا التي تتنكر للأسباب الحقيقية لنشوب الحرب.

https://t.co/TsHIHXYWv4

2. ما الذي فجر الأزمة بين الجيش وقوته الساندة؟ وكيف تحول الدعم السريع أصلًا إلى قوة موازية للجيش؟ هل المكون المدني الصاعد فيما بعد ديسمبر بعيد عما جرى؟

هذا أيضًا حكم غير دقيق لأنه يستعلي على السياق الظرفي، فالقوى المدنية الصاعدة ما بعد ديسمبر أتت ووجدت تعدد الجيوش واقعًا مفروضًا على كره، وأدركت الدعم السريع تحديدًا ينظمها قانون، ولعل إحدى النقاط التي أخرت الاتفاق على الوثيقة الدستورية وما حدث حيال فض الاعتصام كان بسبب الموقف الواضح من الدعم السريع. القوى المدنية كانت تأمل بعد توقيع اتفاقيات السلام أن تفتح نافذة للإصلاح الأمني والعسكري. وحتى نكون منصفين فإن أثر القوى المدنية لم يتجاوز مستوى الخطاب السياسي، أما على المستوى التنفيذي المباشر فإن قادة الجيش كانوا يرفضون الحديث عن الإصلاح الأمني والعسكري، وهذه مسألة موثقة. من سمح بتمدد الدعم السريع ومنحه حتى جزءًا من استثمارات الجيش مع أنها غير صحيحة كانوا قادة الجيش، وظلوا في هذا الإطار حتى انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021. القوى المدنية ليس لديها القوة لترفض الإصلاح الأمني والعسكري.

ما طرحه الجيش من خطاب مضاد للدعم السريع بوصفه تشوهًا بنيويًا في عمق التكوين العسكري لم يطرحه في أي وقت سابق، وكان يمكن أن يجد دعمًا سياسيًا وجماهيريًا كونه يمثل مطلبًا عامًا: وجود مؤسسة أمنية واحدة. هذا الجيش نفسه هو الذي أغلق بوابات القيادة العامة في وجه الثوار يوم فض الاعتصام، واستمرت سيطرة الدعم السريع على العاصمة من دون أن يبدي الجيش أي ممانعة أو اعتراض. تأثير القوى المدنية يظل محدودًا لأنها لا تملك كوادر داخل مؤسسات الدولة ومؤسسات الجيش والمنظومة الأمنية مثل الحركة الإسلامية. الثابت أن القوى المدنية عملت على الوساطة بين الأطراف العسكرية المتنازعة –التي انقلبت عليهم في تشرين الأول/أكتوبر 2021– حتى لا يتحولوا إلى الحرب، لسبب بسيط ومباشر وهو أن القوى المدنية لا يمكن أن تحصل على أي ثمرة من الحرب، بل النقيض تمامًا والمتمثل في عسكرة المجال العام والتضييق على المجتمع المدني والسياسي كان هو المسار الوحيد الذي يمكن أن تمضي في طريقه الحرب. ليس من قوى سياسية ناضجة يمكن أن تعتقد أن جهة ما –مهما أوتيت من براءة– في مقدورها أن تهدي ثمرة فعلها سواء بالانقلاب أو المعركة الخاطفة. وأيما فاعل في المجال العام يعرف أنه لن تقوم مؤسسة عسكرية ما بانقلاب ثم تهدي ثمرته إلى قوى أخرى بحجة أنها مدنية أو ثورية، هذا أمر لا يجري في الواقع، ولا يمكن أن يؤسس عليه موقف سياسي واعي.

مقاطعًا: هناك رواية أوردها الصحفي عثمان ميرغني بضلوع بعض قوى الحرية والتغيير في انقلاب مع الدعم السريع لصالح مشروع فرض الاتفاق الإطاري؟

هذه الروايات تبدو خيالية. أفهم مثلًا وجود نزوع إلى الولاءات المشتركة داخل القوى المدنية وعلاقات مع الجيش أو خلافه، وهذا متوقع لأن الثورة لم تنظف المجال العمومي تمامًا من أصحاب الولاءات المشتركة، لكن هذا إن وجد لا يمكن أن يفرض رأي عام سياسي يشكل غطاء لانقلاب يقوده الدعم السريع (نسأل الله أن تنتهي الحرب لنبحث صحة هذه الفرضيات قانونيًا في ضوء الأدلة والبراهين المقدمة)، لكن بصفة عامة هل من سياسي أو حتى غير سياسي يظن أن الدعم السريع يمكن أن يسلم القوى المدنية السلطة إن نجح في انقلابه المزعوم؟! أنا أعتقد أن مثل هذه الروايات لا يسندها منطق موضوعي إذا تحدثت من منطلق مؤسسي، أما إن كان الأمر متعلقًا بالأفراد فإن المجال المناسب هو بحث صحة الاتهامات من عدمها بالقانون وعلى منصات المحاكم وساحات التقاضي.

3. كيف سمحت قوى الحرية والتغيير باستمرار أكبر اختلال في عمق المنظومة الأمنية؟ ولماذا لم تثر قضية حل الدعم السريع بوصفها مطلبًا ملحًا للثوار على الأقل في أعقاب فض الاعتصام والأحداث السابقة واللاحقة له؟ هل ثمة رهان خفي على استمرار الدعم لمواجهة أي مخاوف محتملة لعودة النظام القديم؟

هذا التصور غير منطقي بالأساس، كل القوى السياسية المدنية كانت تتحدث عن شذوذ وضعية الدعم السريع منذ بدايات تكوينه، ودفعت أثمان باهظة في طرح هذا الأمر بقوة؛ فليس ثمة رهان يمكن أن يعول عليه في خلاف الأدوات السياسية والاستمرار فيها على نحو سلمي. وإذا كان الاتفاق الإطاري يوفر تنظيف مؤسسات الدولة من العناصر التخريبية والمعيقة للتحول الديمقراطي فما الذي يجعل القوى المدنية تذهب في مغامرات تقف بالضد من منهجها النضالي السلمي والمدني في آن. كلنا رأى في فترة ما قبل الحرب خطابًا صادرًا عن جهة معلومة، يبشر بالحرب ودنو أجل الاتفاق الإطاري، وهو تاريخ قريب لا يحتمل التزوير؛ فالقفز على كل هذه الحقائق الدامغة والاسترسال مع افتراضات ظنية لا تصمد أمام النظر الموضوعي، يبقى خيارًا غير منطقي بالمرة.

مقاطعًا: يمكن أن يقال أن هناك أيضًا تصريحات منسوبة إلى عناصر قيادية في الحرية والتغيير تقول إن البديل للاتفاق الإطاري هو الحرب؟

طبعاً واضح جدًا من سياق الأحاديث التي قيلت في مناسبات متفرقة أن الاتفاق الإطاري هو الذي من شأنه أن يجنب البلد حالة الاستقطاب الحاد بين الدعم السريع والجيش، وأنه يمكن أن يطرح حلولًا سياسية بدل المضي في الاتجاه العسكري. فليس من تهديد هنا! ولماذا التهديد إن كان قائد الجيش نفسه موقع على الاتفاق وموافق على ما جاء فيه حسب ما صرح في لقاء جماهيري.

وإن كان من تحفظات على الاتفاق غير اعتراضات الإسلاميين، فهي صادرة عن قوى مدنية معتبرة ترى أن الاتفاق يمنح فرصة للقادة العسكريين الحاليين وشرعية من جديد، وهي التي تسببت في انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021 وعطلّت مسار الانتقال، ما يجعلها خارج أي إطار مستقبلي للحكم في السودان. فالاعتراض على الاتفاق الإطاري يصدر عن مجموعات وازنة من القوى السياسية التي ترى ضرورة تجاوز القادة العسكريين الذين تسببوا في الانقلاب، وعدم السماح لهم بإعادة إنتاج أنفسهم من جديد.

4. في سياق النقد الموجّه إلى المكون المدني ترد مفارقة كبيرة بشأن أن قوى الحرية والتغيير سمحت بوجود تعدد في المنظومة الأمنية، بينما آثرت أن تستأثر بالقرار السياسي على نحو أحادي (أحادية القرار السياسي وتعددية قوى العنف) كيف ترى هذا النقد؟

الحديث عن الحرية والتغيير يشمل أكثر من مستوى، أنا بطبيعة الحال أتحدث عن الفترة الأولى التي كنت جزءًا منها في لحظة الثورة، وكانت تمثل المجلس المركزي وتشمل الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاق جوبا والحزب الشيوعي وتجمع القوى المدنية، كان معيار الإبعاد ساعتئذٍ هو الاصطفاف إلى النظام السابق المثار ضده حتى لحظة سقوطه، فلو خرجت قبل ذلك بأسبوعين فقط لن تستثنى من هياكل السلطة الانتقالية، تحديدًا في المجلس التشريعي المزمع تشكيله حينها، حتى هذه القاعدة عليها استثناء وهو أن تكون موقعًا على اتفاق سلام مع النظام السابق مثلًا، وهذا مستوى من التسامح كبير جدًا وأكثر من طبيعي، ولم يخرج قانون عزل سياسي للقوى التي ظلت إلى جانب النظام حتى آخر لحظة عدا المؤتمر الوطني. لا يوجد في العالم نموذج شبيه تسمح فيه السلطة القادمة على تضحيات الثوار بوجود عناصر ظلت مناوئة لنضالاتهم حتى آخر رمق. أنا لا اتفق مع فرضية الإقصاء، لكني أفهم النقد الموضوعي للقوى المدنية، أنها لم تستطع الحفاظ على تماسكها الذي بلغ ذروته بالثورة، وأنها في لحظة انقسامها المدني كان المكون العسكري يعزز أوضاعه السلطوية ويجلب رجالات الإدارة الأهلية ويستقطب حتى مجموعات الحرية والتغيير، ويتضح هذا الأمر جليًا في اعتصام القصر وانقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021. لا أعتقد أن هناك إقصاءً في بنية القوانين والتشريعات التي صاحبت الانتقال، بل على العكس تمامًا أجد أن المؤتمر الوطني أضاع على نفسه فرصة لتصحيح أوضاعه ونقد تجربته وإعادة تموضعه في قلب المسار الديمقراطي بدلَا عن معاكسته. فالأصوات التي طالبت بحل المؤتمر الوطني بوصفه تنظيمًا إرهابيًا ليس هدفها بأي حال محاربة الفكرة، وإنما هدفها مكافحة الممارسة والطرائق المرتبطة بتجربة المؤتمر الوطني في الحكم، فأبسط قواعد النظام الديمقراطي ألا تكون ضد فكرة الديمقراطية نفسها، فضلًا عن ضرورة تصفية وجودك في المؤسسة العسكرية والأمنية للوصول إلى مستوى من المنافسة المتساوية. ومع هذا وذاك لم يقدم المؤتمر الوطني كلمة واحدة في سياق نقد التجربة، فالأزمات والحروب وانفصال الجنوب تستدعي نقدًا جوهريًا للممارسة التي أنتجت كل هذه المآسي.

لا أعتقد بوجود أي نوع من الإقصاء، لكن مرة أخرى أقر بافتقاد القوى الثورية القدرة على الحفاظ على تماسكها وتوحيد مسارها والتسامي على الخلافات الصغيرة على الجزئيات لتحقيق الشرعية المبنية على التوافق العام والتي لا تقل عن شرعية الانتخاب خاصة في زمان الثورات والانتقال. هذا بلا شك خلل تساءل عليه المؤسسة السياسية، أنها لم تستطع أن تصمد إلى حين إكمال الانتقال في السودان. ولو استطاعت إنجاز بنية متماسكة لقابلت انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2021 بصورة أقوى.

لن أستفيض في الكلام عن دور قادة الجيش في تعميق واقع التعددية الأمنية وما ظلت توفره في سبيل اتساع رقعة نفوذ الدعم السريع لا سيما في فترة ما قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية التي وجدت واقعًا من الصعب تجاوزه.

مقاطعًا: على ماذا كان يراهن قائد الجيش في تضخيم الدعم السريع؟

في رأيي كان قادة الجيش يستثمرون في الدعم السريع لتوفر لهم حماية من أي تحرك داخل مؤسسة الجيش ويؤمن مسيرة طموحهم السلطوي.

مقاطعًا: ألم يلتفت إلى طموح حميدتي؟

في ظل غلبة التكتيك يصبح الأمر رهنًا بهامش المناورة لدى كل شخص ومدى ثقته في آحاييله ومستوى مكره إلى أن نصل إلى لحظة الحقيقة ونستيقظ على واقع الصدام الدامي كالذي حدث.

مقاطعًا: هل لاحظتم هذا التناقض في عهد شراكتكم المؤسسة على الوثيقة الدستورية؟ أم أن وجودكم كخطر كامن كان يجمع القوى الأمنية عليكم؟

التناقض كان واضحًا لي على المستوى الاقتصادي حين كنت أدير وزارة التجارة والصناعة في الفترة الأولى، خاصةً بين شركة الجنيد ومنظومة الصناعات الدفاعية، وعلى مستوى استمالة رجال الأعمال واجتذابهم كلٌ لصالحه.. غير أن الممارسة النظامية في التهريب كانت هي أسوأ أنماط الفساد المؤسسي؛ فالذهب المصدّر تعويضًا عن خسارة عائدات النفط بعد الانفصال بلغ في 2012 نحو (40) طنًا حسب ما تقول الأرقام الرسمية رغم أن التعدين كان في بداياته، والغريب أننا لم نصل إلى هذا الرقم في مرحلة ما بعد الثورة التي تحسن فيها الوضع تحسنًا طفيفًا لتبلغ نحو (37) طنًا، مما يؤكد أن التهريب يجد رعاية المؤسسات النظامية، لا سيما إذا علمنا أن الأرقام المتوقعة –بحسب تقديرات متطابقة– تصل إلى (80) طنًا، مما يؤكد أيضًا أن التهريب يتم عبر القنوات الرسمية. من الواضح أن مجال التعدين احتضن صراعًا عنيفًا وخفيًا في آن بين مؤسستي الجيش والدعم السريع، وامتدادات هذا الصراع على المستوى الإقليمي والدولي كذلك واضح أن الطرفين تعاملا مع السودان كأرض خلاء وضخمّا عوائدهما على نحو مباشر.   

5. تُحشد كثير من القرائن في محاولات دمغ القوى المدنية الصاعدة ما بعد ديسمبر (قوى الحرية والتغيير– المجلس المركزي أو قوى الإطاري) والنظر إليها كحليف للدعم السريع، ليس أولها تطابق روايتهما ورؤيتهما للحرب وغض الطرف عن واقع الانتهاكات والجرائم التي تقوم بها المليشيا.. مع الاحتماء بشعار لا للحرب والتمترس في مواقف الحياد برغم أن الحرب القائمة في أوضح مراتبها هي بين الممثل الشرعي المحتكر للعنف وفصيل متمرد.. ما قولك؟

 أنا أنطلق من منصة ليست لديها علاقة بالحرية والتغيير، وفي الوقت نفسه أستطيع أن أراقب المشهد من غير "غبائن". لدينا مشكلة في الممارسة السياسية السودانية متعلقة بتصنيف من يختلف معنا، ومرات كثيرة لا نفرق بين ما تكتيكي وما هو إستراتيجي. أنا مثلًا أرى أن الاتفاق الإطاري فيه مشاكل بخصوص الإصلاح الأمني والعسكري من ناحية إرجائه سيطرة القوى المدنية على المنظومة الأمنية إلى ما بعد الفترة الانتقالية، وهذا خطأ باعتقادي؛ فالخطوة المفتاحية للإصلاح الأمني والعسكري هو خضوع المؤسسة الأمنية والعسكرية للسلطة المدنية، غض النظر عن انتخاب تلك القيادة من عدمه. فكرة خضوع الأجهزة الأمنية ليست مرتبطة بالوصول إلى نظام ديموقراطي. الحرية والتغيير ترى ضرورة التدرج والمراعاة في تنفيذ هذا الأمر وتفادي ما يمكن أن تحدثه من صراع. أنا من وجهة نظري أرى أن منهج التدرج خاطئ، وهو المنهج نفسه الذي اعتمدناه منذ الثورة في تفادي الوقوع في المنزلقات المدلهمة والتي تحدث على أي حال مهما حاولنا تجنبها، المهم أن تفعل ما هو صحيح وتبني الخيارات الصحيحة. التدرج يكون مفيدًا حين يكون لدى الطرف الثالث رغبة في الوصول إلى النقطة النهائية، أما إن كان هو أيضا يستغل التدرج لتفادي الضغوط التي يتعرض لها، فهذا يعني أنه لا يريد الوصول إلى توافق بشأن النقطة النهائية.

أنا أرى أن في لحظة ما تلاقت كل الإرادات للتوقيع على وثيقة الاتفاق الإطاري، بمن فيهم قائد الجيش، وأن حميدتي –كما أسلفت– نظر إلى تبني موقف القوى السياسية المدنية للاستفادة من الدعم الدولي الذي يجده هذا الموقف وغسل ما اعتبر انخراطًا كاملًا في التحالف مع روسيا وتفادي العقوبات التي يمكن أن تطاله عقب حرب أوكرانيا، ومن جهة أخرى أراد أيضًا أن يسدد نقاط في إطار تنافسه مع قادة الجيش.. أما الكلام عن أن الحرية والتغيير شكلت غطاءً سياسيًا للدعم السريع، فهو جمل إنشائية غرضها التخوين، لكنها لا تصمد أمام التحليل الموضوعي. قد يكون لدى كثير من الناس نقد لممارسات الحرية والتغيير ومواقفها وخياراتها غير أن مساواتها مع الدعم السريع فيها ظلم كبير لها وللكيانات والأحزاب التي تضمها. بالعكس أنا أرى أن الدعم السريع هو من انضم إلى موقف الحرية والتغيير وهو على سبيل التكتيك كما أسلفت.

مقاطعًا: أليس الاحتماء بشعار لا للحرب يساوي بين القوى المحتكرة للعنف الشرعي ويمثلها الجيش وبين فصيل تمرد عليها؟

حتى لا نذهب في تقريرات جوفاء لا بد من أن نعرف أولًا بماذا يطالب من يرفع شعار لا للحرب، وتحديدًا حيال الإصلاح الأمني والعسكري. فإذا كان يعتقد أن الإصلاح الأمني والعسكري بحسب الخطاب السياسي وليس كما يفعل البعض من محاكمة النيات والتسوّر على حرمات الذات وإطلاق أقصى وأقسى الاتهامات، فاللحظة التي حدثت فيها الحرب كان هناك اتفاق بين الجيش والدعم السريع والقوى السياسية بشأن فترة الدمج، وعليه فالحديث عن دمج الدعم السريع في الجيش وإبعاد المنظومة العسكرية من النشاط الاقتصادي والسياسي وخضوعها للقيادة المدنية هي القضايا الأساسية التي تمثل الأفق المنشود للمعالجة.. ماذا يتوقع الناس إزاء أطراف متصارعة أن تفعل القوى السياسية سوى أن تدعو إلى وقف الحرب؟!

مقاطعًا: المتوقع من أن تبدي القوى السياسية موقفًا رافضًا لتمرد الدعم السريع على الجيش حسب ما يرى بعض المحللين

الصراع كما أوضحت سالفًا أعمق مما نظن، وقد ساهم الجيش نفسه –أعني على المستوى القيادي– في تضخم الدعم السريع ليغدو في وضع مكافئ، لذا أرى أن الموقف المطالب بإيقاف الحرب كان أسلم موقف خشية الذهاب إلى مسارات متشعبة على المستويات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. ولو وقفت الحرب في بداياتها لكان وقوفها في مصلحة الجيش، إذ كان سيجنبنا كل هذه الخسائر الإنسانية وتبعاتها، وكان الجيش سيحصل على دعم سياسي لموقفه من الدمج والتسريح، لكن الإصرار على المواصلة في الحرب دون النظر إلى الآثار الاجتماعية ودون تقييم حقيقي لقوة الطرفين، جعلنا نتحدث عن خيار الدولتين بدل الحديث عن الدمج والتسريح.

وكما ذكر أحد الأصدقاء أنه لم تعد هناك فجوة فقط بين السودانيين وإنما حدود افتراضية في ظل تصاعد خطاب الكراهية الذي يفتح الاحتمال على مصراعيه، ليس أمام فكرة دولتين، وإنما أمام فكرة اللادولة مقابل دول متعددة.

الموقف المعلن بخصوص لا للحرب هو الموقف الأخلاقي، لأنها حرب قامت في المدينة وأخذ موقف من المدنيين إلى جانب أي طرف كان سيعرض حياة المدنيين لمزيد من المخاطر وهذا ما حدث. فالحرب التي حدثت هي أسوأ أنماط الحروب على الإطلاق لأنها نشبت في المدينة ولم تراعِ قواعد أخلاقية أو إنسانية، ولم تلتزم بأسس الحرب وليس السلام. لا أحد من القوى المدنية لا يعرف طموحات الدعم السريع، لكن إن كانت الحرب ستنتهي في إطار تفاوضي يصبح من الأفضل الوصول إلى حل سياسي منذ البداية على نحو أسهل لأن الاستمرار فيها يعني إضعاف مقدرات المؤسسات المتصارعة ومقدرات الدولة في الوقت نفسه، مما يمنح الفرصة للمطامح الإقليمية للتحرك بقدر أكبر.

6. ورد في الورقة السياسية للجبهة المدنية ضرورة إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية كشرط أساسي من شروط التأسيس والانتقال وفقًا للمعايير الدولية على أن تفضي هذه العمليات إلى الوصول إلى جيش مهني قومي واحد خاضع للسلطة المدنية لتضع حدًا قاطعًا وملزمًا لظاهرة تعدد الجيوش (القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والمليشيات) خارج إطار الجيش المهني، وفُهم من هذا السياق أن الجبهة تساوي بين الجيش والدعم السريع وتطالب ليس بدمج الدعم في الجيش وإنما بتكوين جيش جديد، وهي ذات رؤية الدعم السريع في هذا الصدد.. كيف تفسر ذلك؟

حالة الحرب هذه أنتجت نخبة رثة وهي أشبه بأبواق الدعاية الحربية مما يمكن أن يضطلع به المثقف في هذه الظروف، وفي إطار الانحيازات لديها قدرة خرافية على تحويل المواقف إلى نقيضها، ولأنني كنت جزءًا من هذا الاجتماع ومتابع من كثب للصياغات التي تمت.. المسألة تحدثت بوضوح عن تعدد القوات وذكرتها وانتهت إلى دمجها في الجيش المهني الموحد، وحتى لا يساء فهم إيراد مفردة جيش جديد استبعدت كل العبارات التي يمكن أن تبعث ظلالًا من الارتياب، فالكلام عن الجيش الجديد لا يعني فقط حاصل جمع الجيوش المتعددة وإنما بناء جديد على القديم دون إلغائه وعلى نسق مختلف منه، وإنتاج مؤسسة مهنية محترفة لا يسيطر عليها تنظيم سياسي، وتؤدي واجباتها، جيش ذكي له قدرات وإمكانات ويتفرغ لوظائفه الأساسية ولا ينشغل عنها، إذ تكفي نتائج الانشغال كما برز مؤخرًا.. مع الأسف محاولة اجتزاء النص والتعامل معه تعاملًا تجريميًا لا يليق بباحث عن الحقيقة، فالنصوص الواردة أتت في سياق اجتماع تحضيري يتلمس المواقف المناسبة حيال مسألة الإصلاح الأمني والعسكري ويتوخى الوصول إلى حديث تفصيلي في هذا الأمر وتجاوز التعميمات المرتبطة بهذه القضية على شاكلة جيش مهني محترف، والتعمق إلى طرائق الوصول إليه وكيفياته وإجراءاته بحسبانها قضية سياسية بامتياز وليست شأنًا أمنيًا صرفًا كما ساد خلال الوثيقة الدستورية. الصحيح أن هذه المسألة سياسية والجانب الفني منها قضية عسكرية تخضع للرؤية السياسية. 

7. ترى بعض الأصوات أن معالجة مسألة الإصلاح الأمني والعسكري بمنهجها الخطي الفوقي المستمد من المقاربة الغربية أنتجت الحرب القائمة حاليًا.. إلى أي مدى تتفق أو تختلف مع هذا القول؟

ماذا تعني بالمنهج الخطي الفوقي؟

ورد في سياق النقد المقدم للمنهج الغربي في معالجة الشأن العسكري أنه لم يراعِ الخصوصية الثقافية مما أسهم في ما حدث من تعقيد وأنتج الحرب بحسب آراء أكاديميين.. كيف ترى ذلك؟

هذا استدعاء للصراع الحضاري، فالكلام عن الخصوصية لا يلغي وجود تجارب ومعايير موضوعية مأخوذة من خبرات مختلفة ومتنوعة، وبالرجوع إلى اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية نجد امتثالًا كاملًا للمناهج المتعلقة بالدمج والتسريح دون إثارة مسألة الخصوصية. مرةً أخرى لا أرى أن هذه الورش أنتجت الحرب، وإنما علينا أن نرى الصراع في جذوره الرئيسة، بل هذه الورش سعت إلى تخفيف حالة الاستقطاب وعرض تجارب عالمية يستفاد منها باعتبارها علوم، وهي في عمومها ليست ملزمة، ولكنها ميسرة ومسهلة كما جرى التعبير مؤخرًا بكثافة.. وهي حين تعرض التجارب والخبرات على سبيل المقاربة تمنح الأطراف المتصارعة اختيار سبل الحل الأنسب بعد مواءمتها وتبيئتها.

الحرب –مرةً أخرى– نشبت لأسباب متعلقة بالصراع على النفوذ السياسي والتنافس الاقتصادي كما فصلت سابقًا، فضلًا عن استدعائها لواقع الانقسام الإثني والاجتماعي الحاد (الكلام عن الورش باعتبارها هي من أنتجت الحرب أو أن الحرية والتغيير متحالفة مع الدعم السريع، لا يفسر وجود شَكلة في الحلة ناهيك بحرب معقدة كحرب الخامس عشر من نيسان/أبريل) .  

8. مع عودة المفاوضات بين الجيش والدعم السريع شاع أن منبر جدة سينتقل إلى مستوى أعمق في معالجة المشكل في تجليه السياسي والانتقال من إسكات صوت القذائف إلى تأسيس انتقال ما بعد الحرب.. هل من اتجاه جدي في هذا الصدد؟

أنا سأتحدث عن رؤيتي للحل بمعزل عن منبر جدة المتعلق بالقوى الإقليمية والدولية ومناهجها ومقارباتها. هناك حديث من الميسرين عن أن الجانب السياسي يتعلق بالمدنيين، وأنا أتفق معهم، وهذه نقطة جوهرية في رأيي في إبعاد المنظومة العسكرية عن الشأن السياسي والنشاط الاقتصادي، وينبغي لهذه النقطة أن تكون واضحة وألا تخضع للمزايدات والتنازلات. أمر آخر وهو أن الشأن السياسي ومناقشته يفترض أن تكون حصرًا على القوى السياسية، وينسحب هذا الأمر على الشأن العسكري والأمني وخضوعه للرؤية السياسية. وبخصوص الكلام الكثيف عن تغليب المسار الإنساني وضرورة وقف إطلاق النار، أعتقد أنه لا يمكن أن تحدث اختراقات جدية في هذا الصدد دون الوصول إلى حل سياسي.. ربما كان سيلاقي تغليب الخيار الأمني والإنساني نجاحًا في الأيام الأولى للحرب، لكن حاليًا وبعد أن تعمق الصراع وتوسعت رقعته لا أظن أن المدخل الإنساني يغني عن السياسي.

المنهجية القائمة على إحراز تقدم في جميع المسارات ربما كانت ستجدي نفعًا في مراحل أولى، لكن المدخل السياسي ضروري ولو في جانبه الإطاري.

9. في خضم جهود الأطراف المدنية وحواراتها ومبادراتها والانخراط في قضايا التأسيس.. ما هو الأفق الممكن الذي يترسمه هذا المسار وما هي أبرز معوقاته؟ وهل يمكن مناقشة عودة الإسلاميين مرة أخرى؟ وضمن أي صيغة يمكن أن تكون خطوة كهذه؟

الجانب المدني كان لديه تحديات حتى قبل تشكيل الحكومة الانتقالية، والآن هناك اجتماعات تحضيرية في أديس أبابا للوصول إلى صيغة من تمثيل القوى السياسية والمدنية وحتى القوى الاجتماعية التي ليست لديها مشكلة مع التحول الديمقراطي مثل الإدارات الأهلية والدينية، وهذا مشروع أكبر من إسقاط نظام شمولي وإنما يتعلق بتأسيس دولة.

فيما يخص الإسلاميين هناك أكثر من مستوى، فهناك إسلاميون ليست لديهم مشكلة مع التحول الديمقراطي ونقد التجربة السابقة، وهؤلاء يمكن يتعاون معهم ضمن أفق التنسيق العام بخلاف الأفق التحالفي، وهناك إسلاميون أعاقوا الانتقال وساهموا في إشعال الحرب وخطابهم تخويني وتقسيمي لا يمكن أن يشملنا معهم مشروع السودان الجديد الذي يحلم به الناس. هذا الأمر ليس جديدًا بل قبل السادس من نيسان/أبريل 2019 كان هناك حوار مع مجموعات من الإسلاميين وطُلب منهم تأييد الحراك الثوري على الأقل ليحفظوا لشبابهم أولئك نضالاتهم ومجهوداتهم وحقهم في المستقبل.

الإشكال الأساسي مع من لديهم موقف ضد التحول الديمقراطي ويسعون للحفاظ على وجودهم داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية وأن يكون لديهم "فيتو" في تجاوز واقع العدالة والإفلات من العقوبات على الفساد والتجاوزات. غير ذلك السودان يسع كل الناس.

10. في إطار تساقط حاميات دارفور ومخاطر التقسيم التي تبرز مع واقع الهشاشة وعلو النبرة الإثنية والنعرة الجهوية محمولة على المنطق المناطقي ما بين "دولة البحر والنهر" وإسقاط "دولة الجلابة".. ما هو الخطاب المدني المضاد؟

العقليات التي تتحدث عن التقسيم تصدر عن رؤية شمولية لا ترى في التنوع مصدر قوة، وإن كانت كل جهة مختلفة تمضي إلى الانقسام بحجة الاتساق فسيصبح التقسيم لا متناهٍ. ما الذي يجعل البحر والنهر شيئًا واحدًا وما الذي يجعل الشرق جزءًا من الشمال؟ ليس من دول يمكن أن تتشكل بهذه الطريقة. جنوب السودان حالة خاصة في سياقات مختلفة أخذ قرنًا من الزمان فعليًا، فمن احتلال السودان وحتى سنة 1947 كنا محكومين بقانون المناطق المقفولة ومنذ العام 1955 بدأ التمرد، وما عدا عشر سنوات منذ العام 1973 وحتى 1983 ظلت الحرب هي العنوان الأساسي للعلاقة بين شمال السودان وجنوبه. ومع ذلك يرى كثير من الشماليين والجنوبيين أنن الانفصال لم يكن الخيار الأسلم.

ما الذي فعلًا يجعلني في الشمال قريبًا من العنصري في البحر والنهر؟ هل الدم؟ مع الأسف هذا يرينا أننا لم نقف على التطورات الهائلة التي حدثت للاجتماع الإنساني، لكن علينا ألا ننكر أن هذا الخطاب العنصري رغم تساقطه وسخفه لديه قدرة على الانتشار بدرجة كبيرة لا سيما في زمان الحروب التي تكون فيها زعزعة ليقينيات الدولة والإحساس بالاحتماء بالهويات الجزئية والنفور من الآخر. هذا الخطاب من شأنه أن يخلق حالة الفوضى (اللادولة) أو دول متعددة وغير مستقرة.. وواضح أن المنطقة والعالم لن يرحبوا بأمر كهذا.

لذا ينبغي أن نوقف الحرب التي لا تمضي فقط على مستوى السلاح والقذائف وإنما في العقول أيضًا، وأن نعمل على تغيير الطرق التي نفكر بها. هناك من يعتقد أن الحروب تمثل نقطة انطلاق إيجابي، بيد أن كثيرًا من الحروب انتهت بدولها إلى تعدد الحروب، وتاريخنا نفسه هو تاريخ سلسلة حروب مكثفة، والمؤسف أننا لم نغير عقلياتنا ولم نستفد من تجاربنا، بدليل بلوغنا محطة الحرب المأساوية ضمن مسار متواصل ومتواتر. ما يجب أن تقود إليه هذه الحرب لتنتهي إلى الأبد إدراك أن المسار الذي سرنا فيه مسار غير صحيح وأن السودان يلزمه قدر أكبر من قبول الآخر واستيعاب التعدد السياسي والثقافي.. أما الرؤى الحادة التي تتناسل منها نسخ شبيهة فلا يمكن أن تبني نماذج لدول ناجحة. الصوت المدني يحتاج إلى تشكيل خطاب مقابل لخطاب الحرب. القضايا التي أنتجتها الحرب ليست قضايا الإصلاح الأمني والعسكري وإنما قضايا الوحدة والبناء الوطني والسلم الأهلي، ولا بد من أن تبذل فيها جهود حقيقية بعيدًا عن الكلام والأمنيات الطيبة المرتبطة بمحاربة الكراهية والفيدرالية وإدارة التنوع بطريقة أفضل.  

11. كيف ترى وضعية الدعم السريع في أي مقاربة قادمة للحل؟ هل سيعود في المستقبل بكامل امتيازاته وكسوبه التي راكمها منذ آخر عهود النظام السابق؟ وكيف له أن يتنازل عما حصل عليه بدماء عزيزة من أبنائه؟ وبين هذا وذاك كيف يمكن لنا أن نخرج من هذه الورطة؟

أنا أرى الأطروحات التي كانت قبل الحرب من الصعب أن تطرح بعد الحرب، وأن قادة الطرفين لا ينبغي أن يكونوا جزءًا من المستقبل حتى لا تتكرر هذه المسألة. فيما يخص الدعم السريع نتحدث عن مسألتين، الأُولى متعلقة بالدمج والثانية متصلة بالتسريح، والأَولى بنظري متعلقة بالتسريح أكثر من الدمج.. والدمج يخضع لشروط فنية متعلقة بالقانون والكفاءة مع وجود تنوع إثني ليس معه غلبة لفئة دون أخرى، وهذا إطار فيه تجارب وازنة يمكن أن يستفاد منها. هناك حركات مسلحة (الموقعة على سلام جوبا) فضلًا عن حركات مسلحة يمكن أن تنضم في المستقبل (مثل حركتي الحلو وعبدالواحد) وكل ذلك لا يمكن أن يتم إلا في ظل وجود قيادة عسكرية واحدة، وتكون القيادة العسكرية تلك خاضة لقيادة مدنية تنفيذية، هذا أمر غير قابل للتأجيل، ويمكن استيعابهم في المؤسسات النظامية المختلفة واخضاعهم للتدريب لمدة معقولة لاكتساب العقيدة العسكرية الوطنية. هذه مسألة متعلقة بالترتيبات الأمنية، لكنها متعلقة بقواعد أساسية، منها وحدة القيادة، وأن القادة المنخرطين في إشعال الأزمات من الجيش والدعم السريع لا ينبغي أن يكون لهم دور في المستقبل، وأن القيادة العسكرية الموحدة ينبغي أن تخضع للقيادة المدنية.

12. بوصفك فاعلًا في المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، كيف تقيم المسار الإنساني وما توصل إليه مؤخرًا؟ ولماذا تأخر أو غاب المسار السياسي عن المسار الأمني والإنساني في منبر جدة؟ وهل يمكن أن يحدث اختراق حقيقي في ظل غياب أهم مدخل لمناقشة الأزمة أعني "المدخل السياسي"؟ 

تفادي المنبر مناقشة الشق السياسي بالنسبة لي مفهوم ومعقول في سياق أن الجانب السياسي ينبغي أن يناقش مع القوى السياسية والمدنية، فضلًا عن أن الجانب الإنساني ملح جدًا ولا يحتمل التأخير، فالوضع الذي يمر به السودان غير مسبوق من حيث الكوارث والفظائع التي حدثت، وهي مسألة أرى تأخر الدور العالمي والإقليمي عن القيام بالواجب حيالها سواء بتوفير المساعدات أو حماية المدنيين، وفيما يخص مسألة المساعدات الإنسانية لدينا مشاكل حقيقية باعتبار أن الحرب كأنها قادمة من قرون خلت، فالقواعد المتعلقة بالحرب وتوفير ممرات آمنة كلها غير متوافرة، والعاملون في المجال الإنساني يتعرضون لأبشع الانتهاكات مثل الاغتصاب الذي تعرضت له نساء في بحري من قوات الدعم السريع أو اغتيال عمال إغاثة في أكثر من منطقة، وهناك كثير من الفاعلين في المجال الإنساني اضطروا إلى الخروج من مناطق اشتعال الحرب، وما يزال الاعتماد بدرجة رئيسة على الجهد الشعبي والمحلي (المطابخ الجماعية ودور الإيواء) وهذا لن يستمر لفترة طويلة لتضاؤل المدخرات لتغطية ما مقدارهم سبعة ملايين نازح داخلي ولاجئ خارجي، وهي مسألة تتطلب أن يكون للعالم دور أكبر. وفي مستوى أعمق يشكل هذا التوقيع اختبارًا باعتبار أن الجانب الإنساني يمكن أن يمثل سانحة لبناء ثقة، وإن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن الاتفاق والاختراق في المسارات الأخرى أكثر تعذرًا وتعثرًا.