بروفايل ثوري.. سلسلة كتابات لا نهائية

بروفايل ثوري.. سلسلة كتابات لا نهائية

الشهيد عباس فرح

(2) حمامة الروح

"الثورة، ثورة أفكار.. غير فكرك وقول أنا ثورجي وأنا كنداكة.. لا للعنصرية فكريًا، دينيًا، عرقيًا. السودان حق السودانيين، المسلم والمسيحي واللاديني، الأسود والبرتقالي ذاتو. العربي والزنجي، والحرية لكل من فيه".

 الشهيد عباس فرح عباس

ابتسامُتكَ كالحُلم المُذاب في كأس العابرين إلى ليالي الكمال، ويدُكَ غُصنٌ أخضر يهدل عليه اليمام ولا يقطف الزيتون: لماذا أشقيتنا يا عباس، يا حمامة الروح، ببياض تحليقك الشاهق الناصع؟ لماذا يا عباس تُحلِّق هكذا، طائعًا حُرًا، مفرور الفؤاد والجناحين؟ عاليًا عاليًا تحُلِّق لا لكي تصل إلى سدرة المُنتهى وإنما لكي تكون أقرب إلينا من نبض القلب وأشهى من الحنان؟ من حنانك الأخضر هاك حناني الشفوق "المُحندك" بالثمر! هازِّزني يا ملاك وأرقص على حفيف أوراقي ولا تغفو إلا محمولًا على أيادي الغيم المرتحل إلى سرير موتك الغارق في بياض الأبدية!  لقد رأينا ثوبك الدامي الراقص على حواف المتراس ومن قطراتهِ تتفجَّر الينابيع ومن رائحتهِ النقية الحُرَّة تَستلف النسمات طاقة الارتحال. ما أشهى الموت وأنت تُحييِّ في موتك الباسل فوق المتراس مَوَّتى العالم السابقين واللاحقين.

أنت وحدك أبقى من حياتنا المائلة في غروبها الأخير إلى زوالها النهائي. أنت أبقى من كل الملاحم والأساطير

لقد كنتَ خالصًا من موتكَ الملحمي العابر إلى حياة ما وراء الخلود، بَّازًا طائر العنقاء الذي يحيَّ نفسه ولا يُحيِّ غيره من رماده. موتك الحي أحيَّا نفسه وأحيَّا الحياة معه. لقد كنت وافرًا ومبذولًا، طليقًا وسخيًا، وكأنك أنثى الضفاف التي تقطع "رحط" شوقها إلى الحرية بأزهى "قرمصيص" الروح. فأنت وحدك أبقى من حياتنا المائلة في غروبها الأخير إلى زوالها النهائي. أنت أبقى من كل الملاحم والأساطير، وكأن أمك أنجبتنا ولم تنجبك أنت إلا من رحم الحياة وسقتك لبن العصافير. فأنت انعكاس ثورتنا الجميلة، طويلُ ضفائرها وأرض حقلها الخمري الطاعم الفسيح.

اقرأ/ي أيضًا: بروفايل ثوري.. سلسلة كتابات لانهائية

أنت سدرة اللامنتهى يا عباس! الشجرة التي رأينا خيالها في ثباتك الراسخ في قلب المتراس وحول حوافه، وكأنك كنت خيال المتراس المرسوم في ألواح ما قبل الخلق والتكوين. أنت أحلانًا يا عباس!، يا طعم اخضرار ليالينا ونهاراتنا الوارفة في ساحة الاعتصام. فالشجرة هي بنتُ السماء التي كانت في ساحة الاعتصام تكتب رسائل حبها لنا على أطراف ثوبك الدامي الذي كان ينشِل قطراته ويرفرف لموتك الأبيض: سلامًا سلامًا. أنتَ الشجرة التي "يتشابى" غرس روحها أبعد من البذرة والظلال وصولًا إلى لا منتهى حفيف أوراقها الصاعد بموسيقاه إلى الأعالي الزرقاء.

لطالما رأينا عباس يغازل بَرَقَ الابتسامة وفجر الانتظار، راكزًا ومتأهبًا على حواف المتاريس كطائر النورس الذي يعتلي موجة الحُلم الكاسر الأخير. إذ لم يكن الشهيد عباس فرح عباس أقلَّ طيور ثورتنا أو أكثرها جمالًا. لقد كانت الابتسامة ترسه الأول والأخير أمام نخبة جديدة من العسكر والمدنيين، لم تتواني عن أداء مهمتها التاريخية المُقدسة المُتمِّثلة في تجيير ثورة الفئات الشعبية الجذرية إلى ثورة إصلاحية سرعان ما ستنتهي على موائد الحكم أو على فوهات البنادق. هو المولود في كل الأمكنة والثقافات. إنه ملح الأرض العابر بطعم المسافة الفاصلة بين مسقط عشيرته "أبو عشر" ومقام مسكنه الحالي "المعمورة". فعمره البيولوجي، الموافق 7 شباط/فبراير 1991، أقصر من خيوط نور رؤياه التي تدعو إلى التحرُّر من أمراض العنصرية والتمييز والاستعلاء والإقصاء. وابتسامته التي تسكن محياه تشي بهذه الرحابة المُشرعة على كل ما هو إنساني خيِّر وطيب. ابتسامته وحدها ثورة بحالها سيتقمصها ثوار الغد القادمين من فجر الهزائم والخزلانات الكبرى. وأقواله وشعاراته لا تغازل شمس الحرية فقط، بل تلامس أطرافها على سبيل اللهو النخبوي والغنج الثوري الفاتن، بقدر ما تشرق هذه الشمس من قلبه الأخضر قبل عقله النير الوقَّاد.

اقرأ/ي أيضًا: "اصحى يا ترس".. حين يعجز الموت أمام عظمة الواجب

لقد أشرعت روحه الثورية الوثابة أبوابًا لوجود إنساني رحيب، تلك الأبواب التي سوف تفضي إلى دروب من العيش المشترك القائم على احترام كل إنسان سوداني وصون كرامته، بغض النظر عن أصله العرقي والقبلي والمناطقي والنوعي. لقد شربت روحه هواءً نقيًا وصافيًا من حنان جهات الوطن الخمس: الغرب، والشرق، والوسط، والشمال، والجنوب. ولم تبخل علينا ملامحه، فرأينا فيها ملامح شوقنا لأطفال أحرار قادمين من ابتسامته "المفرورة" كأسراب الحمام.

لقد توَّسل عباس فكرة الروح لكي يُحررنا من أمراض العنصرية والتمييز والاستعلاء والإقصاء. "متوَّهطًا" روحه فوق المتاريس

لقد توَّسل عباس فكرة الروح لكي يُحررنا من أمراض العنصرية والتمييز والاستعلاء والإقصاء. "متوَّهطًا" روحه فوق المتاريس، كان يوِّشح صباحاتنا وليالينا بابتسامته وينطلق منها فراشات تُحلِّق إلى ما وراء أزهار المستقبل. لقد أمسى رمز الحياة والملاحم وخاتمًا لأنبياء المتاريس.

من بعد اليوم، وعلى كل متراس، ستنمو من دمائه الراعشة زهرة خضراء اسمها "عباس". زهرة الأزهار التي تفوح رائحتها من حديقته المحلقة في أعالي الأبدية.

لقد أشقيت الجمال بجمالك الشاهق يا عباس،  منذ أن رأينا في ملامح وجهك رؤى حبيبات المستقبل، شاهرًا فروحك القرنفلي نبراسًا لإنسان المحبة والحنان.

 

اقرأ/ي أيضًا

عن وجوه السودان الأخرى

رِفقًا بـ"حمدوك": ساحر بلا عصا أو معجزات (1-4)