22-يوليو-2022
احتجاجات في السودان

احتجاجات رافضة للحكم العسكري في السودان

ظلت قضية تحقيق التوافق الوطني محورًا للنقاش والتداول في السودان ونقطةً مركزيةً للحراك السياسي في البلاد والمشجب الذي علق عليه المكون العسكري خطوات قائده في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إذ برّر الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة انقلابه على الوثيقة الدستورية بما أسماه "فشل القوى السياسية والحزبية في التوافق".

محللة سياسية: القوى السياسية تدعو إلى تحقيق التوافق الوطني كمحاولة منها لتبييض سجل تصرفاتها المناقضة له في الواقع

في حزيران/ يونيو الماضي، عشية انطلاق الحوار السوداني - السوداني برعاية الآلية الثلاثية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد، وعد رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان بالنأي بالجيش عن السياسة حال تحقيق توافق سياسي أو بعد الانتخابات.

وفي الرابع من تموز/ يوليو الجاري، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان عن انسحاب الجيش من المفاوضات السياسية التي تيسرها أطراف دولية وإقليمية، فاسحًا المجال للقوى السياسية للتوصل إلى توافق حول تشكيل حكومة كفاءات وطنية. وجاءت تصريحات البرهان بعد يوم من نعي تحالف الحرية والتغيير (المجلس المركزي) للعملية السياسية متهمًا الجيش بتدميرها في أعقاب موجة العنف التي صاحبت مليونية الثلاثين من حزيران/ يونيو الماضي.

أمس الخميس كشفت قوى الحرية والتغيير (التوافق الوطني) عن تشكيل لجنة للاتصال السياسي بقيادة رئيس حركة/ جيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، وعدد من اللجان الأخرى منها لجنة للتعامل مع أزمة إقليم النيل الأزرق.

وتتكون لجنة الاتصال السياسي التي يرأسها مناوي من عضوية رؤساء التنظيمات المكونة للتوافق الوطني، ومن مهامها التواصل مع كل المكونات السياسية بما فيها مجموعة المجلس المركزي للوصول إلى اتفاق لإخراج البلاد من أزمتها والتوافق على "صيغة دستورية جديدة".

تعرّف المعاجم السياسية مفهوم "التوافق الوطني" بأنه الثوابت والأُسس التي تختارها أغلبية المواطنين في المجتمع عن طريق الانتخابات والاستفتاءات التي يشارك الشعب في تقريرها. وهذه الثوابت ليست ثوابت أغلبية سياسية، أي أنها لا تعبر عن مواقف أو مصالح سياسية لمجموعة أحزاب سياسية فقط، بل هي ثوابت أغلبية مُجتمعية (ونعني بذلك المواطنين سواء المنتمين إلى أحزاب سياسية أو غير المنتمين).

https://t.me/ultrasudan

بالنسبة إلى أستاذة العلوم السياسية بجامعة النيلين الدكتورة آمنة أبو رأس، فإن التوافق الوطني هو مجموعة "القواعد العامة" التي يتفق عليها المجتمع، ويبني عليها نظامًا سياسيًا متوافقًا مع النظام الاجتماعي ومعبرًا عن "منظومة القيم الثقافية والحضارية السائدة"، مشيرةً إلى أن الدولة تصبح -عندئذٍ- بكل سُلطاتِها "تعبيرًا عن المجتمع وممثلة له" وتصبح القوى والأحزاب السياسية -بتعريف أبو رأس- ملزمة بما يتوافق عليه المجتمع، ولا تفرض الأحزاب السياسية وتوافقاتها على المجتمع "في مسائل أساسية".

وتضيف آمنة: "مع معرفة التوافق الوطني ومتابعة ما تقوم به القوى السياسية على الأرض فإن الأمر يؤكد فرضية واحدة وهي أن هذه المكونات تدعو إلى تحقيق التوافق الوطني كمحاولة منها لتبييض سجل تصرفاتها المناقضة له في الواقع".

ويعيش السودان حالة انقسام سياسي واجتماعي برز بصورة مباشرة في الصراعات القبلية التي تدور في بعض المناطق، صراعات يقول البعض إنها تنطلق من قوة دفع سياسية ويتم اتهام مكونات سياسية بالتسبب في هذه الأزمات ومحاولات توظيف الكيانات الاجتماعية والقبلية  لتحقيق تطلعاتها.

رهانات البرهان

اشترط قائد الجيش البرهان مغادرة العسكر ساحة العمل السياسي بحدوث توافق سياسي بين المدنيين لتشكيل حكومة كفاءات مستقلة. ويراهن البرهان هنا على عدم توافق المدنيين، ولا سيما أنه يسيطر على عدد من القوى السياسية التي وقفت في صفّه منذ اليوم الأول للانقلاب وفي حال لم يحدث التوافق، فإن ذلك يعني بقاء البرهان أطول فترة ممكنة في السلطة.

ولم تكن الدعوة إلى تحقيق التوافق الوطني من أجل تجاوز الضغوط الشعبية الرافضة لاستمرار السلطة حصرًا على رئيس مجلس السيادة الحالي بل بدت وكأنها سلوك سياسي عام تنتهجه الحكومات السودانية المتعاقبة، وتكرر في عهد النظام السابق الذي خلعته الثورة.

ووصفت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) دعوة قائد الجيش إلى تحقيق التوافق الوطني بأنها "مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي" بسبب الضغط الشعبي، وتهدف إلى الاستيلاء الكامل على السلطة السيادية في الدولة والإمساك بخيوط اللعبة.

وقال الناطق الرسمي باسم (المجلس المركزي) نور الدين صلاح الدين لـ "الترا سودان" إنه لا يوجد شخص عاقل في ظل ظروف البلاد الحالية يرفض دعوة إلى "التوافق الوطني" خصوصًا في ظل حالة "الهشاشة" التي تعيشها البلاد والنزاعات التي تهدد استمرار "اللحمة الوطنية".

 ويضيف نور الدين: "من انقلبوا على التوافق لا يمكنهم أن يحققوه". ويردف: "في السودان الجديد توافق الجميع على ضرورة تحقيق سودان الثورة بقيمها "الحرية، السلام والعدالة" ومن يدعو إلى التوافق على هذه القيم هم أول من انقلب عليها". وبحسب نور الدين، فإن مثل هذه الدعوات في الوقت الراهن تصبح "دعوة حق أريد بها باطل".

نور الدين: أي دعوة إلى تحقيق توافق وطني من دون إرادة وطنية حقيقية لقيام حكومة مدنية كاملة وإبعاد الجيش من الحكم تصبح دعوة بلا قيمة

ويختم نور الدين إفادته لـ"الترا سودان" بالقول إن المهدد الحقيقي لإنجاز توافق بين المكونات السودانية هو "عملية التعاطي مع دعوات التوافق"، موضحًا: "في كونه مجرد مناورات سياسية يسعى أصحابها من خلالها لتعظيم مكاسبهم الذاتية دون النظر إلى المهددات التي تحيط البلاد"، لافتًا إلى نقل المصطلح نفسه إلي "ملعب المزايدات السياسية". ويتابع: "إن أي دعوة إلى تحقيق توافق وطني من دون إرادة وطنية حقيقية من أصحابها لقيام حكومة مدنية كاملة وإبعاد المؤسسة العسكرية من الحكم تصبح دعوة بلا قيمة ومحاولة لشراء الوقت الذي بدأ ينفد وتعطيل لخطوات استعادة مؤسسات الدولة للقيام بواجباتها" - على حد تعبيره.