تردة الرهد.. حياة المكان تنبع من البحيرة

تردة الرهد.. حياة المكان تنبع من البحيرة

غروب الشمس على تردة الرهد

ظلَّ توافر المياه، تاريخيًا، ذا أثرٍ حاسمٍ في نشأة المدن والبلدات، في كردفان؛ نظرًا للطبيعة الرعوية والزراعية في مناطق تُصنَّفُ مناخيًا بأنها سافنا فقيرة.

أُلحق مسمى "أبو دكنة" باسم مدينة الرهد، نسبةً إلى الدُّكْنة التي يُلقي بها اخضرار الأشجار على المنطقة

يلفت عصمت حسن زلفو في كتابه عن موقعة شيكان، إلى انتباه المهدي لأثر انعدام المياه على الجيوش الغازية لاحتلال مدينة الأبيض، وكيف قطعت القبائل الطريق على جيش هكس باشا بتجفيف مصادر المياه.

اقرأ/ي أيضًا: جبل مرة.. سحر الطبيعة والميثولوجيا الدينية في السودان

في نفس المناطق التي شهدت تحرُّكات جيش هكس الغازي، دفع توافر المياه المجموعات السكانية في قرى السميح وأنضرابة وفنقوقة وغيرها من الحلّال بشرق كردفان، إلى السكنى بالقرب من المنخفض الطبيعي بين "قوزين" من الرمال تجري بينهما المياه في موسم الخريف، فكوَّنا تُردَة "الرهد"، التي تسمَّت بها المدينة، وصارت مركزًا تجاريًا للمحاصيل والمواشي، ومحطَّة مُهمَّةً لخط السكة الحديد يتفرَّع منها إلى الأبيض وإلى خط طويل عابرًا كردفان من شرقها إلى غربها حتى حاضرة دارفور نيالا.

يُقال: "الرهد أبو دكنة مسكين ما سكنا"؛ فبسبب الطبيعة الغابية للمنحدر وما حوله، أُلحق مسمى "أبو دكنة" باسم مدينة الرهد، نسبةً إلى الدُّكْنة التي يُلقي بها اخضرار الأشجار على المنطقة. وينسب بعض أهالي الرهد، الدُّكنة إلى جبل الداير، الذي يحيط بالمدينة من الناحية الجنوبية، وصُنِّفَ محميَّةً طبيعيةً منذ العام 2010. 

يقول ناظر عموم قبيلة الجوامعة، د.هارون الطيب هارون، إن التردة كانت مُصمَّمة لريِّ مشروع لإنتاج الذرة في العام 1942 لتزويد الجيوش المقاتلة في شمال إفريقيا في الحرب العالمية الثانية وكان يسمى (مشروع غريفس).

ويضيف أنه "في العام 1957 تعرضت المنطقة لحالة شح في مياه الشرب نسبة لشح الأمطار، فقرر مجلس ريف شرق كردفان بقيادة الضابط الإداري سليم حسن سليم، وضع حلول جذرية لشح المياه بالاستفادة من الخارطة الكونتورية للمنطقة، وعمل ترعة تزود المنخفض بمياه إضافية في نهاية الخريف من خور أبو حبل والذي يستمر جريانه حتى تشرين الأول/أكتوبر وبذلك يرفع مستوى التخزين". ويضيف هارون أنه تم بناء بحيرة شبه مستديمة، إلا أن العام 1967 شهد انحسارًا وشحًا في المياه فتم رفع مستوى التخزين في 1969 لـ65 مليون متر مكعب، على مدار العام من المياه، وري أكثر من ثلاثة آلاف فدان ريًا دائمًا.

يتراوح مسطح تردة الرهد بين 14 كيلومترًا و17 كيلومترًا طولًا وبين كيلومتر واحد إلى كيلومترين عرضًا. ويقول صيادو الأسماك بالتردة، إن عمق التردة يصل إلى ستة أمتار في حده الأقصى.

وتتغذى التردة من خوري أبو حبل من الجنوب وخور أم تقرقر من الشمال وخيران موسمية صغيرة كخور عرديبة وخور السواني وخور بقرة، لتلتقي بالمياه المنحدرة من جبال النوبة وجنوب كردفان مكونة خور أبو حبل الذي يتجه شرقًا مارًا بأم روابة ثم تندلتي ليصب في النيل الأبيض.

في العام 2010، تم تعمير التردة عبر برنامج غرب السودان التابع لمنظمة إيفاد، وتم إنزال 33 ألفًا من الإصبعيات وأربعة أنواع من الأسماك: العجل، البياض، البلطي النيلي، والقرموط، إضافة إلى سمك أم كورو الموجود أصلًا بالتردة.

اقرأ/ي أيضًا: زار 52 دولة على ظهور الجمال.. الرحالة "القاسمي" يحكي قصته من السودان

تم استزراع الأسماك على ثلاث مراحل بعد دراسة قام بها مركز أبحاث الأسماك بالخرطوم التابع لوزارة الثروة الحيوانية. وتُشير المُفتِّشة بالتردة أم سلمة مبارك، إلى أن تغذية السمك في التردة تتم بصورة طبيعية، وأن أعلى إنتاج وصل إلى 27 طنًا في الشهر في العام 2014 – 2015 ثم قل الإنتاج إلى 15 طنًا في الشهر.

وتعزو أم سلمة انخفاض معدل إنتاج الأسماك إلى الفيضانات التي تدفع الأسماك باتجاه خور أبو حبل حتى النيل الأبيض، على الرغم من وضع شبك معدني لمنع اندفاع الأسماك إلى خارج التردة، لكن تم تكسيره؛ إضافة إلى عدم اهتمام المسؤولين في عهد البشير، بتنمية الثروة السمكية والمحافظة عليها. إضافة إلى ذلك، فإن السعة التخزينية تقل بسبب الأطماء.

وترى أم سلمة أن تعميق البحيرة وإزالة الأطماء وحبس الأسماك، يُسهم بصورة فاعلة في الحفاظ على الثروة السمكية بالتردة، لكنها تعزو التدهور الحالي إلى "عدم اهتمام المسؤولين الحكوميين في النظام السابق بالتردة"، وهو ما "يرجع إلى أنها لم تكن بالنسبة لهم مصدرًا مهمًا للجبايات!".

حكومة الإنقاذ حوَّلت المشروع لحوض بارا الجوفي، فتوقف العمل بعد اكتمال المرحلة الأولى؛ فصارت التردة كما هي عليه حتى الآن

في العام 2010، تم تكوين الجمعية التعاونية لصيادي الأسماك، وبأمر محلي تم تنظيم الصيد والترخيص وطريقة الصيد.

يشير الناظر هارون، إلى أن هناك دراستين لإمداد مدينة الأُبيِّض بمياه الشرب: الأولى كانت تردة الرهد والثانية كانت حوض بارا الجوفي؛ لذلك تم الشروع في تحسين التردة، لزيادة مخزونها لمائة مليون متر مكعب، فبدأ العمل في توسيع القناة الناقلة من منظم خور أبو حبل، وكذلك توسيع بوابات التحكم إضافة إلى رفع الردميات لزيادة السعة التخزينية، إلا أن حكومة الإنقاذ حوَّلت المشروع لحوض بارا الجوفي، فتوقف العمل بعد اكتمال المرحلة الأولى؛ فصارت التردة كما هي عليه حتى الآن.

 



اقرأ/ي أيضًا:

مركز نياكورين الثقافي.. منحة خاشقجي التي تحولت لشركة خاصة

البحر الأحمر.. فردوس السودان المهمل