26-يناير-2020

المطربة السودانية "منى الخير" (يوتيوب)

أوائل الستينيات، عندما صدحت المغنيّة السودانية "منى الخير"، من كلمات محمّد علي أبو قطاطي بهذه المقاطع: "أنا من أمة راقية/ وشعبُها منتصر/ سودانية حُرّة/ ووطني حُر". كان صوتها قويًا وهاتفًا على إيقاع شبيهٍ بالمارش، يحملُ في تضاعيفهِ وعي المرأة السودانية، منذ تلك العقود، بحقّها في النضال، والوطنية، والسُودانوية والحريّة.

 

 

ثلاثٌ وأربعون، هي حساب السنوات التي عاشتها منى الخير (1937-1980)، ضيفةً على الدنيا، ثم غادرتْ بذات الالتماعة الهادئة البديعةِ في مثل هذه الأيام، قبل أربعين عامًا

موقفٌ من مواقف كثيرة، للفنانة منى الخير، تُنبئُ عن عظيم فكرةٍ، وفرادة تجربةٍ غنائية، تستحقُ أنْ يستذكرها السودانيون، في ذكرى وفاتها الأربعين، كواحدةٍ من أيقونات الوعي؛ والغناء السوداني بامتياز.

اقرأ/ي أيضًا: أساطير سودانية.. سرديات وطنية وأخرى مضادة

ثلاثٌ وأربعون، هي حساب السنوات التي عاشتها منى الخير (1937-1980)، ضيفةً على الدنيا، ثم غادرتْ بذات الالتماعة الهادئة البديعةِ في مثل هذه الأيام، قبل أربعين عامًا. لكنّها بحسابات التجربةِ، والأثرِ، سنواتٌ من الخُلود، والمحبّة الوطنية، والفناء في منابرِ فن الغناء. لم تكن منى الخير ضيفةً عابرةً عليه، تقفُ أمام ناقل الصوت، ولكنها وعتْ باكرًا بمسئوليتها، فأدتها وزيادة.

وكـأنّما التاريخُ يستدعي نفسه، في كل مرة. في "بُرّي" الثورة والهُتاف في ثورة كانون الأول/ديسمبر 2019، المدينة الخرطومية الراقدة على النيل الأزرق، قبل (83) سنةً؛ وُلدتْ آمنة عبد الله. والتي صارتْ تُعرف بين النّاس باسم: منى الخير. من أبٍ ينحدر من شمال السودان، وأم من جنوبه، "شُلكاويّة" من أعالي النيل بجنوب السودان. كانتْ تهيم منذ عتباتها الأولى في درب الغناء، وعلى طريقتها، بالوعي، والمحبة، والثورة، والحُريّة.

وفي 26 كانون الثاني/يناير، قبل أربعين سنة من الآن، وفي واحدة من أسرّة مستشفى الخرطوم التعليمي، أسلمتْ منى الخير روحها، وتوقّف قلبها عن الخفقان، عندما لمْ يحتمل جسدها الواهن الضعيف، غرزات الإبر، ولا المحاليل الوريدية. أغمضتْ عينيها ورحلتْ هكذا بذات بساطة سلسال أدائها لأغنياتها.

اقرأ/ي أيضًا: غناء "الراب" في السودان.. ألحان على إيقاع الثورة

يذكُر السودانيون، والعارفون بتاريخ مسيرة المغنية السودانية منى الخير؛ أغنياتها العاطفية، التي لاقتْ الذيوع والإعجاب. ويذكرون كيف كانتْ تُهدهِدُ ليالهم في بيون الأفراح، أو عبر سمّاعات راديو الإذاعة السودانية.

ويذكرونها كلما أتاهُم بديعًا؛ عبر حوامل صوتها الحنين، أو أصوات متأخرين ومتأخرات كُثر ردّدوا أغنياتها متهدلة العواطف. يذكر لها الناس: "يا عيون المها"، و"منى عُمري وزماني"، و"أبوي"، و"أسباب سهري الما معروفة". أو حتى ما أصطلح عليه تحت مسمى "أغنيات بنات"، من شاكلة: "الليلة بلاّل/ بلّال ما جاء". أو "الشيخ سيّرو"، وغيرها.

تغنّت "منى" للثورة، فهتفتْ بـ: "أنا ثورية"، من كلمات "علي سُلطان". وغنّتْ للحُرية في "أنا حُرّة"، من كلمات "محمد علي أبو قطاطي". ولـ"استقلال السودان"، من كلمات "محمود طُرنجة". ولـ"موكب الثائر"، من كلمات "السر محمد عوض". و"ملحمة إلى شعبي"، مع عدد من زملائها الفنانين

وما بين تفتّح عيون منى الخير باكرًا، بالولادة، وإغماضها بالوفاة، قدمت مسيرة حافلة بالوعي، والتجديد، والريادة، والوطنية. تغنّت فيها للثورة، فهتفتْ بـ: "أنا ثورية"، من كلمات "علي سُلطان". وغنّتْ للحُرية في "أنا حُرّة"، من كلمات "محمد علي أبو قطاطي". ولـ"استقلال السودان"، من كلمات "محمود طُرنجة". ولـ"موكب الثائر"، من كلمات "السر محمد عوض". و"ملحمة إلى شعبي"، مع عدد من زملائها الفنانين، وزميلاتها الفنانات، من كلمات "صلاح أحمد إبراهيم". كل ذلك كان في أواخر الستينات، وحتى السبعينات من القرن الماضي. وهي الحقبة التي تأثّر فيها السودان، بصرعات الموضة، وصرخات الجاز، وهُتافات الاشتراكية.

العارفون بتاريخ منى الخير، ومسيرتها الفنية، يُرجحّوا بداياتها بأغنيات "السباتة" و"الدلوكة" "الفتياتية"، في حفلات أعراس الخمسينات. وهي أنواع من الغناء أظهرتْ فيها منى الخير، تفنّنًا ولوذعيّة، وجعلها مطلوبةً في مناسبات الطبقة السودانية الوسطى. وهو ما ساعدها بذات البراعة في الانتقال؛ إلى ما عُرف -وقتها- بالغناء الحديث، لمّا التفتتْ إليها فرقة الخرطوم جنوب الموسيقية وقابلتها بالإعجاب والاحتفاء، عبر موسيقيين كُثر، من أمثال "عبد الفتاح الله جابو"، و"بُرعي محمد دفع الله"، و"خليل أحمد"، و"علاء الدين حمزة".

 

هؤلاء كان لهم الأثر الكبير في انتقال منى الخير، وتقديم صوتها الجميل، عبر كلمات أثيرة، لشعراء مجيدين، يأتي في مقدمتهم عبد الرحمن الريح، إسماعيل خورشيد، وأبو قطاطي. وهو ما وضعها في مكانة مستحقة من الإنتاج الفني، والاحترام في ذلك الزمان، مع سابقتيها عائشة الفلاتية، وفاطمة الحاج، وهما اللتان كانتا بمثابة المعلمات الموقرات لمنى الخير. وينقل من عايشوا تلك الأيام، المحبة البيّنة منها لهما. والتقدير الممتلئ بالاحتفاء منهما لها.

لم يكن درب التجربة الفنية الغنائية؛ لمنى الخير مفروشًا بالسهولة واليُسر، وإنما لاقتْ من مجتمعها الصغير ما لاقتْ. كونها فتاةً انتدبتْ نفسها للدخول في مجال يصف فيه المجتمع المغنون الرجال -وقتها- بالصعاليك، والصُيّع، وأشباه الرجال. فما بالك بالفتيات؟

كل ذلك، دليلٌ على أنّ منى الخير، لا تستحقُ أنْ تُسجن في كونها فنّانة المشاعر الرقيقة الراقية، وحدها وهي سيدتها، وإنّما تستحقُ أنْ يتذكرها النّاسُ، وهم مفعمون بالحُريّة والعدالة والسلام، أنْ يتذكروا صوتًا "مُشلّخًا" وفريدًا اسمه منى الخير، حلّق فوق سماواتهم قبل أن ينطفئ.

 

اقرأ/ي أيضًا

الأيقونات الثوريّة.. جدليّة الرمز وصاحبه

ستموت في العشرين "غريبًا"